أنت الآن تقرأ في قسم: أديان, شاطئ الإستنارة

أوشو: أزمة الإنسان الكُبرى، والطّريقة الصّحيحة لِحَلّها

أوشو: أزمة الإنسان الكُبرى، والطّريقة الصّحيحة لِحَلّها

وجودُ الإنسانِ يُعتَبَرُ مُعضِلَةً لأنّ كينونته الوجوديّة وجدَتْ لنفْسِها مكانًا على الأرض من خلال الإزدواجيّة. الإنسانُ مُزدوَج التّركيبة، لذا فهو يعيشُ في ورطة. كيان الإنسان ليس واحِدًا: إنّ وجود الإنسان مُنقَسِمٌ بين الماضي والمستقبل. ماضي الإنسان هو حيوانيّته، ومستقبل الإنسان هو ألوهيّته. أمّا اللّحظة الحاضرة فموجودة بينهما. الإنسانُ يتمزّق وجوديًّا بين كِلَا الكينونتيْن. قُطبان مُتعاكسان لا يتوقّف كلّ منهما عن جَذْبِ الإنسان باتّجاهه، فيزداد شعوره بالتّمزُّق والتّشَتُّت.

إذا نظرَ الإنسان إلى الوراء، إلى الماضي البعيد، فسوف يجدُ الحيوان الذي بداخله ماثِلًا أمامه. هذا هو سبب اقتناع العِلْم بأنّ الإنسان لا يعدو كَوْنه حيوانًا. تشارلز داروين وآخرون، مقتنعون بأنّ الحيوان هو أصل الإنسان. كلامهم يفتقرُ إلى النّظرة الكلّيّة الوجوديّة للإنسان. الحيوان هو ماضي الإنسان، لكنّ الحقيقة تتجاوز هذه الرّؤية القاصرة.

الدّين الحقيقيّ يبحثُ عمّا يتجاوز الموجود ضمن إطارِهِ الحاليّ. يبحثُ عمّا بالإمكان حدوثه ولكنّه لم يحدث بَعد. العِلْمُ يُشَرّحِ البذرة ولكنّه يعجزُ عن إيجاد أيّ زهرةٍ بداخلها. الدّين الحقيقيّ يمتلكُ رؤيةً وحلْمًا. رؤيتُهُ تُخَوّلُه فَهْمَ ما لم يحدث بَعد ولكنّه قابِل للحدوث: نموّ البذرة لتصبحَ زهرة. لن تجدَ الزّهرة داخل البذرة. التّشريح غير مطلوب. المطلوب رؤية عميقة ثاقبة تُحَلّقُ على جناح الحَدْس، وتتجاوز المَحدود. المطلوب رؤية شاعريّة حالِمة تمنحُ صاحبها القدرة على أن يحلمَ بما لم يحدث بعد.

يبحثُ الدّين الحقيقيّ عمّا يُمكن حدوثه فيجد أنّ الإنسان ليس بحيوانٍ فقط، ولكنّه الألوهيّة أيضًا. الإنسان حيوانيّة وألوهيّة. صراعُ العِلْم والدّين لا جدوى منه لأنّ طريقة عمل كلّ منهما، وأسلوب ورؤية كلّ منهما، جميعها تختلف اختلافًا شديدًا. العِلْمُ يُعيدُ كلَّ موجودٍ إلى أصلِهِ الطّبيعيّ الذي انبثَقَ منه، بينما يُحلّقُ الدّينُ بكلّ موجود آخِذًا إيّاه إلى الهدف الموجود أبعد من الطّبيعة. هذه مُعضلة الإنسان، وهذا مأزقه. قلقُ الإنسان يُلخّصه سؤال: هل أكون الحيوان أم الإله؟

 

والإنسان وسط هذا المأزق لا يبقى له سوى أن يبحثَ عن السّلام عَبر طريقيْن تحدّدهما ازدواجيّته: إمّا أن يعود لِماضيه، فيكون الحيوان من جديد. يختفي الانقسام ويشعر من داخله بالالتئام. هكذا اختار الملايين من النّاس أن يعيشوا كالحيوانات ولكن بطُرُقٍ مختلفة.

الحربُ تمنحُ الإنسانَ فرصة العودة إلى أصْلِهِ الحيوانيّ، لذا للحرب جاذبيّة عظيمة استحوذت على الإنسان منذ فجر التّاريخ. قد عرفَ الإنسانُ الحربَ منذ فجر التّاريخ. ولا تزال الحروب مُستمرّة، والأيام سجينة حيوانيّة الإنسان، إذ لا تجدُ لنفْسِها مُتَنَفَّسًا أو مَهرَبًا من مشهد إنسانٍ يقتل أخيه الإنسان. ما هذه المتعة العظيمة التي يَجْنيها الإنسان من القتل والدّمار؟ ما سرّ هذه الجاذبيّة وهدف هذا الإغواء؟ هو سببٌ يختبىء في أعماق نفْس الإنسان.

يشعرُ الإنسانُ عندما يقتل بأنّ ازدواجيّته قدِ اختَفَت كما الحيوان تمامًا. يشعرُ بنوعٍ من الالتئام الدّاخليّ كذلك الموجود بداخل الحيوان. لذا يمتلكُ الانتحار ومثْله الجريمة قوّةً جاذبة هائلة. لا زالت محاولات إخراج الإنسان من وَحل العنف إلى طهارة اللّاعنف، تبوء بالفشل. ويبقى العنف مختبئًا في الأعماق، مُستَعِدًّا للانفجار كبركانٍ هائل في أيّ لحظة. تتغيّر الأسماء وتتبدّل الشّعارات، ويبقى العنفُ عُنْفًا. قد يكون هذا العنف تحت راية الدّين، أو بِاسْمِ عقيدةٍ سياسيّة، أو أيّ شيءٍ اعتباطيّ آخر كلُعبة كرة القدم مثلًا، لكنّه يبقى مُتأهّبًا للظّهور.

اهتمامُ النّاسِ بالعُنْفِ شديد لدرجة أنّهم وإنْ لم يتمكّنوا من إظهاره والتّعبير عنه بأنفسهم – لأنّ في السّماح للعنف المدفون في دواخلهم، بأنْ يخرج إلى العلن مُخاطرة وعواقب – فإنّهم يجدون طُرُقًا غير مُباشرة للتّعبير عن هذا العنف المقيم فيهم. يجدونها في الأفلام، في الأخبار، في برامج التّلفاز. لا بدّ من وجود نوعٍ من العنف في الأفلام وإلّا فلن يُقبِل هذا النّوع من النّاس على مشاهدتها. رؤية العنف، رؤية الدّماء تُعيدك إلى ذاكرتك الحيوانيّة، إلى ماضيك الحيوانيّ: هكذا تنسى حاضرك وتنسى مستقبلك، وتغدو ماضيك.

 

وكما أنّ للعنف جاذبيّة عظيمة، فإنّ للجنس كذلك جاذبيّة مَهولة لأنّ الإنسان يتذوّق حال الوِحدة الدّاخليّة من خلاله، فيختفي الانقسام وتتنحّى الازدواجيّة. العنف، الجنس، المخدّرات، تقدّم للإنسان مساعدة مؤقّتة حتّى يعود لماضيه الحيوانيّ. لكنّ الحياة لن تستمرّ هكذا، ولن يفلح مَن ارتضى أن يسلكَ هذه الدّروب.

قانون الوجود يَقضي بأنّ العودة إلى الوراء أمرٌ مُستحيل الحدوث. جُلّ ما بإمكانك فِعْله هو الادّعاء، وخداع نفْسك لأنّ الزّمن لا يعود إلى الخلف. الوقت لا يعرف سوى وجهة واحدة، وهي التقدّم إلى الأمام. لن يكون بإمكانك إعادة الكَهل طفلًا من جديد، ولن تكون قادرًا على إعادة الشّجرة بذرةً في التّربة. هذا مستحيل.

التّطوّر الكونيّ مُستمرّ بالزّحف والحدوث، وما من طريقة حتّى تُجبِر هذا التّطوّر على الالتفات إلى الخلف. لذا محكوم على جميع محاولات الإنسان من أجل استعادة سلامه بين أحضان ماضيه الحيوانيّ، بالفشل. بإمكانك أن تشرب الكحول حتّى الثّمالة، أو أن تتعاطى المخدّرات، الحشيش وLSD. سوف تختفي المعاناة ويتبخّر القلق في سياق هكذا لحظات. سوف تنعَم بقليلٍ من الرّاحة بعيدًا عن مشاكلك الوجوديّة، وتغوص في أعماق بُعْدٍ وجوديّ جديد. لكن هذا لن يحدث سوى لفترة قصيرة من الوقت.

سوف تهبِطُ صباح اليوم التّالي في أودية هذا العالَم والتي ستبدو لكَ أكثر قُبحًا ممّا كانت عليه، وسوف تجد الحياة مُشكلةً عويصةً تأبى أن تهتديَ إلى حلّ. والسّبب هو أنّ مشاكلك التي خَدَّرْتَ عقلك اللّاواعي بسببها، كانت مستمرّة بالنّموّ والتّمدُّد وأنت في حال الغفلة. كانت مستمرّة بالتَشَبُّث في أعماق لاوعيك لتصبحَ أكثر تعقيدًا.

هكذا سوف تلجأ لكمّيّاتٍ أكبر من المخدّرات أو الكحول، ومعها ستزداد مشاكلك وتتضاعف أزماتك النّفسيّة.

المَخْرَج الوحيد هو أن تتّجه نحو الإلهيّ المقدّس، وهذا يعني المُضيّ قدُمًا إلى الأمام. هذا يعني أن تمضي قدُمًا باتّجاه قدراتك وإمكانيّاتك. المَخرَج الوحيد هو تحويل البذرة الموجودة داخلك إلى نبتةٍ، فتُحقّق قدرك.

الألوهيّة هي البذرة الموجودة داخل الإنسان. الألوهيّة هي قُدرة وقدَر الإنسان. وما لَم يحقّق الإنسان ألوهيّته ويكتشفها، فإنّه لن يعرفَ الاكتفاء في حياته أبدًا. وقد حاول النّاس وجرّبوا هذا الطّريق: كيف نصبح مُقدّسين؟ كيف نبلغ حال القداسة؟ وما الذي سوف نفعله بالحيوان الذي بداخلنا؟ وكان الحلّ الأبسط الذي تمّ اتّباعه على مرّ العصور: كَبْت الحيوان. إنّه الحلّ نفْسه: إمّا أن تكبت الإلهيّ الذي فيك وتقمعه من خلال العنف، الجنس، والمخدّرات، فتنسى أمره. هذا حلّ لم يفلحْ في يومٍ من الأيّام، ولن ينجح أبدًا. هذا حلّ مُقَدَّر له الفشل. وإمّا أن تكبت الحيوان الذي فيك وتقمعه لتنسى أمره وتتحاشى النّظر إليه. اِرْمِ هذا الحيوان بعيدًا في أعماق لاوعيك حيث الظّلام الدّامس هناك سوف يمنعك من رؤيته، فتتظاهر بأنّه غير موجود. وهذا حلّ لم يفلحْ في يومٍ من الأيّام أيضًا، ولن ينجح أبدًا.

هذا ما فعلَهُ 99% من المُتدَيّنين على مرّ العصور. الواحد في المئة المُتبقّي يشمل الأسياد المستنيرة مثل بوذا وكريشنا وكابير وغيرهم. أمّا ال99 في المئة من المتديّنين فقد حاولوا فِعْل المُستحيل: حاولوا قمع الحيوان وكَبْته. وإنّك لن تستطيع أن تكبتَ الحيوان ما حَييت، لأنّ الحيوان يمتلك طاقةً مَهولةً جبّارة. هذا الحيوان يختصرُ ماضيك الطّويل البعيد. وماضيك يبلغ من العمر الملايين والملايين من السّنوات. ماضيك جدًّا عتيق. ماضيك تمتدُّ جذورُه عميقةً فيك، لذا لن تتمكّن من التّخلُّص منه بسهولة لمجرّد أن تغلق عينيْك وتتحاشى رؤيته. هذا قمّة الغباء.

الحيوان هو أساسُك. هو قاعدتُك الأصليّة، ونقطة انطلاقك. قد وُلِدْتَ كحيوانٍ دون أيّ اختلاف عن أيّ حيوانٍ آخر. بإمكانك أن تصبحَ مختلفًا عن الحيوان، ولكنّك لم تولَدْ مُختلفًا. نعم أنت تمتلكُ جسدًا مختلفًا، لكنّ هذا الاختلاف ليس بالاختلاف الكبير. كما وتمتلكُ نوعًا مختلفًا من الذّكاء، ولكنّه ليس مختلفًا كثيرًا. الاختلاف هو اختلاف كَمّ وليس اختلاف نوع.

الأبحاث العلميّة الجديدة تُشير لأنّ النّباتات تمتلكُ ذكاءً وإحساسًا ويقظةً ووعيًا، فما بالك بالحيوانات؟ كما وتوجدُ بعض الأبحاث التي تُثبت أنّ المعادن تمتلكُ نوعًا من الذّكاء يخُصُّها. هذا هو الاختلاف بين الإنسان والفيل، الإنسان والدّلفين، الإنسان والقرود. إنّه ليس اختلاف نوعيّة بل كَمّيّة. هو اختلافٌ في الدّرَجات فقط. نحن نمتلكُ المزيد من الذّكاء. هذا كلّ ما في الأمر.

الاختلاف النّوعي يحدث فقط عندما يَعي الإنسان حقيقة مَن يكون. عندما يعي الإنسان حقيقة وَعيه الإلهيّ المَهيب. عندما يَعي أنّه سيّدٌ مستنير. عندها فقط يظهر الاختلاف الحقيقيّ، فيختفي الحيوان وللأبد، ويظهر الإلهيّ المُقدّس.

لكن كيف السّبيل لبلوغ هذا الإلهيّ المقدّس في الإنسان؟

لقد اتّبَعَ 99 في المئة من المتديّنين ذات المنهج الذي اتّبعَهُ سالكو دروب العنف والمخدّرات، والحياة التي تحوّلت في أنظارهم إلى جنسٍ دائم. منهجهم هو: اِنْسَ الحيوان الذي بداخلك. ثمّ يبدأون بالأذكار والمانترا والتّراتيل حتّى ينسوا الحيوان الذي فيهم، ويلتهوا بما يردّدونه من كلمات. يردّدون ويردّدون إلى أن يثمَل العقل بذبذبة الكلمة/الكلمات. هذه مجرّد طريقة لتحاشي الحيوان الموجود في الدّاخل. ولكنّه لا يزال موجودًا.

بإمكانك أن تستمرّ في الذّكر والتّرتيل لقرون، لكنّك لن تنجح في تغيير الحيوان لمجرّد اعتمادك حيلةً بسيطة. لن تنجح في خِداع الحيوان. وتديُّنك سيكون سطحيًّا هَشًّا. قُمْ بمداعبة أيّ مُتَديّن بالكلام عن المعتقدات والله والأديان، ولسوف تجد الحيوان الذي بداخله وقد استيقظَ فجأة وظهر للجميع. هذا تديُّن مزيّف. هذا ادّعاء. مجرّد شعائر وطقوس. مجرّد شكل اجتماعيّ.

الشّعائر والطّقوس الدّينيّة تُحيطُ بكَ من كلّ جانب، ولكن مجرّد حدوث شيءٍ بسيط، وسوف ترى الحيوان الذي بداخلك يسخرُ منك. تتحاور مع أحدهم ويُوَجّه لكَ إهانةً، فيستيقظ الغضب ويصبح الحيوان جاهزًا للثّأر. في الحقيقة، المتديّنون هُم الأكثر عُرضةً للغضب من غيرهم من البشر المُتَحَرّرين الذين لا يُعادون الجسد والحياة منذ نعومة أظافرهم، لأنّ هؤلاء المُتحرّرين لم يكبتوا شيئًا طبيعيًّا حيوانيًّا بداخلهم، بل فهموه ودخلوا فيه بوعيٍ وصدق واحترام للذّات والآخر.

والمتديّنون يُعانون من انحرافاتٍ جنسيّة لا يُعاني منها مَن يعيشون حاجات الجسد بصدقٍ ووعي منذ سنّ البلوغ، والسّبب هو أيضًا أنّ المتحرّرين من عُقَد الكَبت والقمع والتّرهيب، لا يقمعون حاجاتهم الفطريّة. لكَ أن تُراقب أحلام الشّخص المُتَديّن الذي لا يتوقّف عن قَمْعِ نفْسِهِ ولَجْمِها خلال النّهار، بينما يفتح عقله اللّاواعي أبوابه خلال اللّيل.

لقد كتبَ المهاتما غاندي أنّ الأحلام الجنسيّة كان تزوره حتّى عندما كان في السّبعين من عمره. أحلامٌ جنسيّة وفي سنّ السّبعين؟

إنّ رؤية سيغموند فرويد هي في غاية الأهميّة ولها قيمة كبيرة، حيث أسَرَّ أنّ معرفة شخص ما حقّ المعرفة تكون بالتّعرُّف إلى أحلامه وليس إلى تصرّفاته في حياته اليوميّة. حياته اليوميّة عبارة عن ادّعاءٍ ونِفاق. أمّا حياته الحقيقيّة فتُعَبّر عن نفْسها في أحلامه، فالحلم لا يعرف السّيطرة ولا التّحكُّم ولا الكبت.

العقل اللّاواعي هو عقلُك الحقيقيّ إذ لا يُشَكّل العقل الواعي سوى 10 في المئة من كلّيّة عقلك. العقل اللّاواعي يفوق عقلك الواعي ويتفوّق عليه قوّةً وسُلطةً بنسبة 90 في المئة.

رجلٌ مثل المهاتما غاندي والأحلام الجنسيّة لم تتوقّف عن مطاردته. هذا يُثبِتُ أنّ جميع المجهودات التي قام بها طيلة حياته ذهبَتْ أدراج الرّياح، وأنّ كلّ ما كان يحاول فِعْلَهُ في حياته اليوميّة لم ينفعْه أبدًا.

ويستمرّ المُتَديّنون بالكبت والقمع، وجميع ما تقمعه وتكبته يتسلَّلُ عميقًا داخل أروقة اللّاوعي ويبحث عن سكنٍ له هناك. يسكُن ويمدّ جذوره في أرضك حتّى يصبح جزءًا من كيانك. بعدها يبدأ بالتّأثير في حياتك وتصرّفاتك ومستقبلك ولكن بطريقة غير واضحة المعالِم، بطريقة لن تلفت نظرَك لحقيقة ما يحدث أو لحقيقة أنّه يتحكَّمُ بكَ وبحياتك. هكذا يعبّر عقلك اللّاواعي عن جميع محتوياته بطرقٍ مُخادعة، فيرتدي الكثير من الأقنعة ويستخدم المُختَلِف من الوجوه.

عقلُكَ اللّاواعي قادرٌ على التّخفّي برداء الصّلاة، الحبّ، أو أيّ طقس دينيّ حتّى. فإنْ سمَحْتَ لعالِمٍ مُختَصّ بمُراقبة ومُلاحظة طريقة عمل عقلك الدّاخليّة، فسوف تتفاجأ عندما يُخبرك أنّها الطّاقة نفْسها تتدفّق وتتحرّك عبر قنواتٍ مختلفة. لا بدّ لها وأن تتحرّك عبر قنواتٍ مختلفة حتّى تُعَبّر عن نفْسها، لأنّ كَبْت الطّاقة هو أمر مستحيل.

اِفهَمْ هذه الحقيقة: يستحيلُ كَبْتُ الطّاقة وقمعُها. الطّاقة تتحوَّل، ولكنّها لا تُكبَت. والدّين الحقيقيّ يتكوَّن من عِلْم الخيمياء الدّاخليّ، من تقنيّات وطُرُق عمَليّة لتحويل قوّة حياة الإنسان وطاقته إلى أبعادٍ عُلويّة. يستحيل على الدّين الحقيقيّ أن يقومَ بِكَبْتِ الحيوان، وإنّما يقوم بتطهير هذا الحيوان، والصّعود به إلى الإلهيّ المُقدّس. الدّين الحقيقيّ يستخدم الحيوان حتّى يعرُج به إلى الإلهيّ المقدّس. والحيوان أداة غاية في القوّة لأنّه طاقة مَهولة.

بالإمكان استخدام الجنس كطاقةٍ عظيمة مَهولة تمتطيها حتّى تتّجه بكَ صعودًا وتصل بك عند باب الله.

والعمل الأصعب على الإنسان هو أن يفُكّ ارتباطه ويتوقّف عن تحديد هويّته بعقله. أصعب عملٍ في الوجود هو الانفصال عن العقلِ وتجاوزه. مَن الذي سوف ينفصل عنه؟ مَن الذي سوف يتجاوزه؟ إنّ فكرة الانفصال عنه وفكّ الارتباط به، هي نفسها جزء من العقل. صعوبة التّخلُّص من العقل تكمُنُ في أنّك وإنْ قُمْتَ بالانفصال عنه، فإنّ مَن انفصَل سوف يبقى موجودًا، وسوف يغدو عقلَك فيما بعد. دائرةٌ مُفْرَغَةٌ هي، فما العمل؟

العقلُ عبارة عن محتوياتٍ واهِمة. العقلُ مُكَوَّنٌ من الوَهْم، لهذا يُسَمّى بMaya، أي الوهم التّامّ. العقلُ ليس موجودًا حقًّا، بمعنى أنّه لا يمتلكُ كينونةً وجوديّة فلا مادّة تُكَوّنُه ولا جَوهر يحويه، ومع ذلك يستمرّ ويستمرّ، يلاحقُكَ ويُطارِدُكَ. تستمرّ الأفكار والأحلام والرّغبات والتّخيُّلات والذّاكرة… يستمرّ الزَّحام. كلّ هذه الأشياء لا مُحتوى وجوديّ لها. فإنِ استَنَرْتَ في أحد الأيّام، سوف تجد أنّ جميع الرّغبات والأحلام والأفكار قد اختَفَت. لكن كيف السّبيل لتجاوُز العقل والتّخَلُّص منه؟ مَن الذي سيتخلَّص منه؟ إذا حاوَلْتَ التّخَلُّص منه، ستكتشف أنّك لا زلتَ عقلًا.

مِن جانبكَ أنت، كلّ عمل سيكون مرفوضًا. ليس عليْكَ القيام بأيّ شيء، لأنّ كلّ ما ستفعله سوف يكون نابعًا من العقل. القيام بأيّ فعل هو الوظيفة التي يحترفها العقل. لذا، ليس مطلوب منك أن تفعلَ شيئًا حتّى تتخلّص من العقل. لو أنّ محتوياته مادّيّة مَلموسة، لكان تركها سهلًا. مشكلتك في أنّك تساعد العقل على أن يغدُوَ أكثر قوّةً وتَحَكُّمًا وسيطرةً. عليْكَ أن تفهَم خيمياء العقل وأساليب عمله الخفيّة. الكبْت يمنحُ العقلَ قوّةً.

إنْ قُمْتَ مثلًا بكبْتِ الجنسِ فسوف يزورك الغضب. الطّاقة التي كانت ستتجسّد على شكلِ جنس، تحوَّلَتْ لتتجسَّد على شكْلِ غضب. من الأفضل وبكلّ تأكيد أن يكون الإنسان منغمسًا في الجنس بدلًا من انغماسه في الغضب. الجنسُ على الأقلّ يحوي شيئًا من الحبّ، أمّا الغضب فلا يحوي سوى العنف الخالص ولا شيء غيره. قَمْع الجنس وكَبْته يجعل الإنسانَ عنيفًا إمّا مع نفْسه أو مع الآخرين. هناك احتمالان: الأوّل أن يصبحَ ساديًّا ويُعذّب الآخرين، والثّاني أن يصبح ماسوشيًّا يهوى تعذيب نفْسه. هل تعلم أنّ بعض الجنود في قديم الزّمان كانوا يُحرَمون من إقامة علاقاتٍ جنسيّة؟ لماذا؟ لأنّهم وإن مارسوا الجنس فإنّهم لن يجمَعوا ما يكفي من الغضب والعنف بداخلهم. الجنس يصبح منفَذًا ومَخْرَجًا. اِحْرِمِ الجنديّ من الجنس وسوف يحارب بطريقةٍ أفضل. العنف سيكون تعويضًا عن الجنس.

وسيغموند فرويد كان على حقّ عندما قال أنّ جميع أسلحتكم هي مجرّد رموز لقضيب الرّجل: السّيف، السّكّين، الحربة. جميعُها رموز للعضو الذّكريّ. كان هناك وقتٌ لم يكُن يُسمَح فيه للجنديّ بالدّخول في جسدِ إنسانٍ آخر، في جسد امرأة. وهذا الأمر يقودُهُ إلى الجنون، فتنشأ بداخله رغبةٌ مُنحَرِفة لدخول جسدِ شخصٍ آخر بواسطة الحربة أو السّيف.

سأعطيك مِثالًا حيًّا في هذا القرن عن الجنود الأمريكيّين. جميعهم مُجَهَّزون بأحدث وأهمّ وأكثر أنواع الأسلحة تطّوُّرًا في العالَم، سواء من النّاحية العِلْمِيّة أم من النّاحيةّ التّكنولوجيّة التّقنيّة. ولكنّهم أثبتوا أنّهم الأضعف مقارنةً بغيْرِهِم من الجنود. قد ارتضوا هزيمَتَهم في بلدٍ فقيرٍ مثل الفيتنام. ما السّبب؟ الجندي الأمريكيّ لديه إشباع جنسيّ، وهذه هي المشكلة. بلدٌ صغيرٌ وفقير مثل الفيتنام تمكّن من الانتصار عليه. سيبدو الأمر وكأنّ معجزةً حدثت إنْ لم تكُن تفقَه أساليب عمَل النّفْس البشريّة. ولكنّ الأمر ليس بشيءٍ جديد، بل هو قديم قِدَم الزّمان. إنّه حقيقة عتيقة: إنْ أرَدْتَ القِتال فعليْكَ أنْ تحرِمَ نفْسَكَ من الجنس قبل القتال بعدّة أيّام. هذا ما يفعله محمّد علي وغيره من الملاكمين: يبتعدون عن الجنس قبل أيّام من القتال. اِسأل مَن يتنافسون في الألعاب الأولمبيّة. هذا الحرمان، هذا الجوع يمنحهم دفعة قويّة، ويمُدُّهم بشيءٍ من العنف العظيم، فيتمكّنون من القتال. هكذا تركض بسرعةٍ أكبر، وتُهاجِم بسرعةٍ أكبر، لأنّ الطّاقة بداخلك تَغلي. لذا كان كبْت الجنود أمرًا شائعًا في بعض الأماكن.

اِسْمَح فقط لجميع جيوش العالَم بأن تمارس الجنس الواعي الحميم… اِسْمَحْ لهُم بأنْ يحصُلوا على إشباع جنسيّ عاطفيّ ولسوف يزور السّلام كوكب الأرض سريعًا. سوف يختفي شغَب الهندوس والمسلمين، وتختفي حمَلات الجهاد الصّليبيّة المسيحيّة والإسلاميّة. سوف يختفي كلّ هذا الهُراء. إنِ انتشرَ عِلْم الجنس المقدّس الحميم، وفاح منه عبير المحبّة وتسلَّل إلى النّفوس، فسوف تختفي الحروب.

الإنسان الذي بدأ رحلة الوعي سوف يكون قادرًا على مُراقبة نفْسِه: سوف يلاحظ ما الذي يحدث داخله إذا ما كبَتَ رغباته الجنسيّة. سوف يجد أنّ الغضب يصبح زائرًا دائمًا له دون أيّ سبب على الإطلاق. سوف يشعر أنّه يتضايق بسهولةٍ أكثر، وأنّه ينزعجُ لأسبابٍ تافهة، وأنّه يغدو جاهزًا للقتال مع أيّ شخص أو لافتعال مشكلة معه تحت أيّ عُذر.

وتذّكَّر أنّ الجنس قابِلٌ للتّحويل لأنّه طاقةٌ طبيعيّة، أمّا الغضب فهو ليس طبيعيًّا قَدْرَ طبيعيّة الجنس. الغضب خطوة تُبعِد الإنسان عن الطّبيعة. من الصّعب تحويل الغضب وتغييره. وطريق صاحب الغضب أصعب في التّأمُّل. في البداية عليْه أن يقوم بتحويل الغضب إلى جنس. بعدها فقط يصبح بالإمكان القيام بعمليّة تحويل داخليّة. وهذا هو عملي هنا. وهذا هو السّبب الذي يُوَجّه لي العالَمُ برُمّته الإدانةَ لأجله.

إنّي أحاولُ تحويل غضبك ليُصبِحَ جنسًا. هذه هي الخطوة الأولى. هذا هو درب التّحَوُّل الدّاخليّ. أوّلًا: يجب أن تختفي جميع انحرافاتك، وتعود كائنًا بشريًّا طبيعيًّا. عليكَ أوّلًا أن تعودَ حيوانًا طبيعيًّا – ضمن سياق المراقبة الواعية –  لكي أكون دقيقًا. بعدها فقط يُمكنك الارتحال إلى عالم الألوهيّة. الحيوان يحوي البذرة التي أعطاها الكَوْن قُدرة التّحَوُّل إلى الألوهيّة. ولكنّ الحيوان الذي بداخلك أصبح شديد الانحراف. لقد أصابه الجنون وفقد براءته. عليْنا أن نقومَ بتحويل هذا الجنون أوّلًا: تحويل الغضب.

هذا هو سبب إرسالي بعض النّاس إلى مجموعاتِ علاجٍ نفْسيّة تساعدهم على استفراغ هذا الجنون الموجود بداخلهم. تساعدهم على التّعبير عن غضبهم وعلى إخراج هذا الجنون، ثمّ الاسترخاء. بعدها أُرسلُهم إلى جماعات التّانترا. إخراج الجنون/الغضب أوّلًا، ثمّ تبدأ رحلة التّانترا أو الخيمياء الدّاخليّة التي تستخدم الجنس كجسْرٍ للعبور.

لن يفهم مَن يحتقنُ الغضبُ في دواخلهم، ما أقول. الغضب يَعمي صاحبه فيصبح عاجزًا عن الفهم ويفقد الرّؤية الصّافية للأمور. والأمر لا يتوقّف عند الغضب أبدًا.

أنت تقوم بكَبْتِ الرّغبة الجنسيّة أوّلًا، فتلاحظ – إنْ كُنتَ واعيًا – أنّ الغضب بدأ يطفو على سطح عالَمِكَ الدّاخليّ. فإنْ راقَبْتَ وشاهَدْتَ ما يحدث داخلك بدقّةٍ أكثر، سوف تلْحَظُ تَحَوُّل الغضب الذي تقوم بكَبْتِهِ أيضًا، إلى طَمَع. والدّلائل على كلامي موجودة وبالآلاف.

اُدْرُس نفسيّة أتباع ماهافيرا في الهند. اُدرُس حال الجاينيّين. لقد قام ماهافيرا بمَنحِهِم تعاليم اللّاعنف. بدأوا بكَبْتِ غضبهم أوّلًا، حتّى تحوَّلَ إلى طمَعٍ رهيب. كَبْت الغضب في هكذا حال هو الأمر المنطقيّ بالنّسبة للعقل الغبيّ. لقد حاولوا بكلّ طريقة أن يبتعدوا عن العنف، حتّى أنّهم قاموا بالتّوقُّف عن الزّراعة لأنّها في نظرهم نوعٌ من العنف: عليك أن تقطع النّباتات وتحصد المحصول، وهذا عنف في رأيهم لأنّ النّبتة تدبُّ فيها الحياة.

من الطّبيعي أن يمتنعَ أتباعُهُ عن الالحتاق بأيّ جيش. لن يستطيعوا أن يكونوا مُحارِبين بسبب عقيدتهم/إيديولوجيّتهم القائمة على اللّاعنف. وبسبب العقيدة نفْسها لن يتمكّنوا من أن يكونوا مُزارِعين. هكذا تحوّلوا إلى أشخاصٍ طمّاعين. اِقْمَعِ الغضب وسوف تصبحُ طَمّاعًا.

وراقِبْ نفْسَك بعد أن تقومَ بِكَبْتِ الطّمَعِ وقَمْعِهِ. ستجد أنّ النّتيجة النّهائيّة هي أنّك ستَخْلِقُ “أنا” عظيمة مَهولة. ستجدُ نفْسَكَ فَخورًا بأسلوب الكَبْت والقَمع الذي تنتَهِجُهُ. ستغدو فخورًا بأنّك تكبت الجنس، الغضب، والطّمع. فَخْرُكَ مصدرُهُ أنّك تفعل ما يستحيل فِعْلُه. هكذا تجدُ “الأنا” بداخلك أرضًا صلبة تقفُ عليها. هكذا تتضخّم “الأنا” وتصبح مُفتَرِسة.

وهذا واحدٌ من الأسباب التي تجعل “أنا” الرَهبان والرّاهبات إضافة لأتباع الأديان، مُتَضَخّمة جدًّا. كلّما رفض الإنسان أشكال الحياة، وابتعد عن الجمال والمتعة والمرح والاحتفال… كلّما كبَتَ ومنعَ وقَمَعَ، تتضخّم “الأنا” لديه وتصبح أقوى وأقسى.

يستحيلُ أن تجدَ “أنا” قاسية مُتَضَخّمة عند الإنسان الذي لا يكبت ولا يقمع. هكذا إنسان يغدو بسيطًا متواضِعًا وهادئًا.

الكَبْت ليس الدّرب ولا الطّريق. التّحَوُّل الدّاخليّ هو الحلّ. لا تكبت شيئًا. عُدْ أدْراجَكَ حتّى تغدوَ طبيعيًّا. عُدْ من الفَخْر والغرور إلى الطَّمَع، من الطّمع إلى الغضب، ومن الغضب إلى الجنس. وإن استَطْعتَ أن تعود للجنس العفويّ الصّادق البريء، فسوف تصبح الأمور في غاية السّهولة لدرجة لن تتخيّل معها مدى السّلاسة التي ستنساب الأمور من خلالها. طاقتك عندها تعود إلى طبيعتها وفطرتها، والطّاقة لن تخلق لصاحبها أيّ عوائق عندما تكون طبيعيّة. لذا أقولُ دوْمًا أنّ رحلة الإنسان هي من الجنس إلى الوعي الكونيّ. رحلة الإنسان لا تبدأ من الغضب أو من الطّمع أو من الأنا، بل من الجنس حتّى يصل إلى الوعي الكونيّ الإلهيّ.

لن يزورَك التّحوُّل إلّا إذا تقَبَّلْتَ نفْسَكَ ككائنٍ طبيعيّ. عليْكَ أن تعي أنّ كلّ طبيعيّ فطريّ مُرَحَّبٌ به لأنّه فطرة الوجود. نعم، قدرُك لا يقف هنا، وطريقك لا يحُدُّه الحيوانيّ الطّبيعيّ الفطريّ فقط… ولكن قدَرك هذا لن يفتح أبوابَه لكَ ما لَمْ تحْيَ طبيعيتك بكُلّيّتها أوّلًا. لن يبدأ دربك الرّوحيّ ما لَم تُرَحّب بطبيعتك أوّلًا وتنسى جميع ما ألصقوه بالطّبيعة والفطرة من مشاعر الذّنب. الشّعور بالذّنب لا يَمُتّ للتّديُّن بِصِلَة.

لسْتَ أنتَ مَن خلَقَ الجنس. الجنسُ هِبَةُ الله لك. كَنزٌ عظيمٌ يختَبِىءُ في أعماق الجنس. الجنس هو جسدُ استنارتك. هو الصُّندوق الذي وُضِعَت استنارتُك بداخله. اِفْتَحِ الصّندوق وسوف تكتشف العجائب.

الدّين هو أكثر الفنون رقَّةً.

اُسْلُك دربَ التّأمُّل إذًا. الوعي ثمّ الوعي ثمّ الوعي. اِخْلِقِ المسافة بينك وبين عقلِكَ من خلال مراقَبَتِه بيقظة تامّة حتّى تسقُط جميع الأصنام التي تُمَثّلُ مُحتوياته. هكذا تبدأ بِفَكّ كلّ قيْدٍ يربطُكَ بجميع الأشياء التي تتعلَّقُ بها. نعم، يجب أن تصلَ إلى مرحلةٍ حين لا يبقى لك أيّ شيءٍ تتعلَّقُ به. لن تبدأ رحلتك الرّوحية نحو الوعي الإلهيّ الكونيّ ما لم تصبح جاهزًا لتكون اللّاأحد، الفراغ، اللّاشيء، مُجَرَّدًا من الحماية والأمان والضّمان… لن تبدأ رحلتك الرّوحيّة ما لم تكُن جاهزًا للتّخلّي عن التّعَلُّق بأيّ شيء دون استثناء… لن تبدأ ما لم تصبح حاضرًا لتدخل هذه المساحات الخالية من وجود أيّ سَنَد أو أيّ شيءٍ على الإطلاق. سيبدو لكَ الأمر في البداية وكأنّ الموت يطرقُ بابَك. وهذا نوعٌ من الموت بالفعل: القديم الذي فيك يموت، والجديد يُبعَثُ إلى الحياة. هذا الجديد لن يُبعَث إلى الحياة ما لم يرحل القديم وإلى الأبد. رحلتُك الرّوحيّة الحقيقيّة تبدأ فقط عندما تكون مُستعَدًّا للتّخلّي عن أيّ تَعَلُّق مهما كان، حتّى باسم الله، أو بسيّدٍ مستنير، أو بنصّ دينيّ… بعدها ودون سابق إنذار، نورٌ عظيمٌ مَهول يُبعَثُ من لُبّ وعُمقِ أعماق مصدر وجودك الدّاخليّ. نعمةٌ عظيمةٌ تُبعَثُ فيك. أنت تتحَوَّل بِحَقّ.

هكذا أنتَ لم تتخَلَّ عن العقل لأنّه شبح لا وجود له. إنّك وإنِ استخدمْتَ تقنيّاتٍ لتتجاوز العقل، فسوف تتعلّق بالتّقنيّات. تقنيّاتُك سوف تُعَذّبُك وتُلاحقك وتتحوَّلُ قَيْدَكَ.

إنَّ مَن يكبت الحيوان يبقى حيوانًا حتّى ولو ادّعى غير ذلك. كذلك مَن انغمسَ في عالَم حيوانيّته دونَ وعيٍ أو يقظة، يبقى حيوانًا. نادرًا ما تجد من لم يكبت ولم ينغمس بتهَوُّر وانعدام وعي. وحده هذا الشّخص يعثرُ على المِفتاحِ السّرّيّ الذي يفتحُ بابًا يقودُ للإلهيّ المقدّس.

نادرون هُم الذين عثروا على هذا المفتاح السّرّيّ. واحدٌ فقط من بين مئة هو مَن يجده. ما هو الدّرب الصّحيح؟

الدّرب الصّحيح هو أن تفهَم عقلك، لا أن تحاول الهرب منه والتّخَلّي عنه. الدّرب الصّحيح هو: أن تجلسَ بهدوءٍ وصمتٍ وتُراقِبَ عقلَك: راقِبْ جميع أساليبه الماكرة، وطُرُقَه المُلْتَوية المُخادعة، وجميع مُخطَّطاته وخطَواته. راقِبْ فقَط. كُن شاهِدًا على عقلك. رويدًا رويدًا، ومع المراقبة المستمرّة سوف تفهم وتكشف الألعاب التي كان يمارسها عليك. ألاعيبه تعتمد على مُبادرتك بعد أن تقوم بإغلاق بابٍ في وجهه، بالقفز من بابٍ آخر. تُغلِقُ البابَ الثّاني في وجهه، فيفتح بابًا ثالثًا. ويستمرّ الجنون.

راقِبْ فقَط… لا ترفُض العالَم ولا تُحاوِل التّخَلّي عن العقل. كُن يَقِظًا فقط. كلّما اشتدّت يقظتك، اقتربَ العقلُ من الاختفاء. وعندما يختفي العقلُ من تلقاء نفْسِهِ، يختفي العالَم أجمع. وعندما يختفي العقل ومعه العالَم: يظهر الله.

أوشو المستنير الحبيب

احتفال من قلب وحال بشّار



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech