أنت الآن تقرأ في قسم: أكوان, حدائق الأسرار

أوشو: لماذا لا تتحقّق أمنياتك؟

أوشو: لماذا لا تتحقّق أمنياتك؟

الرّضى والاكتفاء صحّةٌ داخليّةٌ تُهديكَ الصّفاء.

النّفْسُ التي لا تشْبَع دودةٌ تنهَشُ كيان الإنسان، تتسَلّلُ وتجدُ طريقَها إلى مخدَع القلب فتأوي إليه وتجولُ في زواياه بمكرٍ ودهاء كما السّرطان. ولا تتوقّف عن اختراق مستوياته ناشرةً السُّمَّ في زواياه.

الرّضى والاكتفاء بما هو موجود في غيابِ الرّغبة بما ليس له وجود، لأنّ الموجود بالإمكان أن يزيدَ ويفيضَ ويتجاوز المحدود، هو حالُ مَن فتحَ عيْنَه فرأى.

صاحبُ البصيرة والرّؤية العميقة يُدركُ أنّ ما يتلقّاه من الوجود هو ما رغِبَ به وأراده، سواء أكان واعيًا لحقيقة رغباته مُدَقّقًا في ملامحها، أم كانت غائبة عن شاشة وعيه غير عليمٍ بها جاهلًا تفاصيلها.

فإنْ أردْتَ سعادةٌ تجد السّعادةَ تقرَعُ بابك، وإنْ أردْتَ حُزنًا تجد الحزنَ زائرًا مُقيمًا لا يرحل. رغباتك ترسمُ ملامح حياتك.

الرّغبة هي البذرة، والحياة هي الحصاد.

حياةٌ تلوَ الحياة، قضيْتَها وأنت تتلقّى وتستقبل ما أضْمَرْتَهُ في نفْسِكَ وأخْفَيْته أو خفِيَ عنك من رغبات. وإنّك تظنُّ نفْسَكَ في كثيرٍ من الأوقات بمُتَلَقٍّ لعَكْسِ ما أضْمَرْتَهُ من رغبات. تظنُّكَ ترغبُ أمورًا وتنشدُ أشياء فيُعطيك الوجود أمورًا وأشياء أخرى.

لكنّ ما غابَ عن إدراكِكَ هو أنّك ما فهِمْتَ المنهَج الذي تسير وِفْقهُ الرّغبات.

أنت ترغبُ بالنّجاح فتحصد فشلًا. لم تحصدِ الفشلَ لأنّك أردْتَ النّجاح. لكنّ مَن أراد النّجاح مُستَقْبَلًا لم يرغبْ به إلّا لأنّه اقتنعَ وتقَبَّل فكرة فشله في حاضره. مَن يرغب بالنّجاح يُخَبّىء بداخله خوفًا من الفشل. وبسبب الفشل هو يرغبُ بالنّجاح. متى ما تمنّى النّجاح تطفو فكرة الخوف من الفشل على شاشة عقله فتغدو أقوى مع كلّ مرّةٍ تُعلِنُ عن حضورها. قد يُصادفهُ النّجاح في بعض الأحيان، لكنّه لاوعيه على يقينٍ بأنّه سيُمضي رحلتَهُ في الحياة وهو يواجهُ الفشل بعد الفشل. ويستمرّ جوّ الفشل بالتّخييم على سماء لاوعيه. يُخَيّم ناشِرًا ظلالَهُ إلى أن يُجَسّد نفْسه حقيقةً ملموسة يومًا ما. بعدها تشكو وتقول أنّك أردْتَ النّجاح. لكنّ لاوعيك يُسِرُّ بأنّك ومن خلال رغبتكَ بالنّجاح قد تمَنَّيْتَ الفشل.

قال لاوتسو يومًا: “تمنَّ النّجاحَ وسوف تفْشَل. إنّك وإنْ أردْتَ النّجاحَ حقًّا، فلا تتمنّه أبدًا. هكذا يعجزُ الفشل عن أن يلقاك“.

تقولُ أنّك تريدُ الاحترام، وبدلًا منه تتلقّى الإهانات. إنّ الإنسان الذي يطلبُ الاحترام هو في حقيقة الأمر لا يكنُّ لنفْسِه أيّ احترام، ومع هذا يريدُ أن يحترمَهُ الآخرون. ذاك الذي لا يحترمُ نفْسَه يريدُ من الآخرين أن يستروا عدمَ احترامه لنفْسه. هذه الرّغبة في احترام الآخرين لك تشير لأنّك ومن داخلك، في أعماق نفْسك، تفتقدُ احترامَكَ لِذَاتِك. أنت تشعُر في أعماق لاوعيك بأنّك لا شيء، وعلى الآخرين أن يصنعوا منك شيئًا، أن يبنوا لك عرشًا، ويهتفوا باسمك. أنت مُتَسَوّل. قد أهنْتَ نفْسَك منذ أنْ طلبْتَ احترامَ الآخرين لك. وتستمرُّ إهانتك لنفْسِكَ بالسّيطرة على لاوعيك والانتشار في أرجائه.

يقول لاوتسو: “ليس في استطاعة أحد إهانتي لأنّني لا أريدُ احترامَ أحد“. هذا هو الطّريق حتّى تتلقّى الاحترام.

يقول لاوتسو: “ليس في استطاعة أحد هزيمتي لأنّني أسْقَطْتُ من حساباتي فكرة الانتصار. كيف لكَ أنْ تَهزِمني؟ ليس في استطاعتك هزيمة سوى مَن يريد الانتصار“.

 

حقيقةٌ وجوديّةٌ غريبةٌ حقًّا.

في هذا العالَم، أولئك الذين لا يطلبون احترامَ أحد، يتلقّون الاحترام. أولئك الذين لا يطلبون النّجاح يتلقّونه، لأنّ مَن لا يطلبون النّجاح يعيشون في حاضرهم حقيقة أنّهم ناجحون أصْلًا وليسوا في حاجة للمزيد.

 

أيّ نجاح تريد؟ قد كرَّمَكَ الوجود بالفعْل فأهداكَ كيانك الذي يتنفّس عَبر جسدك. قد منحَكَ الوجود احترامًا منذ وهبَك ولادتك. احترامُ مَن تريد بعد احترام الوجود لك؟ كلّ المَجد هو هبَةٌ لك من الوجود. قد وهبَك الحياة، وأنعمَ عليْكَ بعينيْن فافتحْهُما وانظرْ إلى اخضرار الأشجار، ورقّة الأزهار، وألوان العصافير. قد أهداك أذنيْن، فاستمعْ للموسيقى، واصْغِ لخرير مياه الأنهار، وهدير أمواج البحار. قد وهبَك وعيًا هو جسرك حتّى تصبحَ مُستنيرًا. ما الذي تريده أكثر من ذلك؟ قد منحَكَ الوجود أعظمَ شهادةٍ فكيف تطلبُ شهادةً من أحد؟ كيف تتسوّلُ شهادةً من مُتَسَوّلٍ يتسوَّلُ شهادتَهُ منك؟

ممّن تطلبُ احترامًا؟ من مُتسوّل؟ أنت تُهينُ نفْسَكَ بهذه الطّريقة، والإهانةُ تتمدّد في لاوعيك وتنتشر.

الرّضى والاكتفاء يعني أن تنظرَ إلى ما تملكه. اِفْتَحْ عينيْكَ قليلًا حتّى ترى.

أوشو المستنير الحبيب

احتفال من القلب



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech