أنت الآن تقرأ في قسم: أديان, شاطئ الإستنارة

أوشو: الجنّة إسقاطٌ لرغباتك، ورغباتك تولَد على الأرض مرارًا وتكرارًا، “سلسلة أسرار بوذا” -3-

أوشو: الجنّة إسقاطٌ لرغباتك، ورغباتك تولَد على الأرض مرارًا وتكرارًا، “سلسلة أسرار بوذا” -3-

الجزء الأوّل

الجزء الثّاني

 

لا أحَد يولَد. وحدها الرّغباتُ تولَد مرارًا وتكرارًا. كيف ستولَدُ أنتَ إنْ لم تكُن في الأصل موجودًا ؟ لهذا السّبب يقول بوذا أنّك لن تولَدَ من جديد إذا تجاوَزْتَ الرّغبات، فلا شيء سيولَد بعدك على الأرض من جديد. ما إنْ تَعي أنّ الرّغبة وهمٌ وسراب، حتّى تتخطّاها وتتجاوزها وتُوَدّع العودة إلى الأرض من جديد.

الخطوة الأولى هي أن تغوصَ في بحور الفَهم العميق هذه، أي أن تفهمَ ماهية الحياة وكينونتها. أن تفهم أنّ الحياة عمليّة حيّة، مجموعة أحداث لا ذات ولا نفْس لها. الحياة لا تتكوّن من أشياء. الحياة لا تعرف الثّبات. الحياة عبارة عن أحداث. الحياة طاقة حيويّة حَيّة.

بعدها تتلاحق الخطوات كلّما غُصْتَ أعمق، فتكون على موعدٍ مع ولادةٍ أخيرة على الأرض. هذا لأنّ فَهمك ليس كُلّيًّا بَعد. بعد أن يصبحَ فهمُكَ شاملًا كُلّيًّا فإنّك لن تولَد من جديد. فَهْمُك يصبح مفتاحَ تحَرُّرك.

 

أن تتحرَّر من الولادة على الأرض من جديد يعني أنّك بلَغْتَ السّرّ العتيق، واكتشفْتَ قدرَكَ الحقيقيّ. وإنّي أستخدمُ اللّغة وأنا أتحدّث الآن إذ ما من وسيلةٍ أخرى للتّعبير، فأقول “أنّك بلغْتَ السّر العتيق”،  لكن لا يوجَد أحد حتّى يبلُغ ويصِل. لا وجود سوى للسّرّ العتيق. قد كانت رؤية بوذا وجوديّة لا لغويّة ولا نظريّة ولا فلسفيّة، ولا وجود لما يُضاهي رؤيته في إهداء الإنسان مفاتيح حرّيّته. لأنّك وإن آمنْتَ بالرّوح فقد تترك هذا العالَم وتفارقه، ولكنّك سترغب بالفردوس، بالجنّة لأنّك لم تترك ذاتك/نفْسَك بَعد. هكذا تُحَوّل الرّغبات مسارها وقوّتها الدّافعة نحو بُعْدٍ آخر. أنت لم تتخلَّ عن نفْسك، لأنّك وإن كنتَ قد تخلّيْتَ عن طمعِك في هذه الدّنيا، فقد أطْلَقْتَ العنانَ لأطماعٍ شفّافة أخرى في عوالِم أخرى.

 

أنظر فقط إلى جنّة الهندوس والمسلمين والمسيحيّين. تبدو مليئة برغبات هذا العالَم. جميع محرّماتهم مُتوفّرة فيها. إنّ جميع ما تطلب منكم هذه الأديان أن تتخلّوا عنه في هذه الدّنيا، موجودٌ في جنّتها، وبِوفرة. يمنعون شرب الخمر ولكنّ الجنّة مليئة بأنهارٍ من الخمر حتّى تسبح فيها وتستحمّ بها.

جميع ما تتخلّى عنه في هذه الدّنيا وتُنكره وتدينه، إنّما تفعل ذلك لأجل أن تكسبَ المزيد منه. هذا هو منطقك. نساءٌ جميلات فاتنات، حور وغلمان. كلّ هذا أنا، كلّ هذا نفْس، كلّ هذا ذات.

يقولُ بوذا أنّك وإنْ لم تتجاوز الأنا/النّفْس/الذّات فسوف تنغمس في ذات الغباء مرارًا وتكرارًا. جنّتُك ليست سوى العالَم الذي يُسقِطُهُ عقلُكَ ويتمنّاه. إنّها هذا العالَم مع إضافة الرّتوش والتّعديلات. هذه معجزة جنّة الهندوس والمسلمين والمسيحيّين واليهود. قد أعَدَّ الله الرّياض والحدائق والنّساء والكلّ في انتظارك. فإنْ كنْتَ صالِحًا وأطَعْتَهُ، فسوف يُكافِئكَ. وإنْ عَصَيْت، فإلى الجحيم.

النَّفْس موجودةٌ هنا إذًا كمركزٍ للرّغبة، والله موجود كمركزٍ لإشباع هذه الرّغبة. بوذا يقول أنّ كلاهما وَهْم. تخلَّص من كليْهِما. لا هذا الإله موجود ولا النّفْس موجودة. أنظر إلى الحقيقة الوجوديّة كما هي، ولا تسر والرّغبات ترافقك. تجاوز الخيالات والأوهام والأساطير. توقّف عن الغرق في بحور الأحلام وانظر لحقيقة الوجود.

يقولُ بوذا أن لا شيء أبديّ فكلّ شيءٍ يتغيّر ويتبدّل، فتوقّف عن إقناع نفْسِك بوجود نفْسٍ لا تتغيّر. اِفهم أنّ كلّ شيء هو أحداث تجري وتنساب، ودَعْ هذا الفَهم يُحَرّرُك.

وتذكّر أنّ الآخرين عندما يتحدّثون عن التّحَرُّر إنّما يريدون التّحرُّر خدمةً للنَّفْس/ للذّات، بينما بوذا يتحدّث عن التّحرُّر من الذّات/النّفْس. ليس أنتَ مَن سيتحرّر، بل هو تحرُّر منكَ أنت. وهذه هي الحرّيّة الوحيدة الحقيقيّة. التّحرُّر من نفْسِكَ أنت. وإلّا سيستمرّ عقلك بلَعِب ألعاب لا حصْرَ لها ولا عَدّ. سيستمرّ عقلك بالرّسمِ على لوحاتٍ جديدة. قد تتغيّر اللّوحات وتتبدّل، وتبقى الرّغبات هي نفْسها، سواء أكانت في عالم المُتعة والطّمع والمنافسة أو داخل المعابد والمساجد والكنائس. لا شيء يتغيّر لأنّ عقلك مُستَمِرّ بإسقاط ذات الرّغبات في الجنّة والفردوس.

شاهِد هذا العقل وراقبه. أنظر في رغباته. كُنْ مُراقِبًا لها شاهِدًا عليها. وأنا أعني أن تكون الوعي وليس واعيًا. لا وجود لأحد حتّى يصبح واعيًا. لا وجود سوى للوعي.

نعم، لن تولَد من جديد. ولكنّك وإنْ احتَفَظْتَ بفكرة أنّك موجود، فسوف يستمرّ جزءٌ واهِمٌ منكَ بالعودة إلى الأرض. وإنْ تخلَّيْتَ عن فكرة النّفْس/الذّات فسوف تختفي استمراريّة الوَهم، وتتبخّر أنت.

هذه هي الاستنارة. وهذا لا يعني أنّ ما سيبقى هو العدم، وإلّا فما الفرق عندها بين الاستنارة والعَدَميّة؟ ما الفرق بين بوذا والمُلْحِد؟ هناك فرقٌ مَهول. يقولُ بوذا أنّك عندها سوف تتلاشى وتختفي وتغيب، ولكن وللمرّة الأولى سوف تحضُر الحقيقة المُطْلَقة، السّرّ المُطْلَق العتيق. ولكنّ بوذا لا يعطي هذه الحقيقة، لا يُعطي هذا السّر اسمًا لأنّ إطلاق اسمٍ عليه هو أمر مستحيل. أن تطلقَ عليه اسمًا يعني أن تحوّلَهُ إلى مَفهوم، إلى فلسفة، وأن تُزَيّفَه. لذا يصمُت بوذا عند هذا المقام فلا يبوح بأيّ شيء. هو فقط يُشير إلى الطّريقة التي تقودك إلى الاختبار.

أوشو المستنير الحبيب عن أسرار وعلوم المستنير بوذا

احتفال من قلب وحال بشّار



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech