أنت الآن تقرأ في قسم: أديان, رسائل مقدسة

أوشو: وَحْشُ الذَّنْب وشَبَحُ الإثْم

أوشو: وَحْشُ الذَّنْب وشَبَحُ الإثْم

 

الحقيقةُ المُطْلَقة قريبةٌ ولم تكُن بعيدةً عنكَ يومًا. ملايين الحيوات قضيْتَها وأنتَ تزور الأرض، ثمّ ترحل وأنت تظنّ أنّ المسافات تفصِلُ بينكَ وبين حقيقةٍ مُطْلَقة هي الأقرب إليْكَ من أيّ موجودٍ في الوجود. حقيقةٌ هي الأقرب إليْكَ من نفْسِك. ولسوفَ يبقى القريبُ بعيدًا طالما اعْتَدْتَ النّسيان. عادةُ النّسيان هذه وغفْلَتكَ عن حقيقةٍ صيغَتْ منها روحُكَ، ونُسِجَ من سرّها جوهرُكَ، قيْدٌ يأبى من الولادة والموت على الأرض أنْ يُحَرّرَك. واجبٌ عليْكَ أن تخرجَ من دائرة هذه العادة، أن تقفزَ خارجها، تُحَطّمَ قيْدَها وتَفُكّ أغلالها، وإلّا… وإلّا الحقيقة المُطْلَقة/الله/أو أيّ كلمة تختارها، ستبقى في حياتكَ أسطورةً، نظريّةً، مُعتقَدًا، إيمانًا، وليست تجربةً.

إيمانُكَ، مُعتَقَدُكَ عاجزٌ عن كَشْف الحقيقة المُطْلَقة لك حتّى تُواجهها وجهًا لوجه، وهذا الإيمان/المُعتَقَد لن يُحَوّلَ الإلهيّ المقدّس تجربةً تُحَرّرُكَ من قيْد الولادة على هذه الأرض. إيمانُكَ، مُعتقَدُكَ هو الحاجز الذي يمنعُكَ من اكتشاف واختبار هذا السّرّ المَهيب، من الانعتاق الأبديّ، لأنّك تظنُّ نفْسَكَ بين أحضانه الباردة برودة صقيع العدم، عارفًا لله ولحقائق هذا الكون وخفاياه. إنّه الخداع: خداع النّفس، فالمعرفة ضدّ التّجربة.

المعرفة ليسَتْ دربًا لاكتشاف واختبار الحقائق الرّوحيّة الجليلة. إنّها السّبيل لولادة الخلافات والخرافات، وخَلْق سوء الفَهم وتَكَوُّن العادات. المعرفة تدفَعُكَ حتّى تجمع المعلومات من أقوالٍ باحَ بها بوذا، يسوع، أو مُحَمَّد، فتؤمن بها، ثمّ تتبَعها. وهذا حالٌ تتراقص فوق أرضه أشباح الأوهام. أوهامٌ تُظهِرُ لكَ البعيدَ وقد أصبحَ قريبًا، بينما يبقى الأقرب إليْكَ بعيدًا تُباعد بينكما المسافات. هذه المَعَارف المُستعارة تخلق العَقْلَ الوَاهِم، والوَهْمُ غذاء العقل.

ليس غريبًا أنّ النّاس تُجادِل وتُثَرْثِر وتتناقش، تُدافع وتدين وتتقاتل حول الله – مَن هو، ماذا يُحِبّ وماذا يكره، أين هو – حول وجوده أو عدمه. وجميعُهم يعتمدون على كلمات، على نصوص، وعلى نظريّات، دون أن يمتلكَ أيّ شخصٍ منهم تُجربةً مُباشرة مع روح هذا الوجود وسرّه.

كيف حَوَّلوا الله أداةً للنّقاش والجدل؟ كيف يُشيرون إليْه؟ كيف يدافعون ويتحدّثون عمّا يُريده وما لا يُريده؟ هكذا أنت تكتشف أنّهم لا يعون شيئًا، أنّهم لم يختبروا أيّ حقيقة. هكذا تضيعُ أوقاتهم في أوهامِ وتصوُّراتِ وتوقُّعاتِ العقول.

القدسيّ الإلهيّ أو ما تُسَمّيه بالله ليس شخصًا موجودًا في مكان، ليس شخصًا يتحدّث ويأمُر وينهي… القُدسيّ الإلهيّ أو ما تُسمّيه بالله هو الوجود، كلّ الوجود… هو مُحيط الحياة الذي ينبضُ حيًّا حوْلَكَ، في قلبك وكلّ قلب… هو نَفَس الحياة الذي يسكُنُ جسدك وكلّ جسد… هو ذبذبة الحياة التي تعزِفُ على أوتار ذاتها فتتجلّى روحك وكلّ روح. أنتَ الآن تجلسُ في الله. أنتَ الآن تتنفّس الله. أنت الآن تتنفّس من خلال الله. لا تَنْسَ هذا الحقّ أبدًا، ولو للحظةٍ واحدة. شرّعْ أبواب قلْبِكَ على مصراعيْها حتّى يسكن هذا الحال كيانك ويتسلّل إلى كلّ مستوى فيك، وإلّا… إنْ لم تَعِ أنّ الله/القدسيّ الإلهيّ هو حقيقتك أنت: داخلك وما يُحيط بك، فإنّك بحْثَكَ وكلّ ما ستفعله باسْمِ التّأمّل والرّحلة الرّوحيّة، لن يكون سوى خداع. رحلتك بأكملها ستكون رحلةً خاطئة ولن تختبرَ أيَّ حقيقة.

هذه الذّكرى ستنثُرُ سِحْرَها على دروب رحلة بحثِكَ لتدفعَكَ على الغوْص داخلك، لا على النّظر في الخارج ومن حولك. هذه الذّكرى ستُوَلّدُ في ذاتك يقينًا بأنّ ما تبحثُ عنه ليس هناك في المستقبل، بل هو حقيقتك ترقدُ فيكَ الآن وهنا. هكذا تسترخي وتُوَدّع القلق والتّوتّر والشّكّ.

أنتَ الآن تجلسُ في الله. أنتَ الآن تتنفّس الله. أنت الآن تتنفّس من خلال الله. لا تنْسَ، ولا تكترثْ لما يقوله المُشَرّعون والفقهاء والمُفَسّرون وأصحاب العقائد. جميعُهم مُخطِئون حتّى النّخاع. إلَهُهم من صنع عقولهم الواهِمة. ليس في الإمكان أن تَعبُدَ الله لأنّه مُختَبِىءٌ في قلبِ العابِد، ساكنٌ أضلُعَه، ومَعدَنٌ منه صيغَت كينونتُه. ليس في الإمكان أن تُصَلّيَ لأنّ الله مُختَبِىءٌ في القلب الذي تصعدُ منه المُناجاة وتتفتّح منه زهرة الصّلاة. ليس في الإمكان أنْ تتوجَّهَ إليْه وتلجأ لهُ في مكانٍ ما خارجك، فهو حقيقتك، هو كينونتك.

هذه الذّكرى الأولى التي يجبُ عليْكَ أنْ تَحمِلَها في قلبك. ذكرى ستُغَيّر مسار رحلتك تمامًا. بحثُكَ الآن لن يعودَ بحثًا، لأنّك ستُدرِك أنّك كلّما بحَثْتَ عنه فَقَدْتَهُ وأضَعْتَه وما وَجَدْتَه. هذه الذّكرى تحميك من آفة انعدام الصّبر ومرض العَجَلة. وسوف تُهديكَ رؤيا تُريكَ أنّ رحلتكَ لا هدفَ لها. رحلتُكَ نفْسُها هي الهدف.

لكنّ المُشَرّعين والفقهاء والمُفَسّرين وأصحاب العقائد قد خلقوا لكَ الكثير من المشاكل. قد سجنوكَ في جحيمِ الإدانة والذّنْب. جحيمٌ التهَمَتْ نيرانُهُ أيّ أمل في أن تشعُرَ الله ينبضُ حياةً بداخلك، ويتنفَّسُ روحًا في أعماقك، وأن تسترخي بين أحضان نفْسك لأنّك الإلهيّ المقدّس بعيْنه. أشباح الإثْم والمعْصِية والعذاب باتت ترقُص من حوْلِكَ، وصُراخُها يُمَزّق عقْلَك دومًا. قد فتحوا أبوابَ جحيم الذّنْب بداخلك فما عُدْتَ قادرًا على تصديق حقيقة أنّك كيانٌ إلهيٌّ مقدّس. إيمانُك المزيّف يُحَتّمُ عليك أن تتطهّر من آثامك وتكفّر عنها بل وتُعاني من أجلها. مُعاناة وتطهير، بؤسٌ وشقاء حتّى تبلغَ مرتبة القدّيسين إنْ بلَغْتَها، لتمرَّ بكَ لمحةٌ من الإلهيّ المقدّس.

الأديانُ كما فسّرَها ونظّمَها العقائديّون خلقَتْ عُقدةَ ذَنبٍ مُعَقّدة داخل العقل البشريّ. عُقدة الذَّنب بالنّسبة لهُم تشكَّلَت منذ البَدء مع ذَنْب آدم وحوّاء. هذا الذّنب العظيم وما يليه من ذنوبٍ على هذه الأرض، تجدُكَ تحْمِلُ وِزْرَها فوق أكتافك، تُثقِلُ كاهلك، وتملأُ قلبَكَ هَمًّا. هذه العقائد الدّينيّة صوَّرَتْ لكَ أنّ الشّيطان هو الأقرب لك وليس الله. أصبح بمقدوركَ استيعاب أنّك تُصغي للشّيطان فتكون آثِمًا، وبات من الصّعب والمستحيل أنْ تقتنعَ أنّك مصنوعٌ من القداسة، أنّك ابنُ القداسة الإلهيّة وبالتّالي فأنت مُقدّس.

وإنّ خَلْقَ عُقَدِ الذَّنْب المُعَقّدة هذه داخل العقل البشريّ، كان حاجةً ضروريّة ومُلِحّة للأديان التي نظَّمَها، أسّسَ لها، وكتبها ثمّ فسّرها ووضع حدودها العقائديّون والمُفَسّرون. يستحيلُ أن تستمرّ هذه التّجارة الرّابحة إلّا على حسابك أنت، إلّا بعد أن تتحوّلَ أنتَ كُتلةَ ذَنْبٍ تسيرُ على قدميْن. تجارة الأديان أساسُها خَلْق الذّنْب في نفوس الحشود، وبثّ أحاسيس ارتكاب الإثم والمعاصي في قلوبهم. الكنائس، المعابد والمساجد، جميعها شُيّدَتْ فوق ذنوبك. لا علاقة لله بها، بل ذنْبكَ هو الذي يحتاجها. شعورُكَ بأنَك عاصٍ وآثم ومُذْنِب يُمزّقُكَ من الدّاخل ويبثّ فيك الخوف والاضطراب، فتلجأ لرجل الدّين حتّى يُرشِدَكَ إلى الطّريق الصّحيح، ويُطهّرك من ذنوبك أو يطلب لك المغفرة. شعورُ الذّنب هذا، ومعه ثورة الخوف والاضطراب، يجعلكَ مهزوزًا هَشًّا من الدّاخل، فتتوه عن وعيك الشّاهد الذي فيك، وتنتظر قائدًا يتولّى عنكَ زمام الأمور.

لا وجود لإنسانٍ استيقظَ وعيه الشّاهد المقدّس بداخله يرضى بأن يكون تابعًا. الأتباع هُم مَن تاهوا عن الله المُختبِىء في أجسادهم. هؤلاء يصبحون على استعداد ليكونوا جُزءًا من الحشد، للانتماء إلى المسيحيّة، الهندوسيّة، الإسلام، إلخ… وجميع أنواع هكذا انتماء تحوي في أعماقها صدى مشاعر الذّنْب والخوف. خوفٌ من أن تكون وحْدك. أنتَ مُذنِبٌ فكيف ستعتمد على نفْسك؟ الاستقلاليّة موحشة وأنت في حاجة لاتّباع طائفة، منظّمة، مؤسّسة، إلخ… تختبىء تحت عباءتها وتسْتَتِر حتّى تنسى ذنْبَك. ومن هنا تولَد فكرة الحاجة إلى مُخَلّصٍ يشفعُ لك، ويُعاني لأجل خطاياك.

يقول المسيحيّون أنّ يسوع المسيح عانى حتّى يخلّصَ العالَمَ بأسْرِهِ من الآثام. هذا منطقٌ لا منطقَ فيه. آدم وحوّاء ارتكبا خطيئةً، أنتَ تُعاني من أجلها، والمسيح يُعاني من أجل تخليصهما وتخليصك، بل وتخليص العالَم أجمع من شرور الخطيئة الأصليّة. البشر تحوّلوا بحسب هذا المنطق دُمًى. تارةً يقودهم آدم وحوّاء إلى الخطيئة، وتارة أخرى يُخلّصهم يسوع منها ليدخلَهم ملكوت الله. ولكن أنتَ كفَرد وسط هذه اللّعبة: لاشيء. استغلالُكَ واحتلالُكَ النّفسيّ مفتاحهما الشّعور بالذّنْب. وبين أحضان الذّنْب لن ترى نفْسَكَ كيانًا إلهيًّا مقدّسًا، أبدًا.

عليْكَ أن تتخلّصَ من فكرة أنّك مُذنبٌ وآثم. الوجود يُرحّبُ بك كما أنت. أيّ لعبة أنت تلعبها، هي خطّة الوجود لك ومشيئته.

إنّها الذّكرى الثّانية التي يجب أن تسكنَ قلبك وبداخله تُقيم: لا تُوجّه الإدانات لنفْسك، وإلّا فالفشل قدَرُ رحلتك. لا ترفض نفْسَكَ ولا تكُنْ لها العدوّ. كُن ودودًا صدوقًا وشفّافًا. ولسْتُ أقول بأنْ ما من شيءٍ خاطىءٍ فيك. لسْتُ أقول بأنّك لا تحتاجُ تحوُّلًا جذريًّا. أنت مليءٌ بالأخطاء التي تحتاجُ تحويلًا، ولكنّها ليْست بآثام. أخطاؤك أمراضٌ تحتاج العلاج.

ما التّدبيرُ وهناك إنسان يُعاني من الحُمّى؟ أآثم هو أم مريض يحتاجُ رحمةً ومساعدة؟ إدانتُنا له تتحوّلُ إدانةً شخصيّةً منه للحُمّى. ثمّ تبدأ المشكلة الحقيقيّة. إدانةُ الحُمّى تدفعُها لكي تخفيَ نفْسها وتتوارى عن الأنظار، وتدفع صاحبها بطريقةٍ غير مُباشرة إلى إدانة نفْسه. إدانتُها هي بدايةُ كَبْتِها لنفْسها. كيف سيبوحُ هذا الإنسان ويُصَرّحُ بأنّه مُصابٌ بِحُمّى؟ سيوجّه له الآخرون أصابع الاتّهام لأنّه في نظرهم آثم. بهذه الطّريقة سوف يدّعي الصّحة ويُنكر مرضه ويتجاهل وجوده. إنّها بداية رحلة القَمع والكَبت.

أمراضُك كثيرة ولكنّها ليْسَت آثامًا. هي مجرّد أخطاء. قد تكونُ جاهلًا لم تنضجْ بَعد، ولكنّكَ لسْتَ مُذْنِبًا. لعلّكَ لم تهْتَدِ بَعد إلى سراجٍ مُضيءٍ داخل قلبك تتوهّج بداخله شُعلةُ نورٍ أبديّة تُعينك على عيْش حياةٍ بريئةٍ صافية. لكنّ هذا يعني أنّك جاهلٌ الجهلَ البريء، ولسْتَ مُذْنِبًا. وإنّك عندما ترتكبُ خطأً ما فإنّ الخطأ هو المُدان وليسَ أنت. أنت الألوهيّة تنظرُ وتسمعُ وتختبر نفْسها من خلال الجسد. قد تكون ألوهيّتك مريضة، جاهلة، ترتكبُ الأخطاء، ولكنّها لا ترتكبُ أيّ ذنبٍ. حاولْ أن تفهم سبب ارتكابك للخطأ بعد أن ترتكبَه. أنتَ لسْتَ مُدانًا. مطلوبٌ منكَ أن تُبحِر في أسباب ارتكابك للخطأ حتّى تفهم.

كيانُكَ هو أعلى قمّةٍ زحفَ وعيُ الوجودِ نحوها فتطوّرَ وأزْهَر. أنت ملح هذه الأرض. أنتَ مَجد هذا الوجود، فلا تنْسَ. لا حاجة لكي تزُجَّ بأيّ شيءٍ داخل دهاليز لاوعيك وأعماقه. أمامك رحلة سوف تتحوّل على دروبها، وجزءٌ من تحوُّلك هو أن لا تكبتَ شيئًا داخل لاوعيك. تقبُّلُك لذاتك وترحيبك بها وغوصك في أعماقها كفيلٌ بأنْ يجذبَ كلّ ما هو مختبىء في لاوعيك ليطفوَ على سطح وعيك. بهذه الطّريقة ستتعرّف على كيانك وما يحتويه. لن يخفى عنكَ شيء. ستطرد الظّلمة إلى الأبد وتغدو كيانًا واحدًا بعيدًا عن التّشتُّت والخوف من مواجهة ظلالٍ تترصّدُكَ في ممرّات لاوعيك.

لحظتُك المُبارَكة هي عندما تغدو كيانًا واحدًا بلا انقسام وعداءٍ داخليّيْن. لحظتُكَ المُباركة هذه تُباركُكَ بصمْتٍ عَذْبٍ يُعبّر عن السّلام الذي أزهر في حدائقك. عذوبة هذا الصّمت تتلو على مسامعك ومسامع الوجود نشيدَ الشّكر والامتنان لحظة بلحظة. هذا الشّكر، هذا الامتنان هو ما أُسَمّيه الصّلاة. صلاةٌ لا تُوَجَّهُ لإلهٍ ما. هذا الشّكر، هذا الامتنان هو إحساسُ قلبك المُرْهَف تجاه الوجود، هو أغنية قلبك التي لم تُغَنَّ من قبل، للوجود الذي أهداكَ الحياة، المحبّة، النّور. هو معزوفتك المُهداة إلى هذا الوجود الذي باركَكَ من كلّ حدْبٍ وصوْب دون أن يتوقّف عن نثْر البركات عليْك يومًا.

أوشو المستنير الحبيب

احتفال من قلب وحال بشّار



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech