أنت الآن تقرأ في قسم: أديان, شاطئ الإستنارة

أوشو: السِّيادة على العناصر الخمسة -2- لن تعبُرَ إلى جسدك الثالث ما دُمْتَ تنتمي إلى القطيع

أوشو: السِّيادة على العناصر الخمسة -2- لن تعبُرَ إلى جسدك الثالث ما دُمْتَ تنتمي إلى القطيع

ج1

 

عليكَ أن تفهمَ معنى التنفُّس الطّبيعيّ. راقِبِ الأطفال كيف يتنفَّسون بطبيعيّة وعفويّة. تنفُّسُِهم هو سبب الطّاقة الحيّة التي تفيض منهم.

 

أُجْرِيَت في أمريكا تجربة بحيثُ طُلِبَ من رجل رياضيّ قويّ جدًّا، جسده كجسد الأبطال، ويتمتّع بطاقةٍ هائلة، أن يلحَقَ بطفلٍ صغيرٍ ويُقَلِّده. كان عليه أن يفعل أيًّا ما سيفعله الطّفل الصّغير. كان عليه أن يقلِّدَه لثماني ساعات. تعِبَ البطل واستسلم بعد مُضيّ أربع ساعات، فانبطحَ أرضًا، بينما استمتعَ الطّفلُ بالتجربة كثيرًا فشرَعَ يقوم بشتّى الأفعال، من القفزِ إلى الركض إلى الصُّراخ والصِّياح.

عاجزٌ أنت عن مُجاراة طفل، فمن أين له بهذه الطّاقة؟ طاقة الطّفل تأتيه من جسد الطّاقة خاصّته. يتنفَّسُ الطّفلُ بطبيعيّة، وبالطّبع فهو يتنفَّسُ برانا أكثر من البالغين، يتنفّس chi أكثر من البالغين، فيختزنها جميعها داخل بطنه. البطن هو المخزن حيث يتجمَّع كلّ شيء. طريقة الطّفل في التّنفّس هي الطّريقة الصّحيحة بحيث لا يتأثّر صدره ولا يتدخّل في عمليّة التّنفّس بتاتًا. أمّا بطنه فيبدأ بالارتفاع ثمّ بالانخفاض. يتنفّسُ الطّفل وكأنّه يتنفّس من بطنه. جميعُ الأطفال يمتلكون بطنًا ظاهرًا نوعًا ما، وهو ظاهر بسبب تنفُّسهم، ولأنّه مخزن للطّاقة.

هذه هي الطّريقة الصّحيحة للتّنفُّس. تذكّر بأنْ لا تستخدم صدرك بشكلٍ زائد عن الحدّ. باستطاعك استخدامه أحيانًا، في حالات الطّوارىء، كأن تركضُ لأجل أن تنجوَ بحياتك، عندها بإمكانك استخدام صدرك. إنّه وسيلة للطّوارىء. في هكذا حالات تستطيع استخدام التّنفُّس السّطحيّ السّريع وتركض. لكن في الحالات العاديّة لا يتوجّب استخدام الصّدر. تذكّر أمرًا واحدًا: التّنفُّس عبر الصّدر هو أمر مُخَصَّص لحالات الطّوارىء إذ من الصّعب في الحالات الطّارئة أن يتنفّس الإنسان طبيعيًّا، لأنّك وإن تنفَّسْتَ طبيعيًّا فسوف تبقى هادئًا ساكنًا فلا تتمكّن من الرّكض أو الفرار أو القتال.

لذا وهَبَتْكَ الطّبيعة وسيلة طوارىء: الصّدر.

إنّ مَن يتنفَّس في حياته العاديّة من الصّدر باستمرار، فسوف يجمع شتّى أنواع التوتّر والقلق داخل عقله، لأنّ التّنفّس عبر الصّدر يعني تنفُّسًا سطحيًّا يحوي زخمًا طاقيًّا. سطحيٌّ نعم ولكنّه يجسّدُ حالًا من التّوتّر والاضطراب إذ وهَبته الطّبيعة أداةً لحالاتٍ طارئة يتعرّض لها الإنسان. كما ويمنحُ التنفُّس المستمرّ من الصّدر صاحبَهُ، خوفًا. إذ صُمِّمَ التّنفُّس عبر الصّدر لأجل حالات الخوف فقط. فإنْ أصبح تنفُّسك عبر صدرك عادتك اليوميّة، عندها ستشعرُ بالخوف والتّوتّر والقلق دومًا. سوف تتوهّمُ وجود العدوّ وتتخيّله دومًا. هكذا يُخلَق جنون الشّكّ والارتياب.

هناك بضعة أناس في الغرب درسوا هكذا ظاهرة، مثل Alexander Lowen وغيره من الأناس المختصّة التي تعملُ في حقل الطّاقة الحيويّة، برانا/prana. لقد شعروا بأنّ صدور النّاس التي تُصابُ بالخوف، تغدو في حال توتّر وتبدأ باستنشاق أنفاس سطحيّة جدًّا جدًّا. فإن تمكّنوا من جَعل تنفُّسهم أعمق حتّى يدخل عميقًا ويُلامس البطن، أو مركز محيط الطّاقة (السّرّة – الهارا – hara)، عندها سيختفي الخوف. عليهم باقتياد الجهاز العضليّ إلى الاسترخاء كما في تقنيّة Rolfing نسبةً إلى Ida Rolf التي ابتكَرَت واحدة من أجمل التّقنيّات لأجل تغيير بُنية الجسد الدّاخليّة. إنّ التّنفُّس الخاطىء الذي يستمرّ لسنواتٍ عديدة قد يؤدّي إلى تكوين جهازٍ عضليّ يكون عائقًا في وجه تنفُّسك تنفُّسًا صحيحًا عميقًا. على الجهاز العضليّ أن يتغيّر، وما إن يتغيّر حتّى يختفي الخوف والتّوتّر. تقنيّة Rolfing هي تقنيّة مساعِدة جدًّا جدًّا، والعمل ينصبُّ على Pranayama kosha، الجسد الثّاني، الbioplasma، جسد الطّاقة الحيويّة، جسد الchi، أو أيّ اسم تريد أن تطلقه عليه.

راقِبْ طفلًا وتعلَّم فنّ التّنفُّس الطّبيعيّ منه. دَع بطنك يرتفع عندما تقوم بالشّهيق، ودَعه ينخفض عندما تقوم بالزّفير. دَعه يرتفع وينخفض في إيقاعٍ متناسق بحيث يغدو أغنيةً تغنّي طاقتك، ورقصةً ترقص عليها طاقتك. دَعه يكون إيقاعًا متناغمًا مُنسجمًا، وسوف تشعرُ باسترخاءٍ شديد، بأنّك حيّ تدُبّ فيك الحياة، بأنّ الحيويّة تملؤك لدرجة لن تتخيّل معها كَمّ الحيويّة التي سوف تولد فيك.

بعدها نصلُ إلى الجسد الثّالث، manumaya kosha، الجسد الذّهنيّ. الجسد الثّالث أكبر وأشَفّ وأعلى من الجسد الثّاني. تمتلكُ الحيوانات الجسد الثّاني، لكنّها لا تمتلك ثالث جسد. الحيوانات مُفعَمة بالحيويّة. اُنظُر إلى الأسد وهو يمشي. يا له من جمال ومن جلال. يا لها من عظَمة. لطالما شعرَ الإنسان بالغيرة من الأسد. اُنظُر إلى غزالٍ يجري بخفةٍ ورشاقة وكأن لا وزن له. يا لهذه الطّاقة العظيمة. ولكنّ طاقة الإنسان قد اتّخذَت مسارًا عموديًّا تصاعديًّا لأجل أن تصعد به إلى أعلى.

الجسد الثّالث هو الجسد الذّهنيّ. هذا الجسد أكبر وأكثر سِعة ومساحة من الجسد الثّاني. وإن لم تدخل عالَم هذا الجسد وترتقي لبُعدِهِ فتُنَمّيه وتعيه وتسمو به، فإنّك سوف تبقى بذرةً زُرِعَت على أمل أن تُثمِر وتَطرحَ إنسانًا. ما لم تَعِشْ هذا الجسد فإنّك لن تكون حقًّا إنسانًا. كلمة إنسان “man” مُستَمَدّة من اسم هذا الجسد manuyama. كذلك فإنّ الكلمة الإنجليزيّة man مُستَمَدّة من الكلمة، الجذر السّنسكريتيّ man. وكما أنّ الكلمة الهنديّة لإنسان هي manushya وهي أيضًا مُستَمدّة من ذات جذور كلمة man، العقل، mind. إنّه العقل ما يجعلك إنسانًا. لكنّك لا تمتلكُ عقلًا. إنّ ما تمتلكه وتُسمّيه بالعقل ما هو إلا آليّة مُبَرمَجة مُشَفَّرة. أنت تحيا على الاتِّباع والتّقليد لذا لا تمتلكُ عقلًا. عندما تبدأ عيْش الحياة من داخلك أنت، كما تراها أنت، بعفويّة وتلقائيّة، وعندما تبدأ بالإجابة على مشكلات الحياة بإجاباتٍ نابعة من داخلك أنت، إجابات تخُصُّك أنت، عندما تكون مسؤولًا حقًّا، عندها يبدأ جسدك الثّالث بالنموّ. عندها ينمو الجسد/عقل.

فإن كنتَ مُسلمًا أو مسيحيًّا أو هندوسيًّا فأنت تملكُ عقلًا مُستَعارًا هو ليس بعقلِك. لعلّ يسوع المسيح بلغَ ذُروةَ انفجارٍ نورانيّ عظيم حدَث لجسده الذّهنيّ الثّالث، إلّا أنّ النّاس بدأت بتقليده. تقليد أحد أو اتّباع أحد لن يتحوّلَ نمُوًّا روحيًّا بداخلك. التّكرار والتّقليد والاتِّباع، جميعها عائق. لا تُكرّر ولا تُقَلِّد، بل اسعَ لأن تفهم. اسعَ لتصبحَ حيًّا أكثر، صادقًا أكثر ومتجاوبًا مع سياقات الحياة لحظةٍ بلحظة، أكثر. حتّى وإن تراءت احتمالية أن تُضلّ الطريق، فلتُضِلّ الطريق لأن ما مِن وسيلة للنّموّ إن كنتَ تخشى ارتكاب الأخطاء وتهابها. جيّدة هي الأخطاء ويجب أن تُرتَكَب، لكن لا ترتكِب ذات الخطأ مرّتين.

ينمو العقل عندما تواجه وتُلاقي سياقات الحياة وجهًا لوجه من تلقاء نفْسك. طاقتك هي مَن يحُلّ مشاكل الحياة. لا تستمرّ بطلب النّصيحة للأبد. اِمتلك زمام أمور حياتك بين يديك. أنت تظنّ أنّه من الآمِن لك أن تتبع الآخرين، وأنّه من المريح لك أن تتبع المجتمع والرّوتين والعادات والتّقاليد والنّصوص الدّينيّة. سهلٌ جدًّا فعل هذا لأنّ الجميع يتبعون… الجميع أتباع وما عليك إلّا أن تكون جزءًا ميتًا من هذا القطيع. ما عليك إلّا أن تتبع القطيع أينما ذهب فلا تحمل أيّ مسؤوليّة. لكنّ جسدك الذّهنيّ الثّالث سوف يعاني نتيجة هذا الخنوع معاناةً مَهولة. سوف يتوقّف نموّه بشكلٍ مخيف. لن تمتلكَ عقلكَ أنت، عقلك الخاصّ بك، وسوف تفتقدُ شيئًا غاية في الجمال. سوف تفتقدُ جسرًا يصلُك بأبعاد نموّك الأعلى والأسمى.

لذا تذكّر بأنّ أيًّا مما أقوله لك، فأنت قادر على تلقّيه بطريقتيْن: بإمكانك أخذه على أنّه مُسَلَّمات لأنّي أنا مَن يقوله، فتُلقي بمسؤوليّة الكلام على عاتقي قائلًا “قال أوشو / يقول أوشو / هكذا قال أوشو… لا بدّ وأن يكون كلامه صحيح”… عندها سوف تُعاني ولن تنمو. كلّ ما أقوله… اِستمع له، وحاول أن تفهمه، حاول أن تنفّذه في حياتك وتطبّقه حتّى تختبره وترى إن كان نافعًا حقًّا. وبعد أن تختبر توَصَّل لاستنتاجاتك الخاصّة بك. قد تكون ذات استنتاجاتي، وقد تختلفُ عنها. لن تكون الاستنتاجات ذاتها من جميع النّواحي والأبعاد لأنّ لك شخصيّة مختلفة وكيان فريد. ما أقول يخُصُّني وهو تجربتي. هو مُتَجَذِّر عميقًا بداخلي. قد تتوصل أنت لاستنتاجات مشابهة لكنّها لن تكون متطابقة تمامًا معي. لذا فاستنتاجاتي لا يجب أن تكون استنتاجاتك. عليك أن تحاول فَهمي، أن تحاول التّعلُّم، لكن لا يجب أن تجمع المعرفة والاستنتاجات مني.

 

هكذا لا يمتلك المؤمن جسدًا نفسيًّا ذهنيًّا حقيقيًّا. جسده الذّهنيّ مزيّف لأنّه لم يولد من كيانه الخاصّ به، ولكنّه فُرِضَ عليه من الخارج.

أعلى من الجسد الذّهنيّ، أكبر من الجسد الذّهنيّ، هو الجسد الرّابع… vigyanamaya kosha. إنّه جسد الحدس. هذا الجسد شاسع واسع جدًّا جدًّا. لا منطق ولا عقلانيّة في هذا الجسد. هذا الجسد يتجاوز المنطق والعقلانيّة والسّببيّة. جسدٌ غاية في الشّفافية. شفّافٌ رقيق جدًّا جدًّا. هو الفَهم بالحَدس الخاطف. هو الرّؤية المباشرة الثّاقبة لجوهر وطبيعة الأشياء. هو ليس محاولة للتفكير بالظّواهر والأحداث والأشياء. أنت لا تفكّر في أيّ شيء. أنت لا تعرف عن الأشياء. لا يوجد “عن” في الحدس. في الحدس تصبحُ أنت حاضرًا متلقِّيًا لتكشف لك الحقيقة طبيعتها وجوهرها. هذا الجسدُ لا يعرفُ شيئًا عن الإسقاط. أنت لا تبحث عن أيّ نقاش ولا أيّ استنتاج… أنت لا تبحث عن أيّ شيء مهما كان. أنت لا تبحث حتّى. أنت في الانتظار إلى أن تكشف لك الحقيقة نفسها… إنّه تجَلٍّ. هذا وحي وتجلّ. يأخذُكَ جسدُ الحدسِ إلى آفاقٍ جدًّا بعيدة… آفاقٌ تتجاوز كلّ شيءٍ وتتعدّاه. ويبقى هناك جسد في الانتظار.

هذا هو الجسد الخامس ANANDAMAYA KOSHA، جسد النّعمة. هذا جسدُ الأبعد من الأبعاد. جسدٌ يتجاوز الآفاق والأبعاد والبقاء والفناء. جسدٌ مُكَوَّنٌ من صفاء النّعمة ونعمة الصّفاء. جسدٌ يتجاوز الحدس حتّى.

تذكّر أنّ هذه البذور الخمس ليست سوى بذور. حقيقتك موجودة في سِرٍّ يتجاوز هذه الأجساد الخمسة. إنّها خمس بذور تُحاوِطك ليس أكثر. البذرة الأولى: الجسد الأوّل، شديد المادّيّة والظّهور، وأنت به محدود. الجسد الثّاني أكبر منه، والثّالث أكبر فأكبر، والرّابع يتجاوزهما في الكِبَر، أمّا الخامس فهو الأكبر… ومع هذا، تبقى جميعها بذور. تبقى هذه الأجساد محدودة. فإن تجاوَزْتَ جميع هذه البذور وحلَّقْتَ بعيدًا عنها ووقفْتَ عاريًا كما أنت، عندها أنت الأبديّة، أنت اللّا-محدود. هذا ما تقوله اليوغا: أنت الله. أنت هذه الألوهيّة. الآن أنت الحقيقة المُطْلَقة نفسها بلا حواجز ولا عوائق ولا حدود.

حاول أن تفهم ما أقول.

العوائق موجودة تُحيط بك في دوائرٍ تطوف. العائق الأوّل هو عائق صعب، بل غاية في الصّعوبة. خروجك من قيْد العائق الأوّل جدًّا صعب. وتبقى النّاس محدودة بأجسادها المادّيّة وتظنُّ بأنّ حياتها المادّيّة وأحداثها اليوميّة هي غاية الوجود وهي الغاية من الحياة وما يمنحها أهمّيّة. كلّا… لا تصدّق هذا ولا تتّخذ لنفْسك في هذه الأوهام سكَنًا. ما الجسد المادّيّ سوى عتَبة حتّى تخطو لتدخل جسد الطّاقة. وما جسد الطّاقة سوى بوّابة تعبُر منها لتدخل جسد العقل/الذّهنيّ الذي هو بدوْرِهِ ممَرّ للوصول إلى جسد الحدس. وما جسد الحدس سوى بوّابة عبور لأجل بلوغ جسد النّعمة. ومن جسد النّعمة سوف تقفز في فناء كيانك الذي لا بداية ولا نهاية له. لا خطوات بعد الآن. سوف تقفز في قلب الأبديّة التي لم تبدأ ولن تنتهي.

نتابع الحضرة في الجزء المقبل.

أوشو المستنير الحبيب، في حَضرة عن أسرار المستنير “بتانجالي” وكيفية السيادة على العناصر الخمسة.

احتفال من قلب وحال بشار عبدالله



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech