أنت الآن تقرأ في قسم: أديان, شاطئ الإستنارة

“إطالة الممارسة الجنسية وتحوُّلها وعياً روحياً”:قداسة الجنس -2- في حَضرة أوشو

“إطالة الممارسة الجنسية وتحوُّلها وعياً روحياً”:قداسة الجنس -2- في حَضرة أوشو

تقولُ الآيةُ الأولى:

أوَّلُ حكاية توَحُّدكما الجنسيّ بداية لتوجيه الانتباه إلى نارٍ مُشتعلة داخلكما. تابِعا توجيه الانتباه باستمرار لهذه النار من بداية الحكاية، وتفادَيا جَمْر النهاية“.

وهنا كلّ الفرق والاختلاف.

 

الجنس بالنسبةِ لكم ليس سوى عملية تحرير لطاقةٍ بداخلكم. لذا تدخلون الجنس وأنتم على عجلةٍ من أمرِكم هدفكم تحرير طاقتكم. طاقةٌ مُنسابة مُتدَفِّقة سوف تتحرّرُ من خلالكم وتخرجُ منكم. تشعرون بالراحةِ بعدها. لكن هذا النوع من الراحة لا يعدو كَوْنَهُ ضَعفاً. تخلِقُ الطاقاتُ المتدفّقة بداخل الإنسان إحساساً بالتوتر أو بالحماس والاهتياج، فيشعرُ بأنّ عليه القيام بأمرٍ ما. وبعدَ أن تُحرّروا طاقتكم، يزوركم الضعف. قد تعتبرون هذا الضّعف بعد رحيل الطاقة المتدفقة وخروجها منكم، نوعاً من أنواع الراحة والإسترخاء. لكنّ الراحة التي تحضُرُ بعد رحيل الطاقة المتدفقة داخل الجسد هي راحة مُكْلِفة جداً. وحتى وإن كانت راحة، فهي ليست سوى استرخاء للجسد المادي. ليس بإمكان هذا الاسترخاء أن يُبحِرَ أعمق في دواخلكم ويطال أجسادكُم الروحية. هذه ليست براحةٍ روحية.

 

تقولُ لكم الآية الأولى لا تكونوا على عجَلةٍ من أمرِكم ولا تستَعجِلوا قدوم النهاية: إبقوا في البداية. تتألف الممارسة الجنسية من قِسْمَين: البداية والنهاية. ابقَوا عند البداية، لأنّ ابتداء الجنس دوماً ما تلفَحُهُ نسائمُ الدفء والاسترخاء. ولا تستعجلوا الوصول إلى النهاية. انسوا النهاية تماماً.

 

“أوَّلُ حكاية توَحُّدكما الجنسيّ بداية لتوجيه الانتباه إلى نارٍ مُشتعلة داخلكما.”

مع ابتداء انسياب الطاقة وتدفُّقها داخل أجسادكم، لا تُفَكِّروا من مُنطَلق تحريرها وقَذْفِها خارجكم: إبقوا في صُحبة ورِفقة شلال الطاقة المتدفق هذا. لا تبتَغوا القَذْف ولا تَسعوا إليه: إنسوا أمرَه تماماً. عانِقوا البداية الدافئة بكليّتكم. إبقيْ مع حبيبِك وابقَ مع حبيبتك وكأنكما كيانٌ واحدٌ، مياه جارية رقراقة عَذبة تتأرجح بين ضفّتيْن. هذا ما سوف يَخلِقُ دائرةً أثيرية طاقية بينكما تُوَحِّدُكما.

 

هناك ثلاثة احتمالات. عندما يلتقي الحبيبان يُصبح بإمكانِ اللقاء أن يخلِقَ ثلاثةَ أشكالٍ هندسية. لعلّكم قرأتم عن هذا العِلم، أو لعلّكم شاهدْتُم صورة خيميائية كيميائية قديمة يقفُ فيها كِلا الرجل والمرأة عارييْن داخل ثلاثة أشكالٍ هندسية. الشكل الأول هو المربَّع، والشّكل الآخر هو المثلّث، والشّكل الثالث هو الدائرة.

 

هذا واحدٌ من أقدَم العلوم الخيميائية الكيميائية التانترية التي اكتشفت أسرار الممارسة الجنسية. في العادة، يوجَدُ في الممارسة الجنسية أربعة أشخاص وليس اثنيْن، وهذا هو المربّع: أربع زوايا موجودة لأنّ كلّ فرد منكم ليس كُلّاً مُوَحَّداً بل ينقسم في داخله إلى قِسْمَيْن، القِسم الذي يُفَكّر والقِسم الذي يشعُر: الفكر والإحساس. والشريك أيضاً تحيا في داخله هذه الازدواجية والثنائية. الشريك أيضاً يحيا الانقسام. هكذا أنتما أربعة أشخاص. اللقاء الجنسي يتمُّ بين أربعة أشخاص. هذا لقاء حشود لا أفراد. ولقاء الحشود هذا لن يبلغ من العمق أيّ درجة. أربع زوايا واللقاء سطحي مزيف. لقاءٌ يبدو وكأنه لقاء، لكنه أبعد ما يكون عن اللقاء. أين للّقاء أن يحدث وللتواصل أن يتمّ والجزء الأعمق منك، الجزء الفطري الأصيل مخفي بداخلك ومَطمور، كذلك في داخل الشريك؟ رأسان هُما مَن يلتقيان. الجسدان لا يلتقيان. عمَليّتان فكريّتان تلتقيان، لا الأحاسيس الفطرية الحيوانية البشرية الصادقة المتدفّقة. الجزء الحقيقي العميق مَخفي بعيداً جداً.

 

النوع الثاني من اللقاء يكون مثل المثلّث. أنتما الاثنان، زاويَتا القاعدة. للحظةٍ من اللحظات تغدُوان واحِداً مثل الزاوية الثالثة من المثلّث. للحظةٍ من اللحظات النادرة تتلاشى ثنائيّتكما فتصبحان واحداً مُنسَجِماً متناغِماً مَوصولاً. لقاء المثلّث أفضل من لقاء المربّع، إذ على الأقلّ تمرُّ لحظةٌ نادرة تُوَحِّدُكما بين أحضانها فيتجلّى حالُ الوِحدة والوصال. هذه الوِحدة تمَنحُكما صحةً وحيويّةً. تخرجان منها وأنتما تشعران بالصِّبا، بالحياة.

 

 

 

ولكن ثالث أنواع اللقاء هو الأفضل. هو لقاء عِلم التانترا المقدّس. هو سرّ الجنس وحقيقته وهديّته: ثالث أنواع اللقاء هو الدائرة. الحبيبان يُكَوِّنان ويَكُونان دائرة. الشّكل الذبذبي الطاقي الأثيري الشفاف بينهما يتحوّلُ دائرة. لا زوايا أبداً. وهذا لقاءٌ لا يكتفي ببضعة دقائق أو لحظات. هذا لقاءٌ لا يعرفُ الوقت. لقاءٌ خارج مواقيت الزمان. هذا لقاءٌ لا يتحقَّق إلا إذا تمّ الامتناع عن السّعي والجري وراء القذف. السّعي وراء القذف يُحْدِثُ لقاء المثلّث، لأنّ همزة الوَصل والوِصال الحقيقية تضيع مجرّد أن يحدث القذف.

 

إبقَيا في البداية ولا تتحرّكا باتجاه النهاية. وكيف السبيل للبقاء في البداية؟ بعضٌ من الأشياء عليكُم تذكُّرها. أولُ الأشياء: لا تعتبروا الممارسة الجنسية ممَرّاً للعبور إلى مكانٍ ما. لا تعتبروها وسيلةً لأنها بحدّ نفْسها غاية وهدف. لا غاية أخرى سوى الممارسة نفسها. ثاني الأشياء، لا تفكِّروا في المستقبل. إبقَوا في الحاضر. إنّ مَن لا يستطيع البقاء في اللحظة الحاضرة مع بداية الممارسة الجنسية لن يكون باستطاعته البقاء في أيِّ لحظةٍ حاضرة أبداً، لأنّ طبيعة الممارسة الجنسية نفسها وهديّتها لكم هي أنها ترميكم في أحضان ذواتكم وتُعيدكم إلى حاضِرِكم من جديد.

 

ابقوا في الحاضر. استمتعا كحَبيبيْن بجَسَديّ بعضِكُما، بلقاء جسديْكما، بلقاء أحاسيسكما، روحيْكما، وتوحَّدا والْتَحِما ببعضِكما، ذوبا في بعضكما. إنسَيا أيّ غاية أو هدف من الجنس. إبقَيا بين أحضان اللحظة واشعُرا بعُمقِها، بأبعادها وكأنّ ما من شيءٍ بعدها. ذوبا في بعضكما. اخلِقا جَوّاً من المحبة والدفء يُهَيِّأ لكما إحساس الذّوبان. لأجل هذا السبب تتَّسِمُ الممارسة الجنسية الخالية من الحب، بالأداء السريع العَجول. ممارسة جنسية خالية من الحب تعني أنك تستخدم الآخر. الآخر وسيلة لخدمة رغبتك. الذوبان يحضر عندما يحضر الحب. رؤى جديدة سوف تولَد داخلكما جرّاء ذوبانكما في البداية.

 

إنْ لم تكونا على عجلةٍ من أمرِكما كي تُنهيا ممارسة الجنس بينكما، ستتحوّلُ الممارسة شيئاً فشيئاً من ممارسة جنسية إلى ممارسة روحية. الأعضاء الجنسية تذوب في بعضها أيضاً. بعدها يولَدُ تواصلٌ ووَصلٌ صامِتٌ عميقٌ بين طاقتيّ جسَديْكما. عندها يصبح بإمكانكما البقاءَ سوياً لساعات. يغدو هذا الوَصل العميق أعمق وأعمق بمرور الوقت. لكن لا تُفَكِّرا. إبقَيا في أحضان اللحظة في ذوبانٍ عميق. يتحوّلُ هذا الذوبان وهذا البقاء نشوةً، لمحاتٍ عن الاستنارة الحقيقية. يتحوَّلُ وعياً كونياً. وإن كان في استطاعتكم أن تعوا هذا الحال وتختبروه وتشعروه، فسوف تتحوّل عقولكم الجنسية إلى عقول تتجاوز الجنس وتتخطاه. هكذا تبلُغون حال تجاوز الجنس من خلال الجنس نفسه.

لعلّكم تجدون في الأمر تناقضاً لأنه تمّ تعليمكم بأنّ على الإنسان أن يبتعد عن الجنس إذا ابتغى أن يكون متجاوزاً له غير منغمس فيه، فلا ينظر للجنس الآخر ولا يلتقيه، بل يهرُب ويتحاشى ما يقود إلى الجنس. هكذا يولد الكبت. لا تجاوُز للجنس بل كبت ونفاق. هكذا يستمرُّ العقل بالتفكير في الجنس ليلاً نهارًا. يستمر بالتفكير بالجنس الآخر دوماً. وكلّما حاول صاحبُ هذا العقل الهرب من الجنس الآخر وتحاشيه، كلّما فكَّر به أكثر، لأنّ الجنس حاجة أساسية عميقة متجذِّرة في الإنسان.

 

عِلم التانترا المقدّس لا يدعو أحد إلى الهرب لأنّ الهرب مستحيل. استخدموا طبيعتكم نفسها حتى تتجاوزوها. لا تحارِبوا الطبيعة بل اقبَلوها حتى تتجاوزوها. فإنْ طال هذا الوَصل والوصال بين الحبيبة والحبيب لفترةٍ طويلة وهُما في أحضان بعضهما داخل بعضهما، بدون غاية في العقل أو هدف، عندها يُمكِنُكما البقاء مع البداية. التشوُّق والاهتياج هو طاقة. بإمكانكما استخدامها لتخسراها. تصلان بها إلى الذروة ثمّ تفْقِدانها. ويتبعُ الإحباطُ والضَّعف فُقدانكما لها. قد تَظُنّان هذا الضعف والإحباط بالراحة والاسترخاء ولكنه راحة سلبية.

 

يَمْنَحُكما عِلم التانترا المقدّس بُعداً إيجابياً أعلى للاسترخاء. الشريكان يذوبان في بعضهما وهذا الذوبان يصبحُ بوابةً يُعطي الشريكيْن من خلالها طاقةً حيويةً حيّةً لبعضهما البعض. هكذا يصبحان دائرة وتبدأ طاقتهما بالتحرُّك في شكلٍ دائريّ. تبدأ الطاقة بالطواف بينهما. كلاهما يَمنح الحياة للآخر. إنهما يُهدِيان بعضهما الحياة. يُجَدِّدان الحياة فيهما. هكذا لا يَخسَران أيّ طاقة. بل على العكس، سوف يكسَبُ كلٌّ منهما المزيد والمزيد من الطاقة لأنّ الاتصال والالتحام بالجنس الآخر، يقود كلّ خليّة في كلِّ جسد للاهتياج والرّقص والحماس حتى تستقبل من طاقة الآخر وتتلقى المزيد. وإن كان بإمكانكما الذوبان في بحر هذا الحماس والاهتياج دون أن تصِلا به إلى ذروته، إن كان بإمكانكما البقاء في البداية دون أن يصل اهتياجكما إلى ذُروَته بل يبقى دافئاً ناعماً، عندها يلتقي دفء كلاكما ويصبح بإمكانكما إطالة الممارسة الجنسية لوقتٍ طويلٍ جداً. هكذا تتحوّل الممارسة الجنسية بدون قذف، بدون رمي الطاقة إلى الخارج، تتحوّلُ تأمُّلاً. هكذا تأمُّل يعود بكما إلى كليّتكما واكتمالكما. هكذا تساعدكما الدائرة التي خُلِقَت بينكما حتى يعود كلّ منكما واحِداً في داخله بدون قِسمة وانقسام.

 

نتابع الحضرة في الجزء المُقبِل.

أوشو المستنير الحبيب عن أسرار وحقيقة وعلوم الجنس المقدّسة

احتفال من قلب وحال بشار



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech