أنت الآن تقرأ في قسم: إنسان, جنّة الروح

مسرحية الحياة

مسرحية الحياة

الولادة والموت، مشهدان وهميان من مشاهد مسرحيةٍ تُؤدّى على مسرح الحياة.

لا أحد يولد ولا أحد يموت… لم يأتِ، ولن يرحل أحد.

 

إنها لعبة العقل، تجسُّدات المادة، وحكاية الشكل الذي يفنى.

وحده الله يبقى… الأجساد تولد وتفنى… الأشياء تاتي وترحل… لكن جوهر كل شيء، مصدر وجوهر كل شيء وحده يبقى.

 

ستبقى الحياة دائما وابدا مسرحا للتجسد والفناء، لبداية الوصال ونهاية اللقاء. الحياة مسرحٌ لمشهديْن مختلفيْن لكن ببعضهما يتكاملان. يتزاوجان ويتحابان في تناغم وحنان، لتسير بنا الحياة دون أن تعرف بداية ودون أن تهتدي حكايتها إلى صفحة النهاية.

 

 

الإنسان المتأمل الواعي هو مَن أتاه الفَهم فتعلم حكمة الوجود وقانونه، شرب من نهره وعشق فنونه. من قنع واقتنع، سلّم لكَوْن حياته دمعة وابتسامة. دموعنا وأحزاننا ليست ظلما من الوجود، بل غيمة شتاء في السماء تخفي في طيّاتها حكمة لتزيدنا فهما وعمقا… عمق يرفعنا عن ماديات الحياة لنحيا الحي وراء كل حي، ونتجاوز كل ما هو زائل ويزول. وابتساماتنا هي لحظة نشوتنا، حين تشرق شمسنا ويغمرنا نورها بعد رحيل غيوم فكرنا وقلقنا ووَهمنا.    

 

     

هكذا الوجود، في موت وولادة، حزن وسعادة… الأزهار تعانق أوراقها وتغفو في المساء، وفي الصباح تفتح بتلاتها لتستقبل قبلة الشمس… مياه البحار تتبخر وتتصاعد نحو السماء في سمو وارتقاء لتتحول غيوما كالثلج في نقائها، كالمؤمن الخاشع في استسلامها، تأخذها الرياح أينما شاءت. فإذا توحدت مع النسيم كان توحّدها بداية فنائها. تذوب وتنزل مياها عذبة تروي الحقول والأودية. ونهاية دورتها ورحلتها تتجسد في ملاقاتها قدرها حيث مع البحر توحدها.

 

 

الكون بأكمله محيط، وجميعنا بشر وطير وطبيعة وحيوان وحجر، أمواج تظهر وتختفي، أشكال تتجسد وتفنى، تولد وتموت. دائرة أبدية تدور.

 

وأرواحنا جزء من روح الوجود… روح الله… هي الآن في سفر… بُعد لن يطول، فبَعد البُعد لقاء. ستدور في بحور الفكر واختلافاته، دموعه وأفراحه… وفي النهاية ستعود الى النور… ستذوب الموجة حين يلاقيها نسيم الموت، موت فكرها وهويتها… ستتحلل وتتوحد في بحر المحبة والجمال… في الله.

 

خمسة عناصر اجتمعت وتكوّن منها الجسد… التراب، الهواء، النار، الماء والأثير… تتجسد ثم تتحلّل… لكننا نبقى… نترك الجسد … لكننا أحياء … روح حية … والروح لا تولد ولا تموت .. وحده الجسد يولد ويموت.

 

الموت رحلة جديدة … فرصة جديدة لنعي هويتنا الحقيقية … لنتعلم ونفهم ونرى الوجود بعين الروح لا الجسد المحدود … الموت ليس نهاية الحياة بل ذروة الحياة.

 

حين تذبل الزهرة في المساء، فإن عطرها الذي أرسلته في الصباح يبحر في الفضاء… كل ذرة من هذا العطر باقية خارج حسابات الوقت والزمان … الى الأبد.

 

الجسد يفنى … لكن عطر الروح الأبدي سيبقى دائما وابدا في كل مكان.

 

إذاً لنتعلم كيف نفرّق ونفهم… كيف نميز الحياة الحقيقية من الحياة الوهمية… كيف نحيا الحياة بنظرة تجاوزية أبعد من حدود العقل.

 

لنذكر الألوهية، الأبدي الذي لم يولد ولن يموت… حينها سنقترب من الحي داخلنا والذي لا يموت… فمن عرف نفسه عرف ربه… الله بداخلنا وخارجنا وفي كل مكان.

هذه الذكرى النافعة، قُربنا من الله بداخلنا الأقرب من حبل الوريد، سيفتح بصيرتنا لحقيقة أنّ الله ليس فقط في قلوبنا وداخل أعمق نقطة من كياننا، بل في كل شيء.

 

حينها سنتجاوز الفكر والانفعالات وحتى العواطف… نحن أبعد من كل هذا وأعمق وأطهر.

حينها سنذوب في اللا نهائي واللا مرئي واللا محدود… حينها سيأتي الفناء. والفناء في الله هو حقا بداية الحياة.

 

من القلب



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech