أنت الآن تقرأ في قسم: أبعَد من الأبعاد, أكوان

أسرار البرانا والأورغون: بين ويليام رايخ واليوغا -في حَضرة أوشو-

أسرار البرانا والأورغون: بين ويليام رايخ واليوغا -في حَضرة أوشو-

Prana

قبل مائة عام أعلنَ فريدريك نيتشه، واحدٌ من أعظم المفكرين في العالم، بأنّ الله قد مات. أعلنَ أمراً كان يغدو يوماً بعد يوم أكثر وضوحاً للجميع. قد أفصحَ عن إحساس جميع مفكِّري العالَم، وبالأخصّ أولئك الذين يتّخذون العِلْمَ إثباتاً لهم وحُجّة. كان العلمُ ينتصرُ على الدين في كلّ جولة، وينتصرُ على الخرافة والأساطير، ماضٍ في طريق اكتشاف واحتلال ومعرفة أسرار كلّ شيء لدرجة أصبح معها العلم أكيداً بأنّ المستقبل سوف يكشف عن عدم وجود أيّ ظاهرة تُدعى الله، وبالتالي لا يُمكن للدّين أن يوجد. شعر العالَم وقتها بأنّ الله أصبح جزءاً من التاريخ وأنّ المتاحف والمكتبات والكتب سوف تغدو مكاناً لله لكن ليس الوعي البشري. شعر الجميع بأنّ المادة أخيراًقد انتصرَت وتفوّقَت، بأنها الحرب الأخيرة مع الله.

 

 

وقد قصدَ نيتشه عندما صرَّح بأنّ الله قد مات بأنّ الحياة ما عادَت الآن قدَراً مرسوماً بأيِّ شكلٍ من الأشكال. بأنّ الحياة أصبحت صدفة عشوائية اعتباطية، فالله هو التناغم والتوازن والإنسجام الحاصِل بين ظواهر الحياة أجمَع. الله هو وِحدة وتماسُك الحياة الفطرية الأصلية. الله هو تلك الطّاقة التي وَحَّدَت كلّ ظاهرة بغيرها ولصَقَت كلّ شيءٍ بنظيره وأمْسَكَت وتُمْسِكُ بكلِّ شيء. الله هو القانون الذي أظهَرَ من الفوضى كَوْناً مُنَظَّماً مُتناغماً. ما إنْ يختفي الله حتى يعود العالَم إلى قلبِ الفوضى فيُصبح مجرّد صدفة عشوائية. باختفاء الله يختفي كلّ نوع من أنواع النظام. باختفاء الله تختفي أيّ قابليّة أو قدرة على فَهم الحياة. وباختفاء الله يختفي الإنسان أيضاً.

Nietzsche1882

 

لقد أعلن نيتشه أنّ الله قد مات لذا فالإنسان اليوم باتَ حُرّاً. لكن في الحقيقة، ما إن يموت الله سوف يموت الإنسان ويختفي من الوجود ويُصبحُ عَدَماً. لأنّ الإنسان عندها لن يكون سوى مادّة ولا شيء أكثر من المادّة… لا غموض ولا أسرار ولا خفاء ولا عُمق ولا أبعاد ولا أبديّة ولا معنى ولا أهمية… مجرّد صدفة… ظهر صدفةً ولسوف يختفي صدفة.

 

 

لكنّ نيتشه كان على خطأ. والمراقِب اليقِظ لأحوال العِلْم في القرن التاسع عشر يكتشفُ بأنّ هذا العصر كان يُمثِّلُ ما يُشبه عهد الصِّبا والشباب بالنسبة للعِلْم. قد كان العِلْم وقتها في فترة صباه. وكما كلّ شابٍّ فتيّ وفتاة، كما جميع مَن يمرّون بهذه المرحلة، هي مرحلة تكتسي بالثقة والتفاؤل الشديد، بل والتفاؤل الذي يبلغُ درجة الحماقة. كذلك كان حال العِلْم وكانت مرحلته. هناك قول في التيبت مفاده أنّ الشباب يظنّون كِبار السّن حَمقى، إلّا أنّ كلّ كبير في السنّ يعرفُ أنّ جميع الشّباب حَمقى. الشّباب يعتقدون فقط أمّا كُبار السنّ فيعرفون. كان العلْمُ في مرحلة الصِّبا والشّباب بالنسبة للوعي البشري، كما وكان في غاية الثّقة بنفْسِه. قد بلغَت ثقتُه مدىً شاسعاً أعلَنَت فيه أنّ الله قد مات وأنّ الدين لا معنى له بعد الآن، وأنه خارج السّياق. بأنّ الدين كان جزءاً من طفولة البشرية. وقد كتبَ فرويد كتاباً بعنوان مستقبل الوهم، يتحدّث فيه عن الدين، بأنّه مجرّد وَهم وأنْ لا وجود لأيّ مستقبل.

 

 

ولكن الله تجاوزَ هذه الإشاعة واستمرّ حيّاً إذ حدثَت معجزة خلال السّنوات المائة هذه. لن يكون نيتشه قادراً على تصديق ما حدث إن عاد اليوم إلى الحياة. ما حدث أنّ العقل العِلمي وكُلّما قامَ بالغوص والتبحُّر في قلبِ المادّة، كلّما عرفَ بأنّ المادة لا وجود لها. قد استمرّ الله حيّاً وماتت المادّة. لقد قارَبَت المادّة وشارَفَت على الإختفاء من قاموس العِلم الحديث. هي موجودة ضمن مفردات اللغة العادية، ولكنها العادة القديمة ليس أكثر، إذ لا مكان لمعنى كلمة مادّة الحقيقي اليوم. وكلّما غاصَ العِلمُ عميقاً أكثر وأكثر، كلّما اكتشف العُلماء أنّ ما هو موجود إنما هو طاقة ولا وجود لشيءٍ اسمه مادّة. قد كان مفهوم المادّة مجرّد سوء فَهم. هي الطاقة تتحرّكُ بسرعةٍ شديدة، بسرعةٍ هائلة تمنحُكَ معها وَهمَ وجود شيءٍ جامِد. الجماد وكلّ مادّة صَلبة ليست سوى وَهم.

 

 

أمّا الله فليسَ بوَهم. صلابة هذا العالَم وماديّته وَهم. صلابة هذه الجدران وماديّتها ليس سوى وهم. هذه الجدران تظهر كمادّة صلبة لأنّ جسيمات الطاقة والإلكترونات تتحرّك بسرعةٍ مَهولة تعجزُ أنت معها عن رؤية هذه الحركة.

osho1053

 

لكنّ ما اكتشفه العِلْم ليس باكتشافٍ حقّاً، إنّما هو إعادة اكتشاف. لطالما تحدّثت اليوغا عن هذا السرّ لحوالي خمسة آلاف عام على الأقلّ. تُطلِقُ اليوغا إسم برانا – Prana” على هذه الطاقة. ولكلمة براناأهمية شديدة ومعنى زاخِم بل ومعانٍ كثيرة عميقة. هذه الكلمة لها جذورها في كلمتين سنسكريتيّتين. الأولى هي برا – pra” وتعني وحدة الطاقة الأساسية. الوحدة الأكثر جوهرية للطاقة. وتعني نا – na” الطاقة.

 

 

برانا – Prana تعني: الطاقة هي الوحدة الأساسية الجوهرية. المادة ليست سوى الظّاهر على السّطح. البرانا هي الجوهر والسرّ الحيّ الحقيقي الموجود وهي ليست بشيءٍ على الإطلاق. هي أقرب إلى اللاشيء، أو بإمكانك أن تقول أنها ليست أيّ شيء على الإطلاق. إنّ كلمة اللاشيء لا تعني العدَم أو عدَم وجود أيّ موجود. هي ببساطة تعني عدم وجود أيّ شيء، أي أنّ الأشياء غير موجودة، لا وجود للأشياء هنا. الشيء غير موجود هنا. هي ليست بشيء. ليست جامدة ولا صلبة ولا ثابتة ولا مرئية ولا ملموسة. إنها موجودة لكن ليس باستطاعتك أن تلمسها. هي موجودة لكن ليس بمقدورك رؤيتها. هي موجودة، تحت وأبعد من كلّ ظاهرة. ولكنها الوحدة الأكثر أساسية وجوهرية، ولست بقادر على تجاوزها والمضيّ أبعد منها.

 

 

البرانا هي الوحدة الأساسية للحياة أجمع. الصخور والأشجار والطيور والإنسان والله، كلّ شيء هو تجسُّد للبرانا، على مستوياتٍ مختلفة، على طبقاتِ فَهمٍ مختلفة، وعند مقامات توحيد مختلفة. البرانا نفسها تتحرّك لتتجسّد بملايين الأشكال والقوى والظّواهر… لكنّ الوحدة الأساسية ليست سوى واحدة.

 

 

وإنك لن تتمكّن أبداً من معرفة ماهية الله، مَن هو الله، ما لم تكتشف وتختبر وتعي البرانا الموجودة داخلك. فإن لم تتمكّن من معرفتها داخل عالمك الداخليّ الكبير فإنك لن تعرفها خارجك أبداً، لأنها الأقرب إليك من داخلك. هكذا تعرّف السيّد المستنير بتانجاليعلى هذا السرّ بداخله قبل ألبرت آينشتاين بخمسة آلاف عام. والعِلم احتاج خمسة آلاف عام (وهو وقت طويل) حتّى يتمكّن من التعرّف على هذا السرّ وفَهمه، والسبب أنّ العلماء كانوا يحاولون معرفة هذا السرّ من الخارج. أما السيد المستنير بتانجاليفقد غاصَ عميقاً جداً داخل طبقات ومستويات عالمه الداخلي وكيانه العميق السحيق، فكانت تجربةً داخلية فردية. أما العِلم فحاول معرفتها من الخارج وكأنها مادّة أو شيء قابل للدراسة لذا احتاج وقتاً طويلاً جداً حتى يصل إلى ما وصل إليه اليوم.

 

 

والإنسان عادةً لا يعرف مَن هو ولا أين هو. ما الذي تفعلوه هنا؟ تأتي الناس إليّ لتسألني عن دورها هنا وعن سبب وجودها هنا على الأرض. أتفهّمُ اضطرابهم وحيرتهم، لكنكم أينما كنتم ومهما فعلتم فالمشكلة ستبقى هي نفسها، إلى أن تفهموا وتعوا وتكتشفوا المصدر الذي أتيتم منه، والوحدة الأساسية الجوهرية لكيانكم… إلى أن تكتشفوا وتعوا البرانا خاصّتكم، مصدر طاقتكم فإنكم لن ترتاحوا أبداً.

الجميع يتساءل ويسأل: لماذا أنا هنا؟ من أين أتيت؟ كيف جئت إلى هنا؟ مَن وضعني في هذا الجسد؟

 

 

يُقال أنّ الفلسفة وُلِدَت من قلب هذه التساؤلات، لكن لا ترتاحوا للإستمرار بهذه التساؤلات إذ ستشردون معها ولن تبلغوا أيّ إجابة وجودية بل ستتقاذفكم الإجابات الذهنية من مكانٍ إلى مكان. لن تبلغوا أيّ حقيقة أبداً. بدلاً من التساؤل إذاً، إبدأوا بفعل شيء. أنتم هنا، وأنتم تعون أنكم هنا. هذان المرَكَّبان كافيان لأجل دخول تجربة يوغيّة. أنتم هنا: الكيان موجود. أنتم تعون وجودكم هنا: الوعي موجود. هذان مركّبان كافيان لجعل كيانكم مختَبَر من أجل تجربة يوغية.

 

 

لا تحتاج اليوغا أدوات معقدة. إنها في غاية البساطة. مركّبان فقط: أنت ووعيك لأنك موجود. هذا يكفي.

هكذا قام اليوغيون بأعظم التجارب والإختبارات في الحياة: تجربة واختبار الحقيقة البشرية.

 

 

إكتشاف البرانا إذاً هو الأساس الذي سوف شُيِّدُ عليه معبد اليوغا. أنت تتنفّس. تُسِرُّ اليوغا بأنك لا تتنفّس الهواء فقط، بل أنت تتنفّس البرانا أيضاً. الهواء في الحقيقة ليس إلا أداة لإيصال البرانا لك. الهواء مجرّد وسيط. ليس النّفَس مَا يُحييك بل البرانا. النّفَس كالحصان، لكنك لم تنظر إلى الخيّال بعد. البرانا هي الخيّال.

 

 

كثير من التحليلات النفسية بدأت تعي هذا السرّ الغامض: الخيّال الذي يمتطي النّفَس ويمرُّ من خلاله في ذهابٍ وإياب، في دخولٍ وخروج. إلا أنّ هذا الأمر لم يصبح حقيقة علمية في الغرب بَعد. يجب أن يصبح هذا الأمر حقيقة علمية لأنّ العلم اليوم يقول بأنّ المادة لا وجود لها وأنّ كلّ شيء إنما هو طاقة. الحجر والصخر، جميعها طاقة. وأنت عبارة عن طاقة. لذا لا بدّ من أنّ الكثير من ألعاب الطاقة تحدثُ الآن بداخلك. الطاقة تقوم بِمَدٍّ وجَزْرٍ بداخلك.

 

 

وفرويد تعثَّر بهذه الحقيقة. أقول تعثَّرَ بها لأنّ عينيْه لم تكونا مفتوحتيْن، فلم يكن واعياً لهذا السرّ. فرويد لم يكُن يوغياً. كان أسيراً وضحية للموقف العلمي الذي يحوِّل كلّ شيء إلى مادة أو ظاهرة خارجية بالإمكان دراستها. قد أسمى هذه الظاهرة ليبيدو – Libido – الشهوة الجنسية“. فإن سألتم اليوغيين فسوف يخبروكم بأنّ الليبيدوهي البرانا لكن في حال مرض. إنّ البرانا عندما لا تكون في حالٍ من الحيوية الحيّة، عندما تُعَرقَل طاقتها وتُقام السّدود في وجهها تصبح ما عرفه فرويد. وهذا أمر مفهوم لأن فرويد كان يعمل مع أناس مرضى يعانون من العُصاب، مع مجانين ومعقدين ذهنياً. وقد عرف بسبب عمله مع أناس مرضى ذهنياً، أو يعانون من خلل ذهني معين، بأنّ أجسادهم تحملُ طاقةً مسدودة مُعَرقَلة لا تتدفق ولا تنساب بشكلٍ طبيعي، وأنّ هذه الطاقة ما لم يتمّ تحريرها فإنهم لن يستعيدوا صحّتهم مجدداً. يقول اليوغيون بأنّ ليبيدوهي البراناوقد اتّخذت اتجاهاً خاطئاً. إنها برانامريضة. ومع ذلك فقد تعثّر فرويد بأمرٍ أصبح فيما بعد ذات أهمية شديدة جداً.

 

 

أما ويليام رايخ وهو أحد تلامذة فرويد، فقد أبحر وغاص أعمق من فرويد. إلا أنّ الحكومة الأمريكية قد ألقَت القبض عليه لأنه لم يتمكّن من إثبات ما اكتشفه بشكل علمي بحت، بشكل مادي ملموس. ومات في السّجن بعد نعْته بالجنون حيث أقرّوا أنه مجنون. لقد كان ويليام رايخ واحداً من أعظم البشر الذين ولدوا في الغرب على الإطلاق. لكنه لم يكُن واعياً أيضاً لما يفعل. لم يكُن يعمل كما يتوجّب على اليوغي أن يعمل إذ كان الموقف العلمي ملاحقاً له يُحاصره.

wilhelm.reich1_

 

حاول ويليام رايخ إقامة اتصال مع هذه الطاقة التي يدعوها اليوغيون برانا، فأطلق عليها اسم أورغون – Orgone”. واسم أورغونأفضل من اسم ليبيدولأنّ كلمة ليبيدوتوحي وكأنّ كلّ شيء ليس سوى طاقة جنسية. كلمة أورغونهي كلمة أفضل وأكثر شمولاً واتّساعاً من ليبيدو، كما وتمنح الطاقة احتمال تجاوز الجنس وملامسة عوالِم وأبعاد أعلى داخل الكيان لا علاقة لها بالجنس. ولكنه زجّ بنفسه داخل مشكلة إذ شعرَ بها بشكلٍ فائق وراقبها بشكلٍ فائق ثمّ بدأ بتجميع طاقة البرانا، الأورغون، داخل صناديق. قد صنع صناديق أورغون. لا شيء خاطىء في هذا الأمر إذ عمِلَ اليوغيون على هذا الأمر لقرون. لأجل هذا السبب يحاول اليوغيون العيش داخل كهوف على شكلِ صناديق تقريباً، ولها باب واحد صغير فقط.

 

 

تبدو هذه الكهوف وكأنها غير صحية فكيف عاشوا بداخلها لسنوات؟ لا هواء يدخلها إذ لا وجود لممرات تهوية. هي كهوف مظلمة متواضعة ولكن اليوغيون عاشوا بداخلها وهُم في صحّةٍ تامّة لدرجة يظهر الأمر معها وكأنه معجزة. ما الذي كانوا يفعلونه بداخلها وكيف تمكّنوا من العيش فيها؟ وفقاً للإيديولوجية العلمية الحديثة، يُفترض أن يموت هؤلاء اليوغيون داخل هكذا كهوف، أو على الأقلّ أن يُصابوا بأمراض، أو بإحباط لكن لم يكن هذا حال اليوغيين أبداً. لا أمراض ولا إحباط. إنهم من أكثر البشر حياة وحيوية. فما الذي كانوا يفعلونه وما الذي كان يحدث؟

كانوا يخلِقون الأورغون، وممرات التهوية لا حاجة لها من أجل إبقاء الأورغون في مكانٍ محدّد لأنّ ممرات التهوية لن تسمح للأورغون بأن يتجمّع، إذ حالما يدخل الهواء تصبح طاقة الأورغون خيّالاً فتقفز على الهواء وتخرج من الكهف. لا حاجة لأيّ ممرٍّ للهواء. عندها تتجمّع طبقات فوق طبقات من الأورغون، فيستطيع اليوغي العيش على هذه الطبقات المجتمعة.

 

 

لقد صنعَ ويليام رايخ صناديق أورغون صغيرة وساعد الكثير من المَرضى بها. كان يطلبُ منهم التمدُّد داخل صندوق الأورغون فقط، ثمّ يُغلِق الصندوق ويطلب منهم الإسترخاء. بعد ساعة، يخرج الشخص وهو يشعر بحيوية شديدة، بحيوية حيّة يتذبذب بها جسده وطاقة تسري في جميع أنحاء جسده. كما وصرّح الكثير من الناس بأنّ أمراضهم اختفت بعد بضعة تجارب مع الأورغون.

 

 

وكان الأورغون غاية في التسبُّب بحالات شفاء كثيرة لدرجة لم يهتم معها ويليام رايخ بقوانين المدينة الموجود فيها فلم يلتفت لها وبدأ بإنتاج أعداد كبيرة من صناديق الأورغون وبيعها. بعدها ألقت إدارة الأغذية والأدوية القبض عليه وطُلِبَ منه إثبات ما يقوله. والإثبات في هذا السياق صعب لأن الطاقة غير ملموسة وليس بالإمكان إظهارها لأحد بشكلٍ مرئي. إنها تجربة، تجربة داخلية عميقة.

 

 

لن تطلب من آينشتاين أن يُظهِر لك الإلكترونات لكن باستطاعتك أن تؤمن بما يقوله لأنك قادر على رؤية ما حَلّ بهيروشيما وناكازاكي. أنت قادر على رؤية التأثير. لست قادر على رؤية المُسَبِّب إذ لا أحد رأى الذرّة، ولكن الذرّة موجودة لأن نتائجها وتأثيراتها موجودة.

 

 

قد عرَّفَ بوذا الحقيقة بأنها ما يصدُرُ عنه نتائج وتأثيرات. وتعريف بوذا للحقيقة هو تعريف في غاية الجمال. ما وُجِدَ ولن يوجدَ تعريفٌ للحقيقة بجمال تعريف بوذا لها. فإن صدر عنها نتائج وتأثيرات فهي الحقيقة.

 

 

لم يرَ الذرّة أحد، لكن علينا التّصديق بها بسبب هيروشيما وناكازاكي. لكن أحداً لم يُصغي لويليام رايخ ولا لمَرضاه. ومرضاه الذين تمّ شفاؤهم كانوا مستعدّين للإدلاء بشهاداتهم بأننا شُفينا، لكن هكذا تصبح المجتمعات عمياء لا تُبصِرُ ولا ترى. قد أطلقوا أحكاماً على هؤلاء المرضى الذين شُفيوا بأنهم مُنَوَّمون مغناطيسياً وأنهم لم يكونوا مرضى في المقام الأول، أو أنهم تخيَّلوا أنفسهم بأنهم شُفِيوا، أو أنه اقترح عليهم حال الشفاء وما شُفيوا. الآن كيف لكَ أن تُخبِر الذين قُتلوا في هيروشيما بأنكم لم تُقتَلوا وأنكم تخيَّلتُم موتكم؟ لقد اختفوا وما عاد لهم وجود.

 

 

الموت يُصَدَّق، الموت أكثر إقناعاً من الحياة.

وعالمنا المعاصر هذا هو عالَم مُتَجَذِّر في الموت أكثر منه في الحياة. لن يصدّقكَ أحد إن أَحْيَيْتَ إنساناً أو بعثْتَ فيه الحياة، بل ولن يكترث لأمرك أحد. لكنك ستصبحُ مشهوراً واسمك يملأ عناوين الصحف إذا قتلْتَ إنسان أو ارتكبْتَ جريمة.

 

 

لطالما كان هذا هو الحال. يسوع لم يصدِّقه أحد، بل قتلوه. لم يصدِّق أحد سقراط وقتلوه. قد قاموا حتى بقتلِ إيسوبراوي الحكايات البريء المشهور. كان في غاية البراءة ولم يفعل أيّ شيء. لم يخلق ديناً أو فلسفة أبداً، ولم يكن يُصرِّح بكلامٍ يُعادي به أحد. ما قام به هو أنه ألَّفَ عدّة حكايات رمزية جميلة. لكنّ هذه الحكايات تسَبَّبَت بإهانةٍ للناس لأنه كان يُسِرُّ من خلالها بحقائقٍ عظيمة وبأسلوبٍ بسيط، فقتلوه.

 

 

المجتمع يقتلُ باعثي الحياة… مَن يُسخّرون حيواتهم في خدمة الحياة. ثمّ يطلب دلائل وبراهين.

 

إنْ أتى أحدهم إليّ وسألني ما الذي أفعله هنا، ستكون الإجابة صعبة جداً. فإن أجَبْت سيقولون أنني جُنِنْت. وإن كان أحدهم ضدّي فسوف يصدّقون أنّي مجنون، وإن كان أحدهم في صفّي فإنه لن يصدّق. ذاك الذي يقفُ ضدّي مهما كان أحمقاً ومُغفّلاًفإنهم لن يناقشوه، وسوف يوافقون على ما يقول. وذاك الذي يقفُ في صفّي مهما كان ذكياًفسوف يضحكون عليه ويخبروه بأنه مُغَيَّب وقد تمّ تنويمه.

 

وهذه دائرة مفرغة من النقاش الذي لا جدوى منه. إذا أقنَعْتَك سوف يظنّون أني نوّمتُك مغناطيسياً، وإذا لم أقنِعك، فأنا مُخطىء. لذا ففي كِلا الحاليْن أنا مُخطىء.

 

 

وقد أدلى الكثير من الأذكياء بل والغاية في الذكاء بشهاداتهم ووقفوا في صفّ رايخ، وكانوا أساتذة وحملة دكتوراه ومحلّلين نفسيّين، ولكن المحكمة لم تصغي إليهم. بل اتهموهم بأنهم مشاركون متآمرون في ذات اللعبة. كانوا يقولون: “أظهروا لنا أين هي طاقة الأورغون! إفتحوا الصندوق ودعونا نرى أين هي. هذا صندوقٌ عادي ولا يوجد فيه شيء. وها أنت تبيع هذا الصندوق وتغشّ الناس وتخدعهم“.

 

توفّيَ ويليام رايخ وهو في السجن. يبدو أن البشرية لن تتعلّمَ من تاريخها شيئاً، فتجدها ماضية في تكرار ما مضى مراراً وتكراراً.

 

 

لماذا وصلَ الحال بالمجتمعات لأن تكون ضدّ الحبّ؟ لهذه الدرجة ضدّ الحب… لأنّ طاقة الأورغون هي طاقة الحب. لماذا تقفُ المجتمعات ضدّ الحياة ولماذا تُسخّر كلّ شيء في خدمة الموت؟ المجتمعات لم تتطوّر ولم تنمُ. هذه المجتمعات هي مجتمعة ميْتة لأنها عاجزة عن تصديق وجود احتمالات وأبعاد أعلى وأسمى للحياة. فإن بلغَ أحدهم قمة عالية جداً تجدهم لا يصدّقون بل ويقومون بإدانة هذا الشخص لأنّ بلوغه هكذا مقام هو إهانة لهم.

 

 

يشعر المجتمع بالإهانة إنْ قلتُ لكم أنكم آلهة. أنكم تستخدمون وتحيون على اثنين بالمئة من إمكانياتكم، بينما تُهملون ثمانية وتسعين بالمئة من قدراتكم ولا تعلمون عنها شيئاً فتذهب أدراج الرياح. وكأنّ الحياة قدّرت لكم أن تعيشوا مئة يوم فلم تعيشوا منها إلا ليوميْن، حتى المفكرين العِظام والرسامين والموسيقيين والعباقرة فلا يعشيون إلا خمسة عشر بالمائة من قدراتهم.

 

 

وأنتم إنْ لم تُصبحوا أحياءً، إنْ لم تُبعَث البرانا خاصّتكم، قوة حياتكم فتستيقظ من جديد، فأنتم في عداد الأموات تمتلكون فكرةً خاطئة بأنكم أحياء وتعيشون. أنتم لم تعيشوا أبداً. لكن جماهير وحشود عريضة من هذا المجتمع الميت تدعمكم وتوافقكم لأنهم أموات مثلكم. هكذا تظنّون الموت هو القاعدة والمنوال الذي تحيون عليه. لكنها ليست القاعدة أبداً.

 

 

إنّ سلوك درب الدين الحقيقي يبدأ عندما تفهمون أنّ جميع ما تقوموا به وجميع ما تفعلوه هو بمثابة اللاشيء ولا معنى ولا قيمة له. أنكم تضيّعون فرصةً عظيمة. فإذا لم تبدأوا بإحياء البرانا واستحضار الله بداخلكم فأنتم لا تفعلون أيّ شيء ذات أهمية. لا ترضوا بأقلّ من هذا. لا بأس بأن تتوقّفوا لتسترخوا قليلاً… لكن في الصّباح عليكم متابعة الغوص في دواخلكم. وتذكّروا بأنّ معيار قناعتكم وإشباعكم هو مدى صحوة ألوهيتكم في دواخلكم.

 

 

وعندما تستيقظ البرانا خاصّتكم وتتربّع على عرشها وتُزهر، تصبحون آلهة. كلّ فرد فيكم يعي أنه الله. البرانا خاصتكم الآن تزحف على الأرض، ليس بإمكانها الوقوف ولا المشي حتى.

وإذا استمرّيتم باستخدام البرانا لأجل أهدافٍ جنسية فقط، فأنتم تزحفون. ما لَم تصعد هذه الطاقة إلى مقام التاج (السابع) في وسط الرأس وعند قمّته، إلى قمّتها وذروتها، فإنكم لن تُحَلِّقوا في سماء الأبعد من الأبعاد. لن تفردوا أجنحتكم أبداً. سوف تبقون أسرى مسجونين بائسين. السعادة الحقيقية هي سعادة التحليق في سماءٍ لا حدّ لها ولا مدى. السعادة الحقيقية هي وليدة تربّعكم على عرشكم، عند قمة الرأس، عند أعلى وأعمق مستويات كيانكم.

 

أوشو المستنير الحبيب عن أسرار البرانا

احتفال من قلب وحال بشار عبدالله



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech