أنت الآن تقرأ في قسم: أديان, شاطئ الإستنارة

أوشو: فَكّ بَرمَجة المجتمع بجميع مؤسَّساتِه، ”عقَبَاتٌ على درب التّأمّل”-5- والأخير

أوشو: فَكّ بَرمَجة المجتمع بجميع مؤسَّساتِه، ”عقَبَاتٌ على درب التّأمّل”-5- والأخير

ج1

ج2

ج3

ج4

 

الشّكُّ نوعان: شَكٌّ يتحدّى الثّقة، وشَكٌّ يتحدّى الحَسْم، يتحدّى اتّخاذ القرار. “باتنجالي” يتحدّث عن النّوع الثّاني من الشّكّ: شكٌّ يتحدّى اتّخاذ القرار. هذا الشّكّ لا يتحدّى الثّقة ولا يقفُ في وجهها لأنّ الثّقة تُسكَبُ في كأسِ إنسانٍ آخر أنتَ تثِقُ به. هذا الشّكّ هو شكٌّ يقفُ في وجه الثّقة بالنّفْس، الثّقة بالذّات. أنتَ لا تثقُ بنفْسِكَ.

 

في هكذا سياق يُسيطرُ عليكَ شَكٌّ يقودُكَ إلى الحيرة وعدم التّأكّد من الأمور التي تفعلها في حياتك. هل تريدُ القيام بما تقوم به في حياتك حقًّا أم أنّك لا تريد؟ هل مِن مصلحتِكَ أن تسلُكَ دَرْبًا مُعيّنًا أم أنّه لن ينفعَك في شيء؟ هو التّردُّد وعدم اتّخاذ قرار. ستكون عاجزًا عن سلوك دَرب “باتنجالي” إذا كنتَ تمتلكُ عقلًا شَكَّاكًا مُترَدِّدًا. عليكَ أن تكونَ حاسِمًا. عليك اتّخاذ القرار. وهذا أمرٌ صعبٌ لأنّ جزءًا منك لن يتوقّف عن الرّفض والاعتراض. كيف ستأخذ القرار إذًا؟ فَكِّر بما أنتَ مُقدِم عليه مَلِيًّا وامنَحْ نفْسَك الوقت الكافي للتّفكير. فكِّر في جميع الاحتمالات والخيارات، ثمّ قَرِّرْ. ما إنْ تصِل إلى قرار، وَدِّع الشّكّ تمامًا.

 

لن يكونَ قرارُكَ كُليًّا بكلّ تأكيد، فهذا مستحيل وأنتَ لا تزال في بداية الطّريق. سيكونُ قرارًا يشملُ الجزء الأكبر من عقلك الذي يمنَحُكَ الرّضى والموافقة. ما إنْ تصل لقرار، لا تشُكّ أبدًا. لا شكّ في أنّ الشّكّ سوف يرفع رأسه ليعترضَ من جديد. أَجِبْهُ بأنّك قَرَّرْت، ورغم أنّ القرار لم يكُن كُلّيًّا فإنّك فعَلْتَ ما بوِسْعِك. قد فكّرْتَ مَلِيًّا ثمّ قَرَّرْت.

 

لا تمُدّ للشّكّ يدَ العون ما إنْ تَصِل لقرار، لأنّ تعاوُنك مع الشّكّ هو ما يمنحه الحياة فيك. استمرارك بمَنحِه الطّاقة، وتفكيرك به مرارًا وتكرارًا هو ما يمنحه طاقة. هكذا يُخْلَقُ التّردُّد. والتّردُّد حال في غاية السّوء. عجزُكَ عن اتّخاذ قرارات تتعلّق بما ستفعله في حياتك كفيلٌ بإيقافك عن فعل أيّ شيء وعن اتّخاذ أيّ خطوة.

 

 

كيف للصّوت Aum آآآوووم –  والتّأمُّل في هذا الصّوت – أن يُساعِداك؟ عندما يزور الصّمتُ رأسَكَ، والسّلامُ يُرَفْرِفُ في غياب زحام الأفكار والأصوات، يغدو اتّخاذ القرار أسهل. يغيبُ صوتُ الحشود من رأسك، وتهجرُكَ فوضى الأصوات المتحاربة المتناقضة: أصواتٌ مختلفة تُحادِثُ وتناقشُ وتجادلُ بعضها البعض وأنت لا تعلَم أين هو صوتك… أنت تجهل مَن يكون صوتك وسط ضجيج جميع هذه الأصوات. ترتيل آآآوووم والتّفكّر في الصّوت أي مراقبته والانتباه له، كفيلٌ بإخماد جميع تلك الأصوات. سوف تصبح قادرًا على رؤية أنّ جميع هذه الأصوات ليست لك. صوْتك ليس واحدًا منها. هذه أصوات والدتك ووالدك وإخوتك ومعلّميك، وغيرهم… صوتك غير موجود بينها. الآن سوف تسمع تلك الأصوات لكنّك لن تعيرَها أيّ اهتمام فهي ليست صوتك أنت.

 

 

صَمْتُكَ المتجَلّي جرّاء ترتيل الصّوت آآآوووم سوف يكون لك المَخدَع والمأوى الهادىء السّاكِن الجامِع لِما تَشَتَّتَ وانقَسَمَ فيك. سوف يكونُ لك الطّريق حتّى تسمع وأنت في حدائقِه صوتَكَ الحقيقيّ الآتي من أعماقك أنت. إنّه الصّوت الصّادق الوحيد. حالُ الإنسان التّائه بين أصوات أفكاره كمَن يقفُ في السّوق وأصوات الناس والبائعين تعلو وترتفع من كلِّ حدبٍ وصَوْب، بينما هو تائه لا يعرف ما الذي يحدث وليس بإمكانه أن يقرِّر مَن صاحب أيّ صوت ومَن يفعل ماذا. صُراخ وضَجيج وأنت بالكاد تسمع صوتك… حالٌ كما المجانين.

 

قد تُقَرِّر الهرب من الضّجيج فتَقْصِد أعلى قمّة لأعلى جبل. تدخلُ كَهفًا وتبدأ بالتّرتيل. يبدأ الصّوت الذي تقومُ بترتيله بِجَمْعِ شتات نفْسك وأفكارك إلى أن تهدأ، يختفي التّوتّر فتشعر بأنّك أصبحتَ كيانًا واحدًا مُوَحَّدًا. يغدو اتّخاذ القرار مُمكنًا في هكذا لحظة. عندها قرِّر ولا تعُد فتُراجع قرارك الذي اتّخذْتَهُ أبدًا. الآن لا يوجد طريق عودة بعد أن اتّخَذْتَ القرار. عندها انطَلِق وامشِ قُدُمًا.

 

 

أحيانًا يتبعُكَ الشّكّ مثل كلب لا يتوقّف عن النُّباح. سوف يتوقّف عن النُّباح إنْ لم تُعِرْهُ أيَّ اهتمام ولم تُصْغِ إليه. سوف يتوقّف عن النّباح بعد فترة من الزّمن. الشّكّ الذي يتحدّث عنه “باتنجالي” إذًا، يعني التّردُّد واللّامبالاة. المقصود هو أن لا تكون كالموتى السّائرين: لا تعش وأنت في حال تَنويم.

 

 

لكنّك وجميع النّاس تحيون في حالٍ من التّنويم دون أن تعرفوا أو تَعوا. أنتم مُغَيَّبون تمامًا. المجتمع برُمّته يحاولُ تنويمَكُم من أجل التّرويج لأشياء معيّنة، وهذا ما يخلقُ التّردّد والنّوم بداخلكم. أنتم مُغَيَّبون نائمون وإلّا لانتَفَضْتُم على ما يجري. أولئك الذين يتحَكّمون بالمجتمعات ويُمسكون بزِمام الأمور يقومون بتَمزيقِكُم وأخذِكُم في الاتّجاهات التي يبتغون لكم أن تسيروا فيها، وتنويمكم هو تقنيّتهم وحرْفَتهم.

 

على سبيل المثال، لا تتوقّف الإعلانات في الإعلام سواء التّلفاز أو الراديو أو الصّحف والمجلّات وغيرها، عن التّرويج لبضاعة معيّنة “صابون مثلًا”. تظنّون أنّكم لم تتأثّروا بالإعلان إلى حَدٍّ كبير، ولكنّكم تسمعون ذات العبارة كلّ يوم. إنّها ترتيل يوميّ. حتّى أنّكم تروْنها ليلًا نهارًا على المُلصَقات في الشّوارع.

وتظنّون أنفسكم خارج اللّعبة في الوقت الذي يتسرّب هذا الإعلان وعباراته التي تتحوّلُ ترتيلًا يوميًّا، يتسرّب وعباراته إلى أعماق اللّاوعي. جميع النّساء الحسناوات اللّواتي يقِفْنَ أمام المنتجات والبضائع في الإعلانات سواء الصّابون أو غيره ويسألْنَ عن سِرِّ جمالِهِنّ… فجأة وفي أحد الأيّام، تجدون أنفسكم تتّجهون نحو السّوبرماركت للتّسوّق وتسألون عن هذا الصّابون أو أيّ منتَج آخر. يسألكم البائع عن نوع الصّابون الذي تريدونه، فتُجيبون باسم الصّابون الموجود في الإعلان.

 

 

جميعكم مُنَوَّمون مغناطيسيًّا من قبل رجال الأعمال والزّعماء السّياسيّين ورجال الدّين والمعلّمين، لأنّ كلّ شخص من هؤلاء لديه مصالِح يجني منها ربحًا كبيرًا إذا كُنتم في حالِ تنويم. مصلحته في أن تكونوا نائمين. عندها تصبحون فريسة سهلة للاستغلال. ويستمرُّ السّياسيّون بالقول: “هذا وطنك الأمّ والدّفاع عنه حتّى الموت واجب. اِذهبوا إلى الحرب وكونوا من الشُّهداء”.

ما هذا الهُراء؟… الأرض بأكملها أمّ لك. وهل قَسَّمَت الأرض نفسها إلى أميركا وألمانيا والهند وإنجلترا وباكستان؟ أم أنّها كوكبٌ واحد؟ لكنّ السّياسيّين لا يتوقّفون عن تغذية اللّاوعي داخل عقولكم بأنّ هذا الجزء من الأرض فقط هو الذي تنتمي إليه وعليك إنقاذه حتّى ولو كان هذا على حساب حياتك، أنت إذًا بطل وشهيد. ولا يتوقّفون عن بَثّ عبارات من نوعيّة: الولاء للوطن، القوميّة والوطنيّة… شتّى أنواع الهُراء. لكنّ الشّعوب تغدو مُنَوَّمة مغناطيسيًّا بسبب التّكرار المستمرّ. عندها تصبحُ مستعدًّا للتّضحية بنفْسك.

 

أنت تُضحّي بحياتك بينما تحيا في حال تنويم مغناطيسيّ بسبب شعارات. بسب عَلَم… قطعة من القماش العاديّ تغدو مُهمّة بسبب التّنويم المغناطيسيّ. إنْ كان هناك وجود لكائنات فضائيّة تحيا على كوكبٍ آخر وألقَتْ نظرة على كوكبنا في يومٍ من الأيّام لسوف تظُنُّ البشر مجانين. حروب تشتعل بسبب إهانة “علَم” أو قطعة من القماش.

 

بعدها تأتي الأديان وتُعَلِّم وتَعِظ: أنت مُسلم، أنت مسيحيّ وأنت هندوسيّ… أنت كذا وأنت كذا… يُجبرونك على الشّعور بأنّك فعلًا كَذا لتجدَ نفْسَك ذاهبًا في حملةِ جِهادٍ ومقاومة. تجد نفْسك ذاهبًا لقَتْلِ مَن لا ينتمي لدينك أو مَن يُعارِض عقيدتك. يصبح الأمر واجبًا مقدّسًا عليك رغم أنّ وعيك قد يبوح لكَ بأنّ ما يتمّ تعليمك إيّاه هو مجرّد هُراء. لكنّ أدولف هتلر قال في سيرته الذّاتيّة Mein Kampf، أنّك وإنْ كَرَّرْتَ الكذبة باستمرار فسوف تتحوّل حقيقة. وهو يعرف هذا السّرّ. لا أحد يعرف كما يعرف هتلر لأنّه قام بترديد الكذبة لنفسه ثمّ صدَّقَها.

 

 

“باتنجالي” يتحدّث هنا عن حال التنويم المغناطيسيّ، عن استغلالك وعيْشك الحياة وأنت نائم. لا بدّ لهكذا لامبالاة أن تولد لأنّك لستَ نفْسك. أنت تترنّح كالسُّكارى في جميع أمور ومسارات حياتك.

 

كيف للصّوت آآآوووم أن يجعلَكَ حَذِرًا واعيًا؟ سوف يُخرِجُكَ من التّنويم المغناطيسيّ ويفُكُّ برمجَتك. في الحقيقة حتّى وإنْ قمْتَ بترتيل الصّوت آآآوووم دون أن تتأمّل فيه وتكون شاهِدًا عليه فسوف يتحوّل بنفْسه ليصبح تنويمًا مغناطيسيًّا: هذا هو الفرق بين التّرتيل العاديّ اللّاواعي لمانترا أو ذِكْر، وبين طريقة “بتانجالي”. رَتِّل لكن ابقَ يقِظًا واعيًا للصّوت.

فإنْ رَتَّلْتَ الصّوت آآآوووم يقِظًا واعيًا فسوف يتحوّل قوّة لفَكّ البرمجة والتّنويم. سوف يقوم بتدمير التّنويم المحيط بك من كلّ جانب والذي خلقه المجتمع ورجال السّياسة والمتحكّمون بالبشر. سيكون فَكّ لشيفرة البرمجة والتّشفير.

 

 

أوشو المستنير الحبيب في حَضرة عن آيات السيّد المستنير باتنجالي

احتفال من قلب وحال بشّار



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech