أنت الآن تقرأ في قسم: إنسان, جسد / فكر

أوشو: العِناق، لغة التّواصل المفقودة بين البشر

أوشو: العِناق، لغة التّواصل المفقودة بين البشر

لا يزالُ العناقُ غريبًا عن البشر، زائرًا قلوبًا ندَرَ وجودها. قلوبٌ تلَحَّفَت بالمحبّة اللّامشروطة. والسّبَب في الخِصام الذي وُلِدَ بين الإنسان والعناق، هي البَرمَجة الاجتماعيّة التي تُعادي الجسد وتقفُ ضدّه. جميعُ الشّرائع الدّينيّة تَحُثُّ أتباعَها على مُعاداة الجسد بحُجّة بلوغ المنزلة الوجوديّة الرّوحية الأعلى. جميعها تُعادي هذا العالَم وتُحاولُ تحريم كلّ ما يوقِظ أحاسيس الإنسان. والعناقُ فعلٌ حسّيّ للغاية. العناقُ تجربةٌ جسديّة في غاية الأهمّيّة. لكن ماذا سأقول عن العناقِ إنْ كان حتّى اللّمس مُحَرَّمًا ومَحظورًا؟

إنّ هذه البَرمجات الدّينيّة التي شُفّرَ عقلُ الإنسانِ بها، قد طالَت مستوياتٍ بعيدةً عن الإنسانيّة بُعْدَ السّماء عن الأرض. لقد هبَطَت بالإنسان إلى أودية الهَمَجيّة، وبات نسيان جميع هذه البَرمَجات أمرًا مُلِحًّا وضروريًّا لأجل عودة تدَفُّق أنهار الدّفء وجريانها في قلوب البشر، لأجل عودة طيور المحبّة إلى سماء الإنسان، ولأجل أن يتعامل البشر بالعناقِ واللّمس ليشعروا وللمرّة الأولى بأنّهم على قيْد الحياة حقًّا.

جسدُك آية من الجمال. جسدُك هو أنت. جسدُكَ هو الوجهُ المرئيّ لوجهِكَ الحقيقيّ الذي لا وجهَ له. وإنّك لن تعثُرَ على وجهك الحقيقيّ ولن تتعرّفَ عليه ما دُمْتَ تَدين وَجهَهُ المرئيّ.

 

أنظر مِن حولِكَ ودَقّق في النّاس الذين يُشبهون المَوْتى السّائرين. أنظر إليهم وهُم يمشون  وكأنّهم يسيرون في نومهم. جميعُهم بائسون ويعانون بسبب الكثير من المشاكل التي تعترضُ دروب حياتهم. لكن تبقى المشكلة الأصليّة الأساسيّة الجوهريّة والتي تتلخّص في سبب بؤسهم وموتهم الرّئيسيّ، وهي برمَجتهم على الانقلاب ضدّ أجسادهم. لقد فُصِلَ الجسد عن الرّوح. لقد حُطّمَ الجسر الذي كان ممَرَّكَ للعبور إلى كيانك ومصدر وجودك.

والعناقُ مَكروهٌ في نظام هذه البَرمجات لأنّ مؤَسّسيها يعتقدون أنّه حالةٌ جنسيّة. ولكنّه ليس كذلك. العناق وبكلّ تأكيد هو حالة حِسّيّة، لكنّها ليست جنسيّة. وعليكَ أن تفهم هاتيْن الكلمتيْن جيّدًا.

الإنسانُ الحَيّ هو إنسان حِسّيّ بمعنى أنّ جميع حواسّه تعملُ بكفاءة، وأنّها قد بلغت ذُروَتها. هذا الإنسان يمتلكُ نظرًا حادًّا، وتلتقطُ عينُه ما لا تلتقطُهُ عينٌ أخرى. هذا الإنسان تشعُرُ حين تلمسُهُ بأنّك تُلامسُ ظاهرةً حيّة، وليس مجرّد غصن شجرةٍ فارَقَتْهُ الحياة. لمْسَتُهُ تضجُّ بالحياة. لمْسَتُهُ لُغة. لمْسَتُه رسالة. من خلالها تنتقلُ طاقَتُه إليْك، وتنتقلُ طاقَتُكَ إليْه.

 

حتّى وإنْ وَجَدْتَ البعضَ يُعانقون بعضهم البعض، فإنّهم يقومون بذلك بسبب الإتيكيت، العادات، أو المجاملات. يتعانقون لكنّ البُعْدَ يجمَعُهم. البُعْد بينهم كما البُعد بين الأرض والنّجوم. ملايين السّنوات الضّوئيّة تفصلُ بينهم. هل راقبْتَ نفْسَك عندما تقوم بعِناقِ أحدهم؟ أين الغِبطة؟ أين النّشوة؟ مجرّد واجب مفروض عليك وأنت تقوم بتأديتِه.

أن تُوقِظَ حواسّك يعني أن تتنَبَّه لثراءٍ أنعمَ الوجود عليكَ به. يعني أن تتنَبَّه لتفَرُّد وتميُّز جميع ما يُحيطُ بك. الثّياب وهي تلامِسُ جسدك، مشروبٌ بارد، مشروبٌ دافىء من الشّاي أو القهوة، رائحة القهوة، وعطر الشّاي وهو يَغلي داخل الإبريق. هذه أشياءٌ بسيطة سوف تشعرُ بها وتحسّ أنّ نسيم الحياة يلفَحُك، يُسعِدُكَ ويُثري تجربتك.

جميعُ الاختلافات بين العقائد المسيحيّة والإسلاميّة والهندوسيّة لا تَهُمّ، لأنّها مجرّد ألعاب لُغَويّة وتمارين رياضيّة منطقيّة، إذ يبقى الجَذر الأساسيّ واحدًا: كيف يتحوّل الإنسان إلى جثّة خالية من المشاعر والأحاسيس. لن يُخبروكَ بأنّهم يدفعونك نحو الموت، ولكنّهم سوف يستخدمون كلماتٍ عَذبة لها التّأثير العظيم في النّفوس. كلماتٌ وعبارات تُحاول إفهامك أنّ موت مشاعرك وأحاسيسك هو من أجل مصلحتك وخلاصك.

غريبٌ أنّ النّاس لا ترى التّناقض العظيم. لا ترى الطّمع الرّهيب في هكذا تعاليم. هُم يخبرونك بأن تتخلّى عن ملذّات ودفء وثراء هذا العالَم، لكنّهم يعدونك بالجنّة في المقابل. والمقابل هو ذات الملذّات والدّفء والثّراء.

لسْتُ أفقَهُ هذا الهُراء الذي تمّ تعليمُكم إيّاه. وأنتم تصغون لهم، وتتمُّ برمَجَتُكم بهذا الهُراء لدرجة تفقدون معها قدْرتكم على رؤية التّناقضات.

هل هذه المكافآت هي نوع من اليانصيب الرّوحي؟ لا يُمكن للحقيقة الرّوحيّة أن تكون تجارة أو صفقة. من هنا تكتشف أنّ النّاس التي تمتلكُ أطماعًا مَخفيّة مُختَبِئة عميقًا في ظُلمات لاوعيها، قد أصبحت مُتَدَيّنة. والمكافآت التي سوف تجنيها مُقابل تضحياتها، عظيمة.

وأنت عاجز عن فَهم حقيقة بسيطة مفادها أنّ هذه الأشياء التي تحرمُ نفْسَك منها وإنْ كانت خطيئة، فإنّ قدّيسينك وحكماءك يرتكبون الآن في الجنّة ملايين الخطايا والمعاصي.

يجب أن تفهم أنّك وإنْ خُدِعْتَ بواسطة رجال دينك وقادتك من السّياسيّين، وقُمْتَ بتحطيم سنوات عمرك بحرمان نفْسك من المتعة والغبطة والمرح والإحساس ونشوة الحبّ، فإنّ الجنّة الحقيقيّة لن تكون من نصيبك. الجنّة لن تكون من نصيبك لأنّ هذه الحياة هنا هي مجرّد مرحلة تدريب لك حتّى تتعلّم فنّ العيْش والمرح والاحتفال. لم تكُن حياتُك سوى مرحلة تدَرَّبْتَ فيها على عيْش الجحيم. جميع شرائعك الدّينيّة تُدرّبك على الذّهاب إلى الجحيم. جميعها تعلّمك الكبت والحرمان، المعاناة، الجَدّيّة، وعدم الاستمتاع بملذّات الحياة.

إنّي أقولُ لكَ أنّك عاجزٌ عن تذوُّق الطّعام مثلما أتذَوَّقُهُ أنا. عيناك لن ترى مشهد الغروب مثلما تراه عيناي. قد فقدَت عيناك كلّ إحساسٍ وشفافيّة. لربّما تغطّ في النّوم إذا ما استمعْتَ لموسيقى موزارت. لكنّك تبدأ بالقفز والصّراخ عندما تسمع موسيقى الجاز. إنّك ولأجل أن تفهم الموسيقى الكلاسيكيّة، تحتاج أذُنيْن في غاية الشّفافيّة ومُفعَمَتيْن بالإحساس. الأمرُ نفْسه ينطبق على الحواسّ الخمس، بل السّتّ إذ توجد حاسّة سادسة مُختبئة داخل أذُنيْك.

فإنِ استيقظَت حواسّك السّتّ وبلغَت ذرْوتها في تأدية وظائفها وتَلَقّي كلّ ما يجود به الوجود،  ستحيا حياة الثّراء.

عندما أقولُ أنّني أتيْتُ لأعلّم الأثرياء، فأنا لا أعني أنّ روكفلر وفورد ومورغان وكينيدي، هُم تلامذتي. عندما أقول أنّني أتيْتُ لأعلّم الأثرياء فأنا لا أعني رجال الأعمال، بل مَن يمتلكون ثراءَ الحواسّ. هذا هو الثّراء الحقيقيّ. الدّولار ليس سوى الوَهم. أين الثّراء فيه؟ الثّراء يولَد من قلب حواسّك.

تمسّك بإحساسك، بشفافيّتك، بحواسّك.

أنت تشعر باختلافٍ عندما تُعانق إنسانًا حيًّا مُتَحَرّرًا لأنّ قلبَهُ مُشَرّعٌ للحياة والبشر. كلاكما كتاب مفتوح. تتعانقان وكأنّ سماءً تملؤها النّجوم قد عانقَت سماءً لا حدود لها. سوف تشعر بالحياة تخفق داخلك بقوّةٍ مضاعَفة.

أنت لا تعرف عن المعجزات التي تحدثُ داخل جسدكَ شيئًا. عملٌ مستمرّ دون توقُّف. ملايين الخلايا تقوم بآلاف الوظائف. الشَّعر الذي ينمو خلال اللّيل وأنت نائم. التّنَفُّس المستمرّ دون اعتمادٍ على عقلك.

هل تخيّلْتَ يومًا كيفيّة تحوُّل الطّعام الذي تتناوله لدماء، لحم، وعظام؟ مَن الذي يقومُ بكلّ هذا؟ كيف يتمكّن جسدُكَ من اختيار ما يُغذّيه، ورفْضِ ما سيُشكّل عِبئًا عليك؟ جسدُكَ يتخلّص باستمرارٍ من جميع أنواع السّموم ويرميها إلى الخارج. كلّ هذا وأنت حتّى لا تُوَجّه كلمة شُكر لجسدك.

ويستمرُّ رجالُ دينك بالتّفَوّه بعباراتٍ مُسيئة ضدّ جسدك.

اِهتمّ بجسدك لأنّه يهتمُّ بك. إنّك لن تتمكّن من ردّ جَميله مهما فعَلْت. وتوقَّفْ عن اتّباع أبطالك الذين يقفون على رؤوسهم، يمتنعون عن الطّعام، ويقفون في الصّقيع عُراةً وسط الثّلوج. جميعُهم يحتاجون علاجًا نفسيًّا لأنّهم مجانين.

تاريخُ رجال الدّين والكهنة يشهد أنّهم ضدّ الجنس. لماذا؟ لأنّ الجنس مصدر الحياة. وهُم ضدّ الحياة، لذا عليهم أن يكونوا ضدّ الجنس، وإلّا فما العظيم في حرمان الجسد من هذه الحاجة الطّبيعيّة؟

الدّين ليس سوى تَعَلُّم فنّ عيْش الحياة، فنّ المحبّة. وإنْ تمَكَّنْتَ من التّحليق بهذيْن الجناحيْن، فالاستنارة سوف تزورك من تلقاء نفْسها. لقد استَحْقَقْتَها. الاستنارة مكافأة الوجود لأولئك الذين احترموا الحياة فأحَبّوا، عاشوا، رقصوا واستمتَعوا.

لا تَعِشْ كالجَبان! لا تَتْبَع أحدًا. عِشْ كرَجُل ولا تَعِشْ كرجلٍ محترم gentleman. أن تكون الرّجل الإنسان، هو أمر كافٍ. عيشي كامرأة، ولا تعيشي كسيّدة محترمة lady. السّيّدة المحترمة هذه جثّة هامدة لا حياة فيها. عندما تصبح المرأة جثّةً خاليةً من الحياة، يمنحُها المجتمع لقب lady. وعندما تتمُّ برمَجة الرّجل من قِبَل المُجتمع، يُطلقون عليه لقب gentleman.

أريدُ رجُلًا طبيعيًّا مثلما أوْجدَتْهُ الطّبيعة. وأريد امرأةً طبيعيَّةً مثلما أوجَدَتْها الطّبيعة. لا زيْف ولا أقنعة اجتماعيّة تمثّل الاحترام والإتيكيت. أريدهما حُرَّيْن من قبضة العقل. إنّ مَن يتمكّن من العيْش بهذه الطّريقة، ستتحوّل حياته إلى احتفال. عندها ستُرشده حواسّه التي لم يُكبّلْها المجتمع بأغلاله، إلى مصادر الثّراء التي أهداه إيّاها الوجود.

أوشو المستنير الحبيب

احتفال من قلب وحال بشّار



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech