أنت الآن تقرأ في قسم: أديان, شاطئ الإستنارة

أوشو: عقَبَاتٌ على درب التّأمّل-1- ظاهرة التّزامُن

أوشو: عقَبَاتٌ على درب التّأمّل-1- ظاهرة التّزامُن

يقولُ السيّد المستنير “باتنجالي”:

المرض، الكَسَل، الشّكّ، اللّامبالاة، الخمول، الشّهوة، الوَهم، الضّعف وعدَم الاستقرار… حالاتٌ تُشَتِّتُ العَقلَ وتلهيه.

الكَرب والقنوط والرّجفة والتّنفُّس الخالي من الانتظام… أعراضُ عقلٍ مُشَتَّت.

تأمّلْ جوهرًا واحدًا حتّى تتجاوزها“.

يُؤمِنُ باتنجالي، بل ويعرفُ أيضًا أنّ الصّوتَ هو العُنصر الأساسيّ للوجود. مثلما يقولُ عُلماء الفيزياء أنّ الكهرباء هي العُنصر الأساسيّ، يقولُ اليوغيّون أنّ الصّوت هو العنصر الأساسيّ. ولا خلاف بين المقولتيْن.

يقولُ علماء الفيزياء أنّ الصّوت تحَوُّلٌ للكهرباء، ويقولُ اليوغيّون أنّ الكهرباء تحَوُّلٌ للصّوت. كلاهما على حقّ. الصّوت والكهرباء شكلان لذات الجوهر، وبالنّسبة لي فإنّ هذا الجوهر لا يزالُ غامضًا مجهولًا ولسوفَ يبقى غامضًا ومجهولًا إلى الأبد. كلّ ما ستتمُّ معرِفته لن يكون سوى تحوُّل لذلك الجوهر. بإمكانك أنْ تُطْلِقَ عليه اسم كهرباء أو صوت، أو نار كما كان يُطلِقُ هيراقليطس عليه. بإمكانك أن تُطلِقَ عليه اسم ماء كما أطلق عليه المستنير “لاوتسو”. كلّ هذا يعتمدُ على تجربتك. لكن جميع هذه الحالات ما هي إلّا تحَوُّلات. جميعها أشكال لما لا شكل له. ولسوفَ يبقى ذلك الذي لا شكل له، مجهولًا غامضًا.

كيفَ لكَ أنْ تعرِفَ ما لا شكلَ له؟ إنّ المعرفة لا تَحضُر إلّا في وجود الشّكل. تجَسُّدُ شيءٍ ما في عالم الأشكال المرئيّ، هو بابك لمعرفة هذا الشّيء. كيف لك بتحويل الخفيّ الذي لا يُرى إلى مادّة للمعرفة؟ جوهر طبيعة الخفيّ اللّامرئيّ هو أنّه عَصِيٌّ عن تحويله إلى أداةٍ للمعرفة. سوف تعجَزُ عن الإشارة إلى مكانه، وعن تحديد ماهيّته.

كلُّ مَعلوم هو تحوُّل لما هو غامض مجهول. ويبقى المجهول سرًّا خفيًّا دومًا. وتجربة الفرد هي السّياق الذي يصدُرُ عنه الاسم الذي يُطْلِقُه على هذا التحوُّل. الكهرباء بالنّسبة لليوغيّ لا تعني الكثير لأنّه يختبر بداخلِ مُختبر الكيان الدّاخليّ. وهناك، في قلب الكيان، يغدو للصّوت معنى، لأنّه ومن خلال الصّوت يصبحُ قادرًا على تغيير العديد من الظّواهر الدّاخليّة، كما ويصبحُ قادرًا على تغيير الكهرباء الدّاخليّة من خلال الصّوت أيضًا. يُسَمّيها اليوغيّون “برانا”، الطّاقة الحيويّة الدّاخليّة، أو الكهرباء الحيويّة. الصّوتُ قادر على تغييرها فورًا.

لأجل هذا السّبب تشعرُ بصمتٍ يُحيطُ بكَ أثناء استماعك لموسيقى كلاسيكيّة: لقد تغيّر جسد الطّاقة الدّاخليّ الذي بداخلك. اِستمِعْ إلى شخصٍ مَجنون تشعرْهُ يقتادُكَ إلى الجنون: والسّبب هو أنّ كهرباء جسد الشّخص المجنون تحيا حالَ فوضى، فتقومُ كلماتُه والأصوات الصّادرة عنه بنقْلِ هذه الكهرباء لك. اِجلسْ بالقربِ من شخصٍ مستنير… وفجأة، تعزفُ سمفونيّة السّلام والوئام أعذب ألحانها فيك. فجأة، تشعرُ طاقةً سامية مقدّسة تستيقظُ فيك.

لأجل هذا السّبب يقولُ بتانجالي بأنّ ترديد الصّوت آوووم AUM والتّأمّل فيه، من شأنه أن يحطِّم جميع العقبات. ما هي العقبات؟ يبدأُ بشرح العقبات وكيف بإمكان تكرار الصّوت آوووم Aum والتّأمّل والتفكُّر فيه، تحطيمها.

المرض، الكَسَل، الشّك، اللّامبالاة، الخمول، الشّهوة، الوَهم، الضّعف وعدَم الاستقرار… حالاتٌ تُشَتِّتُ العَقلَ وتلهيه“.

المرض… المرض في قاموس بتانجالي يعني غياب الرّاحة والاسترخاء. هو حال انعدام التّوازن والانسجام في طاقتك الحيويّة الدّاخليّة. وهذا أمرٌ يُشعِرُكَ بعدم الارتياح. استمرار غياب الاسترخاء وانعدام الارتياح، يعني قدرة هذا المرض على التّأثير بجسدك في وقتٍ لاحِق. بتانجالي في تناغم ووِفاق مع عِلم الوَخز بالإبر، وذلك الرّجل المَدعو بKirlian من الاتّحاد السّوفياتيّ، هو أيضًا على وِفاقٍ تامّ مع بتانجالي. لاعلاقة للوخزِ بالإبر بالاستنارة، فهو علم يهتمّ بكيفية نشوء المرض داخل الجسد، كيف يصيبُ المرض الجسد، وقد اكتشف عِلم الوخز بالإبر وجود 700 نقطة على الجسد تُلاقي الطّاقةُ الحيويّة الدّاخليّة من خلالها الجسدَ الماديّ، تلامسه وتلتقيه. 700 نقطة تَواصُل تتوزّع حول الجسد بكامله.

متى ما توقَّفَت الكهرباء عن التّدفُّق بشكلٍ دائريٍّ داخل هذه النّقاط السّبعمائة، تُخلَقُ فراغات، وتتوقّف بعض النّقاط عن العمل إذ توقَّفَت الكهرباء عن الحركة داخل هذه النّقاط القليلة، فتتكوّن انسدادات، ويُقطَعُ دفْقُ الكهرباء ويضيع الشّكل الدّائريّ. عندها يبدأ المرض. لذا يؤمِنُ علم الوخز بالإبر بأنّك، ودون الحاجة لأيّ دواء أو علاج، إذا سَمَحْتَ للطّاقة الحيّة بالتّدفّق والانسياب حتّى تخلِق دائرة (شكلًا دائريًّا)، فسوف يختفي المرض. ولخمسة آلاف سنة، وُجِدَ علم الوخز بالإبر. قد وُلِدَ هذا العِلم عندما كان بتانجالي حيًّا.

وكما أخبَرتُكم سابقًا، فقد بزَغَ فجرٌ انتشى الوعي البشريّ في سماواته وبلغ ذُروَته، بعد مُضِيّ 2500 سنة. وبعد كلّ 2500 سنة يبلغُ الوعي البشريّ الذّروة نفسها. قد بلغَ الوعي البشريّ ذروته في وقت بوذا… لاوتسو وشوانغ تسو في الصّين، كونفوشيوس وبوذا وماهافيرا وغيرهم في الهند، هيراقليطس في اليونان، زرادشت في إيران: قد بلغ الوعي البشريّ ذروته. جميع الأديان التي ترونها اليوم وُلِدَت من قلب تلك اللحظة… لحظة بلوغ الوعي البشريّ ذروته.

الذروة نفسها تمّ بلوغها قبل بوذا ب2500 سنة. بتانجالي وريشابه – مُنشىء الجاينيّة –  الفيدا، الأوبنشاد، الوخز بالإبر في الصّين، اليوغا والتّانترا في الهند. جميعها تجلّيات لبلوغ الوعي ذروته. ومنذ ذلك الوقت ما تجاوز أحدٌ الذّروة التي بلغها الوعي البشريّ آنذاك. ومنذ ذاك الماضي القريب، منذ 2500 سنة، واليوغا والتّانترا والوخز بالإبر تنساب وتتدفّق كالأنهار.

توجَدُ ظاهرة معيّنة يُسمّيها Jung بالتّزامن. عند ولادة مبدأ معيّن، فإنّ إدراك هذا المبدأ لا يكون قاصِرًا على شخصٍ واحدٍ فقط، بل يَعيه ويُدركه كثيرون على الأرض، وكأنّ الأرض برُمّتها تصبح جاهزة حاضرة لاستقبال هذا المبدأ. ذُكِرَ عن آينشتاين أنّه قال: “لو أنّني لم أكتشف نظرية النّسبيّة، لكان اكتشفها أحدٌ آخر في غضون عامٍ واحد”. لماذا؟ لأنّ الكثير من البشر حول الأرض كانوا يعملون في ذات الاتّجاه.

عندما اكتشف داروين نظرية التّطوّر القائلة بأنّ الإنسان تطوَّر من القرود، وبأنّ هناك صراع ثابت لأجل بقاء الأصلح، اكتشف رجلٌ آخر يُدعى Wallace Russell، المبدأ نفسه. كان في الفيليبّين، وكان صديقًا لداروين. لكنّهما لم يلتقيا بعضهما البعض لسنواتٍ عديدة. كان داروين يعملُ لعشرين سنة باستمرار، إلّا أنّه كان رجلًا كسولًا. قد جهّز كلّ شيء ولكنّه لم يجمع اكتشافاته في كتاب ليقدّمه للمجتمع العلميّ آنذاك.

طلبَ أصدقاؤه منه مرارًا وتكرارًا أن يقوم بإنشاء هذا الكتاب، وحَذّروه أنّ أحدًا غيره قد يسبقه لتأليف ما يُشبهه. بعدها، وفي أحد الأيام، وصلت رسالة من الفيليبّين. رسالةٌ تحتوي على النّظريّة كاملة متكاملة مُقَدَّمة بواسطة Russel. ورغم كوْنهما أصدقاء، إلّا أنّ كليْهما لم يكُن يعلم بأنّ الآخر يعمل على ذات النّظريّة. شعر بالخوف بعدها إذ قد لا يُعرَف بمُكتَشِف هذه النّظريّة التي علِم بها منذ 20 سنة. أسرع وكتب تقريرًا، ثمّ قدَّمَه للمجتمع العلميّ.

علِمَ الجميع بعدها بثلاثة أشهر أنّ Russel قد اكتشف النّظريّة أيضًا. وقد كان إنسانًا جميلًا فأعلنَ أنّ الاكتشاف يعود لداروين بسبب ال20 سنة التي قضاها في التّفكّر بهذه النّظريّة سواء أقدَّمها للمجتمع العلميّ أم لم يقدِّمها.

يتبع…

أوشو المستنير الحبيب في حَضرة عن آيات السيّد المستنير باتنجالي

احتفال من قلب وحال بشّار



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech