أنت الآن تقرأ في قسم: أديان, شاطئ الإستنارة

أوشو: النَّفْس وَهم والصّفاء أصل الوجود، “سلسلة أسرار بوذا” -2-

أوشو: النَّفْس وَهم والصّفاء أصل الوجود، “سلسلة أسرار بوذا” -2-

الجزء الأوّل

 

بوذا لا يتحدّث عن الله لأنّ هذا النّوع من الأحاديث لا يُدَعَّم بدليلٍ قاطع، ولأنّ الله الذي تظُنُّه موجودًا هو في حقيقة الأمر لا وجود له. إلهُكَ الذي تؤمنُ به هو – من جديد – محتوى من محتويات ذاتك القديمة المزيّفة. تظنُّ أنّكَ تملِكُ نَفْسًا، وأنّه لا بدّ للكون الواسع الفسيح أن يمتلكَ نَفْسًا خارقة مُقَدّسة، وأنّ الله هو هذه النّفْس/الذّات السّامية المقدّسة.

يقولُ بوذا أنّك لا تملِكُ نفْسًا. والكون موجود، لكنّه في جوهره لا يحوي أيّ نفْسٍ مُقَدّسة سامية عُليا. الكون ثَرِيٌّ بملايين الأحداث التي تدور في زواياه وبين خباياه وفوق مسارحه، فالحياة ليْسَت سوى أحداث، الحياة ليست سوى أفعال ولا وجود لصِفات أو عناوين في الحياة. لا صِفات ولا مَوصوفات في الحياة، فقط أحداث تَحْدُث. ملايين الأحدث موجودة لكن لا ذات عُليا أسمى. لا وجود لمركز للكون. لذا، صعبٌ جدًّا أن تَفْقَه سِرّه ما لم تدخُل بُعْدَ التّأمُّل.

 

 

لأجل هذا السّبب ينأى بوذا بنفْسِهِ عن الدّخول في نقاشات ميتافيزيقيّة ماورائيّة. لا وجود لجَدَل ماورائي. بل يقول: ادخُلْ بُعْدَ التّأمُّل فقط. وحده التّأمّل يوضّح لك حقيقة هذه الأمور. فقط عندما يتوقّف الفكر، تختبر بنفْسِكَ وترى كيف يختفي المُفَكّر باختفاء الأفكار. لم يكُن المُفَكّر سوى ظِلّ الأفكار. المُفَكّر صفة والوجود لا صِفات فيه. الأفكار حدث والوجود مليء بالأحداث فقط. في غياب الأفكار لا وجود لمُفَكّر. وفي غياب المُفَكّر كيف ستبوح أو تشعرُ بأنّك موجود؟ لن يتبقّى أيّ أحد ليُسِرّ بحضوره ويُعلِنَ عنه. ما هو موجود بعد غياب المُفَكّر، مساحة خالية من المحتوى: مساحة من الصّفاء. هذا ما يُسمّيه بوذا بمساحات اللّا نفْس الصّافية الخالية من أيّ محتوى. إنّها أعظم تجربة في الوجود.

نعم يتحدّث بوذا عن حيواتٍ أخرى وعن التّقَمُّص، وهذا ما سبَّب اضطرابًا في أذهان البوذيّين. لأنّ بوذا أسَرَّ بحقيقةٍ تحوي تناقُضًا تعجَزُ الأذهان عن فَهمه.

هذا ما حدث في العلم الحديث. قد ذُهِلَ العُلَماء عندما دخلوا أعمق نقطة في قلب المادّة، لأنّ الإلكترونات كانت تتصرّف بطريقةٍ مُنافِية للمنطق تمامًا.

ليس بإمكانك أن تُجبِرَ الإلكترونات على التّصرّف بطريقة منطقيّة. عليك أن تَفهم الإلكترونات ليس أكثر. ذات الإلكترون يتصرّف في بعض الأحيان كمَوْجة، وفي أحيانٍ أخرى يتصرّف كَكمّ، كجُسَيْم. وهذا أمر مستحيل. الإلكترونات تتمرّد على أرسطو وعلى إقليدس.

قد تعلَّمنا في المدرسة أنّه ليس بإمكان النّقطة أن تكون خَطًّا والعكس صحيح. الخَطّ هو مجموعة نِقاط موضوعة سَويًّا بالتّسلسل، لذا فالنّقطة الواحدة عاجزة عن التّصرّف كَخَطّ، وإلّا فسوف يضطرب الشّكل الهندسي برُمّته. لكنّ هذا ما يحدث في أعماق قلب المادّة. في لمحة من الوقت توجَد نقطة، وفي لمحةٍ أخرى تتحوّل إلى خَطّ. لا يوجد تدَرُّج ولا نُموّ، مُجرّد قَفْزة. قفزة مُفاجِئة. قفزة تُنافي المنطق وتُعاديه تمامًا.

هكذا وُلِدَت نظريّة فيزياء الكَمّ. الكَمّ/الكَمّيّة: قد اخُتِرَعَت الكلمة لأنّها لم تكن موجودة من قبل، إذ لم يكتشف الإنسان ظاهرة مُنافية للمنطق كهذه الظّاهرة. الكَمّ يعني النّقطة والخَطّ سويًّا، بالتّوازي. الكَمّ يعني جُسَيْمًا وموجة سَويًّا.

وهذا ما حدث عندما أتى بوذا إلى العالَم. لقد دخل في أعمق نقطة داخل ذاتك المُزيّفة، وأصيبَ بالذّهول أيضًا. اكتشف بوذا أن لا وجود للنَّفْس، وأنّ التّقمّص في الوقت ذاته موجود. لو أنّ بوذا لم يكُن عالِماً عظيمًا بحَقّ وكان مجرّد فيلسوف عاديّ، لما تحدّث عن الموضوع أصلًا. لكان اختارَ الوقوف على ضفّة واحدة حتّى لا يبوح بسرّ التّناقضات. لقالَ أنّ التّقمُّص غير موجود لأنّ النَّفْس لا وجود لها.

وهذا ما يستمرّ النّاس الذي لا يؤمنون بالرّوح، بِقَوْله. لطالما قال الملحدون بأنّ النّفْسَ لا وجود لها. بأنّك عندما تموت فأنت بكلّ بساطة تموت وانتهى الأمر. لا أحد يتابع الحياة بعد الموت، ولا أحد يولد من جديد. وهذا أمر بسيط ومنطقيّ. ومن النّاحية الأخرى تجد المؤمنين الذين يؤمنون بالنَّفْس. يقولون بأنّك تموت ولكنّ الجسد وحده هو الذي يموت، أمّا أنت فتستمرّ وتنتقل إلى مكانٍ آخر. روحك تبقى على قيد الحياة لأنّها أبديّة. وهذا كلام منطقيّ أيضًا.

يظهر بوذا من هذا المنطلق مُنافِيًا للمنطق، وهذا بسبب إصراره على عدم السّيْر في اتّجاهٍ مُعاكس للحقيقة الوجوديّة، لحقيقة ما هو موجود حقًّا.

يقول بوذا النَّفْس/الذّات لا وجود لها، ومع هذا فالتّقمُّص أو الولادة من جديد هي أمر موجود. إنّها قفزة كَمّيّة.

فَهْمُك للغة الفيزياء الحديثة سوف يساعدك على فَهم بوذا: المادّة لا وجود لها. وحدها الطّاقة موجودة دون أن تحوي أيّ ذات أو نفْس، دون أن تحوي أيّ جوهر.

يتبع…

أوشو المستنير الحبيب عن أسرار وعلوم المستنير بوذا

احتفال من قلب وحال بشّار



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech