أنت الآن تقرأ في قسم: أديان, شاطئ الإستنارة

أوشو، ماذا بعد الاستنارة؟ -1- الأفكار أقدار

أوشو، ماذا بعد الاستنارة؟ -1- الأفكار أقدار

يَرِدُ في هذا المقال مُصْطَلَح “سامياما” وهو يعني التركيبة الأعظم للوعي البشري. لفَهم هذا المُصْطَلَح يُرجى قراءة هذا الجزء من سلسلة “أسرار الموت والكارما”: هنا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

يقولُ السّيّد المستنير “بتانجالي”:

“وإنّ عَزْفَ “سامياما” على وترِ الصّداقة الوَدُودة، أو أيّ ميزة أخرى، يكون جِسرًا لولادةِ قوّةٍ عظيمةٍ في قلبِ هذه الصِّفة”.

 

 

خطوة الفرد الأولى على درب اكتشاف حقيقة وسِرّ مَن يكون، هي أن يكون واعيًا يَقِظًا. هذه الخطوة تغدو جِسرًا يعبُرُ عليه كي يصِلَ للخطوة الثّانية التي تتلخّصُ بتوجيه “سامياما” لإحساس الصّداقة الوَدودة، الحبّ والرّحمة.

 

 

دَعوني أخبركُم حكاية:

حدث في قديم الزّمان أن قام Tamino، راهبٌ بوذيّ عظيم، برحلةٍ داخليّة خيميائيّة بذل فيها الجهد العظيم حتّى دخل حال استنارة، حال “سامياما”. أصبح على القمم الشاهقة لهذا الحال المَهيب، واعيًا للفناء، للّا-شيء، أصل كلّ موجود.

 

إنّكم عندما تبلغون حالَ الوَعي الداخليّ الحقيقيّ المهيب، عندها لن تَعوا وجود أشياء أو مشاهد أو أحداث، فهذه مراحل تخوضونها في بداية الطريق. لن تعوا في حال الوعي الحقيقيّ سوى اللّا-شيء. لن تعوا إلّا الوعي نفسه. حتّى هذه المَقولة مُضَلِّلة لأنّ الوعي عندها سيبدو وكأنّه شيء بالإمكان مشاهدته ومراقبته والنّظر إليه والشّهادة عليه. لن تكونوا واعين سوى للفناء العتيق المَهيب، لحضور اللّا-شيء الجليل.

 

هكذا بات Tamino واعيًا للفناء الخالي من كلِّ شيء، وباتت روحُه وكأنّها تساوي الفناء. وهذا حالٌ يتجاوزُ السَّلام الدّاخليّ نفْسه ويتخطّاه. لشعَرَ Tamino بالفخر والامتنان لو أنّه بقيَ واقفًا على قِمَم جبال هذا الحال إلى الأبد.

 

تذكّروا أنّ الفرد متى ما بلغ حال “سامياما” لسوف يوَدّ البقاء فيه للأبد وأن لا يرتحل عنه أبدًا، لكنّ هذا الحال ليس بنهاية الرّحلة. هذا الحال ليس سوى نصف الرّحلة. ما لم تتحوّل استنارة المرء محبّةً، وما لَم يحوّل جميع ما وجده بداخله على درب بحثه إلى عالَمٍ أعظم وأسمى، وما لَم يشارك هذه الاستنارة مع الآخرين، فهو يثبت أنّه بخيل. الاستنارة ليست الهدف، بل المحبّة هي الهدف.

 

حالُ Tamino إذًا كان حالًا يتجاوز السّلام الدّاخليّ ويتخطّاه. لكنّه وفي ذلك اليوم كان قد خرج إلى الغابة الصّغيرة المُحيطة بالدَّيْر لأجل أن يتأمّل. وبينما هو جالس في قلب حالٍ من التّأمّل، مَرَّ رحّالٌ بجانبه. رحّالٌ انقضّت عليه جماعة من اللّصوص فآذوه وسرقوه وتركوه وقد شارف على الموت. صرخَ ونادى على Tamino حتّى يساعده. لكنّ Tamino كان بين أحضان حالٍ تجاوزيّ فلم يَرَ ولم يَسْمع شيئًا.

 

 

كان Tamino جالسًا في مكانه، وكان الرّجل يموت في مكانه بينما ينادي ويستنجد ويستغيث. لم يتمكّن Tamino من سَماع استغاثته ولَم يرَه. قد كانت عيناه مفتوحتيْن إلّا أنّه ما كان موجودًا خلفهما ولم يكن ينظر من خلالهما. قد كان يغوص داخل أعمق دهاليز كيانه. وحده الجسد كان يتنفّس، ولكنّه ما كان في الجسد حتّى.

 

استلقى الرّجلُ على الأرض وهو ينزف، ولَمّا عاد Tamino إلى الأرض، إلى جسده، إلى حواسّه، ذُهِلَ واستولى عليه الذّهول لمدّةٍ طويلة فلم يفهم ما رأى ولم يعرف ما الذي يتوجّبُ عليه أن يفعلَه.

 

يحتاج المرء وقتًا حتّى يعود ليتأقلم مع جسده وحواسّه بعدما كان في قلب رحلةٍ داخليّة عميقة من هذا النوع.

اتّجه نحو الرّجل فضَمَّدَ جروحه قدر استطاعته. لكنّ دماء الرّجل كانت قد سالَت لوقتٍ طويل. نظرَ الرّجل إلى Tamino ومات. لم يَنْسَ Tamino هاتيْن العينيْن طوال حياته. طاردَتْه هاتان العينان وأقْلَقَتا منامه. تاه عن استنارته وفقدَ ما اختبره داخل مركز كيانه، مركز الكون نفسه. بات مَذهولاً.

 

 

وقد رأى Tamino في عيني الرّجل قبل أن يفارقَ الحياة، نظرةً كان قد رآها في ساحة المعركة قبل ذلك. هكذا فارَقَهُ سلامهُ الذي دخل واحاته بعد جُهدٍ جَهيد، ورحل. عادَ إلى الدّيْر ثمّ ذهبَ إلى جزيرةٍ واختارَ أعلى شرفة فجلسَ بالقرب من صوَر بوذا. كان المساء قد خيَّمَ على الأجواء… وضوء الشّمس التي شارفَت على المغيب قد لامسَ وجه بوذا في الصّورة حتّى بَدَا الوجه ورديًّا نَضِرًا وكأنّ الحياة قد دبَّت فيه وما عادَ حجَرًا.

 

نظرَ Tamino في عيْنَيْ بوذا داخل الصّورة وقال: “سيّدي بوذا، هل كتابك المقدّس حقيقيّ؟”

وردَّت الصّورة: “حقيقيّ ومزيّف”.

سأله Tamino: “ما الحقيقيّ فيه؟”

“الحبّ والرّحمة”.

“وما المزيّف فيه؟”

“الهرب من الحياة”.

“هل عليَّ أن أعودَ إلى الحياة؟”

ولكنّ الضّوء كان قد تلاشى وغاب عن الوجه فعاد حجريًّا كما كان.

 

حكايةٌ جميلة هي. أجل، على Tamino أن يعودَ إلى الحياة من جديد. على المرء أن يعود إلى المحبّة بعد بلوغه الاستنارة، لذا يقول “بتانجالي” في آيته بأنه مباشرةً وبعد الاستنارة التي يختبرُ الإنسان فيها موت الأنا وكلّ شيء معروف: “وإنّ عَزْفَ “سامياما” على وترِ الموَدّة، أو أيّ ميزة أخرى، يكون جِسرًا لولادةِ قوّةٍ عظيمةٍ في قلبِ هذه الصِّفة”.

 

 

سوف يتّفق علماء النّفس مع هذه الآية، إلى درجة معقولة. إنّ الإنسان وإن ظلَّ يفكّر بشيءٍ باستمرار، فسوف يبدأ هذا الشّيء بالتّجسُّد. لا بدّ وأنّكم سمعتم باسم Emile Coue، وإن لم تسمعوا بهذا الاسم فلا بدّ وأنّكم سمعتم شعاره: “كلّ يوم وبكلّ الطّرق، أصبحُ أفضل وأفضل”. لقد عالج آلاف المرضى الذين كانوا في ورطة عظيمة، وقد ساعدهم بشكلٍ مبهر. إنّه دواؤه الوحيد. كان يقول لهم: ” كرِّروا عبارة: كلّ يوم وبكلّ الطّرق، أنا أصبح أفضل وأفضل. كَرِّروها فقط واشعروا بها. حاوِطوا أنفسكم بهذه الفكرة، بأنّكم تصبحون أفضل وأكثر صحّة وسعادة”. قد ساعدَ آلاف النّاس وخلَّصهم من أمراضهم. قد خلَّصهم من أمراض ذهنيّة فتجاوزوا مشاكلهم وقلقهم وتوتّرهم.

 

 

ما الذي حدث؟ ما حدث هو أنّ الإنسان يخلقُ عالَمَه الذي يعيش فيه. كما ويخلقُ الجسد الذي يعيش فيه أيضًا. ويخلق العقل الذي يعيش فيه كذلك. يخلقُ الإنسان كلّ هذا بواسطة أفكاره. كلّ ما تفكّر به، سوف يصبح واقعك عاجلًا أم آجلًا. كلّ فكرة تتحوّل في نهاية المطاف إلى شيء.

 

هذا هو الحال مع العقل العاديّ الذي يستمرّ بتغيير مادّة تفكيره في كلّ لحظة فيقفز من فكرة إلى فكرة، فما بالكم ب”سامياما”؟ عندما يتمّ تجاوُز العقل لتظهر فكرة الموَدّة… عندها يتوحّد الإنسان معها فيغدو واحدًا وإيّاها. يغدو هي.

 

 

قال بوذا: “الصّديق سوف يكون اسمي عندما أزور العالَم في المرّة المقبلة”. وهذا رمز عظيم. سواء عاد أم لم يعُد، فهذه ليست المسألة. إنّه يبوح بأنّ المرء بعد أن يصبح بوذا، عليه أن يصبح الصّديق.

 

الرّحمةُ هي المَسكَن والمَلاذ بعد الاستنارة. الرّحمةُ هي المِعيار. الرّحمةُ دليل على ما إذا كانت استنارتك حقيقيّة أم لا.

 

 

اِحذروا الشُّحّ، لأنّ مَن كان بخيلًا في علاقاته بالأشياء الخارجيّة المادّيّة فسوف يكون بخيلًا عند بلوغ استنارته ويحاول التّمسّك بها وعدم إفلاتها. لذا يطلب “بتانجالي” القفز في قلب الصّداقة الودودة مباشرةً بعد موت الأنا. إنّه وقت المشاركة.

 

 

يتبع في الجزء القادم

أوشو المستنير الحبيب

احتفال من قلب وحال بشّار



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech