أنت الآن تقرأ في قسم: أديان, شاطئ الإستنارة

أوشو: لا أحد يولَد من جديد، فمَن الذي يولَدُ إذًا؟ “سلسلة أسرار بوذا” -1-

أوشو: لا أحد يولَد من جديد، فمَن الذي يولَدُ إذًا؟ “سلسلة أسرار بوذا” -1-

ليس الجسد سوى حقيبة من الجلد. الجِلْدُ يُعرّفُ جسدك. الجلْدُ يرسمُ حدودَكَ، ويفصلُ بين العالَم وبينك. إنّه يحميكَ من العالَمِ المُحيط بكَ، وكأنّه يعزِلُكَ عنه. إنّه يُباعِدُ بينكما فلا يسمح سوى بمنافِذ صغيرة وبسيطة تدخلُ العالَم أو يدخلُكَ العالَمُ منها. في غيابِ الجلد لا وجودَ لك. سوف تسقط حدودك مع كلّ شيءٍ يُحيط بك. ولكنّك لسْتَ بجِلْدِكَ. جلدُكَ هذا يستمرُّ في التّغيُّر كما الأفعى التي تتسلَّل وتخرج من جلدها مرّة تلوَ الأخرى. يقول العلماء بأنّ الإنسان الذي يعيشُ سبعين عامًا يقومُ بتغيير جِلْده عشر مرّات تقريبًا. ولكنّ العمليّة تحدثُ ببُطءٍ شديد فلا تَعي حدوثها أبدًا. جزءٌ رقيقٌ لا يتوقّف عن التّغَيُّر والتّبدُّلِ في كلّ لحظةٍ. رقيقٌ هو تغيُّره لدرجة أنّك لا تشعر به ولا تَلْحَظُه. إحساسُكَ لم يرتقِ بنفْسِهِ بَعد ولم يَعْرُجْ إلى مستوى الشّفافية المُطْلَقة.

والأنا/الذّات/النَّفْس تعملُ عملَ الجسدِ تمامًا. الجِلْدُ يُمسِكُ بجسدِكَ، يُحَدّدُه، ويُعَرّفُهُ واضعًا حَدًّا له. هكذا الأنا تَحوي محتويات عقْلِكَ، تُمْسِكُ بها وتُقيمُ لها الحدودَ الفاصِلة. الأنا هي جِلدُكَ الدّاخليّ الذي يمنحكَ هويّةً تُخبِرُكَ بمَن تكون. بدونها سوف تتوه فلا تعرفُ أين أو متى، ماذا أو كيف. بدونها لن تعرفَ مَن تكون أنت ومن يكون الآخر.

فكرة الأنا/الذّات/النَّفْس/ذاتي/أنا، تُهديكَ تعريفًا نَفْعِيًّا بمعنى أنّها تفْصِلُكَ عن الآخرين راسمةً حدودًا فاصِلة واضِحة. وتبقى هذه الأنا جِلدًا داخليًّا أشفّ من الجلد الخارجيّ ولا يُرى بالعيْن المجرّدة. جلدٌ يُحيطُ ويُمْسِكُ بجميع محتويات عقلك: ذاكرتك، ماضيك، رغباتك، خِطَطُك، مستقبلك، حاضرك، محبّتك، كراهيّتك، غضبك، حزنك، سعادتك… جميعها مُحتويات موجودة داخل حقيبة الأنا.

ولكنّك لسْتَ الأنا كذلك. هذه النّفْس تستمرُّ بالتَّغَيُّر والتَّبَدُّل بسرعةٍ تفوقُ وتتفوَّقُ على مستوى تغيُّر وتَبَدُّل جلدك الخارجيّ.

يُماثِلُ بوذا بينها وبين لهَب الشّمعة. اللّهبُ الذي تراه يأخذُ بالتّحَوُّل باستمرار فلا يبقى على حال. في كلّ لحظةٍ يتلاشى اللّهبُ ويختفي دُخانًا يتوارى عن الأبصار، ليُحلَّ لهبٌ جديدٌ مكانه. ولكنّه حدثٌ جدًّا سريع يخدعُكَ فلا تَلْحَظ الغياب. لهبٌ رحَل، وآخر أتى. إنّه استمراريّة.

يقولُ بوذا أنّ الأنا/النّفْس/الذات هي استمراريّة. هي ليست بمادّة ولا جوهر لها. إنّها استمراريّة كما استمراريّة اللّهب، كما استمراريّة النّهر، كما استمراريّة الجسد.

قد تقول أنّ الأمر مفهوم ومعقول، وأنّ الإنسان إذا ماتَ واختفى كلَّ شيء، فعندها سيختفي اللّهب أيضًا. ولكنّ بوذا يقول: سوف يولَدُ هذا الإنسان من جديد. هنا تبرز المشكلة. مَن هذا الذي يولَد؟ نعود للمُماثَلة من جديد. هل رأيْتَ يومًا غابةً تحترق؟ إذا راقَبْتَ هكذا مشهد فسوف تلحظ ظاهرة انتقال لهَب النّيران وقَفْزِه من شجرة إلى أخرى. هذا اللّهب لا مادّة فيه، مجرّد لهب. لا محتوى بداخله. إنّه طاقة صافية، كمّيّة معيّنة، وِحدة من الطّاقة، تقفز من شجرة إلى أخرى، ثمّ إلى أخرى وهكذا.

أو بإمكانك إحضار مِشعَل وتضَعُه بالقرب من مشعلٍ آخر أُشْعِلَتِ النّارُ فيه. سوف يقفزُ اللّهب من المِشعَل المُشْتَعل إلى المِشْعَل الآخر. إنّها قفزة كَمّيّة  نوعيّة. اللّهب الصّافي يقفزُ باتّجاه المِشعَل الآخر فتكون الاستمراريّة.

أنت الآن تستمعُ إليّ. إفتَح الرّاديو وسوف تسمع بثًّا معيَّنًا آتيًا من مَحَطّة، وهذا البثّ يمرُّ الآن بيننا. أنتَ في حاجةِ لاقِطٍ فقط.

لا مادّة، لا مُحتوى فِعْليّ فيما تلتقطه وتتلقّاه. مجرّد موجات فكريّة صافية تُبَثّ من المَحَطّة وتصِل إلى هنا. مجرّد موجات فكريّة ولا شيء جوهريّ. لستَ قادرًا على الإمساك بها في قبضة يدك. لسْتَ قادرًا على رؤيتها. ولكنّها موجودة لأنّ الرّاديو أو التّلفاز سوف يقومان بالتقاطها.

يقولُ بوذا أنّ الإنسانَ عندما يموت، فإنّ جميع الرّغبات التي جمَعَها طوال رحلة حياته واختزَنها بداخله، وجميع ذكرياته التي تكوَّنَت بداخله، إضافة إلى جميع كارماته، جميعها تقفزُ مثل مَوجاتٍ من الطّاقة في رحمٍ جديد. إنّها قفزة. والكلمة ذاتها موجودة في عِلم الفيزياء: يُسَمّونها بالنّقلة النّوعيّة. هي نَقْلةُ/قفزةُ طاقةٍ صافيةٍ لا محتوى مادّي لها.

بوذا هو أوّل عالِم فيزيائي كَمّيّ. قد لحِقَ به ألبرت آينشتاين بعد 2500 عام، لكنّ كلاهما يتحدّث اللّغة ذاتها. وسأستمرّ بقَوْل أنّ بوذا عالِم لأنّ لغته هي عبارة عن فيزياء مُعاصرة رغم أنّه زار الأرض قبل 2500 عام.

عندما يموت الإنسان، يختفي جسده. الجزء المادّيّ يختفي. أمّا الجزء اللّا مرئيّ، الجزء اللّا مادّيّ، الجزء العقليّ، فهو ذَبْذَبة. يتمُّ تحرير هذه الذَّبْذَبة عند الموت. يتمُّ بَثَّها. والآن، أينما كان الرّحم المناسب لالتقاط هذه الذَّبْذَبة متوَفّرًا، فسوف تدخله ويستقبلها.

لا وجود لذاتٍ/نفْس/أنا ترحل هنا. لا أحد يرحل.. لا أحد يُغادِر.. لا أحد يذهب. لا حاجة لأيّ شيءٍ ذات محتوى لأن يرحل أو يُغادِر. إنّها مجرّد دَفعَة، قفزة لِكَمّيّة من الطّاقة. والتّشديد مَصبوبٌ على أنّها ذات حقيبة الأنا هي التي تَقفز. الجسد/المنزل ما عاد متوفّرًا للعيْش فيه، ولكنّ الرّغبة القديمة، شهوة العيْش لا تزال حيّة مُشتعلة. هذه الرّغبة ذاتها هي التي تقفز.

استمعِ الآن للفيزياء الحديثة. يقول علم الفيزياء بأنّ المادّة لا وجود لها. هل ترى هذا الجِدار المادّيّ الذي يُعَبّر عن مُحتوى جامد، خلفي؟ لن تستطيع العبور من خلاله. وإنْ حاوَلْتَ فسوف تؤذي نفْسَك. لكنّ الفيزياء الحديثة تقول أنّه ليس بشيء، ولا محتوى فيه. إنّه ببساطة مجرّد طاقة صافية تتحرّك بسرعةٍ فائقةٍ مَهولة لدرجة أنّ الحركة نفْسها تخْلِقُ وهْمَ ظهورِ شيءٍ مادّيّ.

الأمر نفْسه يحدث لهذا الكرسيّ وللأرض من تحتك. هذه ليست أرضيّة رُخاميّة. هذا مجرّد مَظهر. ولكنّ جُسيمات الطّاقة تتحرّك بسرعةٍ فائقةٍ لدرجة أنّ حركتَها وسرعتها تخلقُ وَهْمَ المادّة. المادّة/المحتوى لا وجود لهما. الوجود وحده للطّاقة الصّافية الخالية من المحتوى.

لذا أقول بأنّ بوذا عالِم. بوذا لا يتحدّث عن الله، وإنّما عن اللّا ذات/ اللّا نفْس التي لا مادّة ولا محتوى لديها. مثلما أخرجَ العِلْم الحديث المادّة من دراساته الميتافيزيقيّة، كذلك قام بوذا بإقصاء فكرة الذّات/الأنا/النّفْس وإخراجها من عِلْمِه الميتافيزيقي. النَّفْس والمادة، كلاهما يرتبطان ببعضهما. صعبٌ أن تصدّق بأنّ الجِدَار ليس بمادّة جامدة بنفْس الطّريقة التي يَصعُبُ عليكَ فيها تصديق أن لا وجود لذات/نفْس/أنا  بداخلك.

يتبع…

أوشو المستنير الحبيب عن أسرار وعلوم المستنير بوذا

احتفال من قلب وحال بشّار



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech