أنت الآن تقرأ في قسم: إنسان, جسد / فكر

أوشو: العقلُ مَصْدَرُ المشاعر والعواطف وليس القلب

أوشو: العقلُ مَصْدَرُ المشاعر والعواطف وليس القلب

يظنُّ النّاسُ أنّ القلبَ هو البستانُ الذي تتمايلُ فيه مشاعرُ الإنسانِ وأحاسيسه مثلما تتمايلُ الأزهارُ مع النّسيم. ولكنّها ليست سوى مُخَيّلة الشُّعَراء. الأفكار، المشاعر، العواطف والأحاسيس، جميعُها تسكنُ الرّأسَ ولا تعرفُ للقلبِ عُنوانًا. وما القلب سوى مِضَخّة دمٍ لا تسكُنُها مشاعر ولا تأوي إليها أحاسيس.

عندما تُحَدّثُكُم الأسيادُ المستنيرةُ عنِ القلب الخالي من كلّ محتوى، فهي تتحَدّثُ عن العقل الطّاهر، أي العقل الذي يتلو الصّفاءُ في سمائه أنشودة الفناء، ويعزف الصّمتُ في محرابه لحنَ اللّا شيء الخالي من وجود الأشياء. لقد استخدَمَ بوذا كلمة “القلب” بدلًا من “العقل” بسبب أنّ كلمة “العقل” باتت تعني عمليّة التّفكير ولا شيء غيرها، وأنّ كلمة “القلب” تعني عمليّة الإحساس لأنّ القلبَ أعمق مستوى من العقل.

الشُّعراء هُمْ مَن خلقوا جميعَ هذه الأفكار. سَمّهِ “العقل الخالي من المحتوى” أو “القلب الخالي من المحتوى”، فكلاهما سواء. ما هو الفناء؟ ما هو اللّا شيء؟ إنّه مساحاتٌ خالية من وجود الأشياء التي تُولَد وتموت. مساحاتُ الصّفاء التي يحضُرُ في باحاتها الخلود. مساحاتُ النّقاء التي تعزِفُ الأبديّةُ في محرابها ألحان الصّمت البليغ، واختبار سرّ الأسرار المَهيب. هذا اللّا شيء هو حالكَ عندما تكونُ شاهِدًا يخلقُ مسافةً بيْنَه وبيْنَ كلّ شيءٍ موجود داخله وخارجه، فلا يتجرّأ شيء من الأشياء حتّى يقترب منك ويصبحَ هَوِيّتك. لا شيء من الموجودات يُعَرّفُك. لا شيء من الموجودات يُغويكَ بضرورة الانتماء إليه. أسلوب الحياة الشَّاهِد اليَقِظ هذا، بحيث لا تُعَرّف نفْسك بشيء، ولا تَحُدّ وجودك بشيء، وبالتّالي لا تتعَلّق بشيء، هو العقل الخالي من المحتوى. هو العقل الخالي من جميع الأفكار والمشاعر والعواطف والأحاسيس. وحده الشّاهد حاضِر في هذا العقل.

وسوف تجدُ صعوبةً في التّخَلُّصِ من قيْدِ هَوِيّة المشاعر والأحاسيس. حصارُ العواطف والمشاعر أقوى وَأشَدّ من حِصار الأفكار. لذا فإنّ الهربَ والفرارَ من حصار الأفكار – على الرّغم من صعوبته – إلّا أنّه أسهَل من فَكّ أغلال المشاعر، لأنّ مرتبة الأفكار الوجوديّة هي مرتبة أكثر سَطحيّة من مرتبة المشاعر والأحاسيس.

المشاعرُ والأحاسيس أعمق من الأفكار وجوديًّا، وجذورها تمتدُّ عميقًا داخل وجودك كجسدٍ حّيّ، داخل كيمياء جسدك، وداخل هرموناتك. الأفكار مجرّد غيوم تَطفو في السّماء. لا جذور عميقة للأفكار تمتدّ في جسدك وكيمياء هذا الجسد وهروموناتك. الأفكار مجرّد سُحُب تركض في السّماء بلا جذور. أمّا المشاعر والأحاسيس، فلَها جذور. لذا فإنّ اجتثاثها من جذورها أصعب.

سهلٌ عليْكَ أن تُراقِبَ نظريّة النّسبيّة بيَقَظةٍ ووعيٍ، لكن من الصّعب أن تُراقِبَ غضَبَكَ، حُبَّكَ، طمَعَك وطموحَكَ بوعيٍ ويقظة. والسّبب هو تجذُّر جميع هذه المشاعر عميقًا في قلب جسدك. لكنّك ما إنْ تفُكّ قيْدَ تحديد هويّتك بالجسد، وتعي أنّك لستَ بِجَسد، عندها لن تجدَ أيّ صعوبة في التّخلّص من حصار المشاعر والأحاسيس.

إنّ المُراقَبة الواعية ومُشاهدة كلّ ما يجري ويحدث داخلك بيقظة تامّة، هي سيفٌ حادّ يجتثّ الأفكار والمشاعر والعواطف، ويقضي عليْها بضربةٍ واحدة. كُثُر هُم مَن علِموا هذه الحقيقة بالتّجربة معي. لقد غاصوا عميقًا في قلبِ التّأمّل، أي مراقبة كلّ ما يجري في دواخلهم دون تدخُّل منهم، فتَحَرّروا من قيْد الجسد وعلموا أنّهم ليسوا بجسد، هربوا من حصار المشاعر والعواطف، وتخلّصوا من قيود الأفكار. وحدها المُشاهدَة الواعية الحادّة تبقى. وحدها طبيعتك الفطريّة الكونيّة الأصليّة. هذا هو القلب الخالي من المحتوى كما قال عنه بوذا. إنّه أنت عندما تصبح خاليًا من كلّ محتوى داخليّ، فتغدو واحدًا ووعي الكون المَهيب. تغدو واحدًا وجميع الأسياد المستنيرة في جميع العصور: في الماضي، في الحاضر، والمستقبل.

أوشو المستنير الحبيب

احتفال من قلب بشّار



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech