أنت الآن تقرأ في قسم: أديان, شاطئ الإستنارة

أوشو: الاستنارةُ شرطٌ حتّى تموتَ واعيًا

أوشو: الاستنارةُ شرطٌ حتّى تموتَ واعيًا

هل باستطاعة الإنسان أن يموتَ واعيًا دون أن يستنير؟

 

قوانينُ الوجود لا تعرفُ استثناءات. وبلوغ ُقِمَم الاستنارة هو السّبيل الوحيد حتّى يموتُ الإنسانُ واعيًا.

 

إنّ الموتَ عمليّةٌ كونيّةٌ عظيمةٌ يقوم من خلالها الوجودُ بِفَصْلِ روحِكَ عن جسدك وعقلك. جسدٌ وعقلٌ كانت الرّوحُ مُقَيّدةً بأغلالهما سنواتٍ طويلة. وإنّكَ في حاجةِ مُخَدّرٍ إذا ما لجأ الأطبّاءُ لإجراءِ عمليّةٍ بسيطةٍ لك، فما بالك والكوْن يُجري لكَ أعظم عمليّةٍ في الوجود؟ الموت.

 

إنّ دخولَ الأفراد الذين حانت ساعةُ موْتِهِم في حال اللّاوعي أثناء مغادرة الرّوح للجسد، هي طريقة الطّبيعة حتّى تعطيهم المُخَدّر. وما لمْ تُحَضّرْ نفْسَكَ وأنتَ حيّ لتدخلَ حالَ تأمّلٍ مَهيب يكشف لك المسافة الهائلة التي تفصِلُ بينك وبين عقلك وجسدك، ما لمْ تعملْ خلال حياتك حتّى تختبر بالتّجربة الرّوحيّة أنّك لسْتَ الجسدَ والعقل، فإنّك لن تموت واعيًا… سوف تعجز عن الموت بوعي. وإنْ زاركَ الموتُ ودخلْتَ أثناء زيارته لكَ حالَ اللّاوعي مثلما يحدث مع السّواد الأعظم من البشريّة، فقد أضعْتَ فرصةً ومِنْحَةً عظيمة.

الاستنارةُ ضروريّة، وحاجةٌ للموتِ الواعي لا مفرَّ منها.

والاستنارةُ تعني أنّ كيانك أصبح ملآنًا بالنّور، فقد سقطَ كلُّ مزيّفٍ فيك، فتحَ عقلُكَ أبواب اللّاوعي فيه فواجهْتَ كلّ ظلامٍ حتّى حوَّلْتَه نورًا، وتجاوزْتَ كلّ ما يربطُكَ بأوهام الخوف والتّعلّق والرّغبة: تجاوزْتَ الحلْم والكابوس معًا.

 

 

موتُكَ بين أحضان هذا الحال يُبقيكَ واعيًا شاهِدًا مُراقِبًا لأنّك ستسمح للموتِ عندها أن يأخذَ منكَ جسدَكَ، عقلك، ودماغك دون أن تتعلّق أو تتمسّك، فأنت الآن تعلَم. أنت الآن تعلم لأنّك اختبرْتَ وليس لأنّك قرأتَ أو سَمِعْت. أنت الآن تعلم أنّ جسدك وعقلك ودماغك لم يكونوا يومًا لك وأنّ المسافات شاسعة واسعة بينكم، ولن تخشى فقدانهم. استنارتُكَ تُحَطّمُ أغلالَ هويّتَك المزيّفة التي حدَّدَتْ نفْسها بالجسد والعقل والدّماغ.

 

تُدعى الاستنارة في الكتب البوذيّة القديمة: الموت العظيم. تعبيرٌ يُشير لأنّك لن تموت، بل سوف تتجلّى لكَ عظمةُ الموت لأنّك ستكون قادرًا على رؤية العمليّة وهي تحدث أمامك. سوف تكون شاهدًا على عمليّة الموت وهو يأخذ منك كلّ مزيّفٍ لا يمتّ لكَ بصِلة. أنتَ الآن تعي خلودك، ولا وجود عندها لتعلّقٍ بالجسد والعقل يُغوي الطّبيعة حتّى تُدْخِلَكَ في حال لاوعيٍ أثناء الموت.

لن تستطيعَ الموتَ بوعيٍ إلّا بعدَ أن تختبرَ خلودَك وتكتشفه. عندها تعي أنّك تنتمي للأبديّة. تعي أنّ الزّمان لا يمرّ عليْك. تعي أنّ بداخلك روحًا هي لابداية الوجود ولانهايته. لطالما كنتَ موجودًا هنا منذ الأزل وستبقى إلى الأبد.

 

الموتُ بوعيٍ هو معجزةٌ من أعظم معجزات الحياة، لأنّ مَن يموت واعيًا شاهدًا مُراقِبًا لن يولَدَ في جسدٍ جديدٍ على الأرض. لن يولدَ في أيّ شكلٍ، سواء كإنسان، طيْر أو شجرة. الآن وبعد هكذا موت ستبقى سابحًا في نعمةِ وعي الكون الأبديّ، وسوف تصبحُ جزءًا من كلّ ذرّةٍ في الكون، موجودًا في كلّ مكان. لذا سُمّي هذا الموت بالموت العظيم.

الوجود لا يعرفُ استثناءات فهو يتبعُ قوانين ثابتة، وقانون الموت العظيم هو واحدٌ من أرفع وأسمى القوانين الكونيّة لأنّه يخصُّ وعيَكَ، حياتَكَ، وموْتَكَ.

أوشو المستنير الحبيب

احتفال من قلب وحال بشّار



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech