أنت الآن تقرأ في قسم: أديان, شاطئ الإستنارة

محبة الله-6-أوشو: خطَوات العُروج إلى السرّ المَهيب

محبة الله-6-أوشو: خطَوات العُروج إلى السرّ المَهيب

ج1 هنا

ج2 هنا

ج3 هنا 

ج4 هنا 

ج5 هنا

rain93rain93

وكانت محبّة الذات أوّل جسور العبور إلى السرّ المَهيب، أما محبّة الآخرين فثانيها، لتكون محبّة الله ثالثها. محبّة الله حالٌ يتجاوزُ محبة الذات والآخرين. 

أوّل الجسور، محبّة الذات هو اعترافٌ منك لكَ بأنك مَوجود. أنت تُحِبُّ ذاتك إذاً أنت موجود. اعترافٌ وإحساسٌ منكَ بأنك موجود هو ما تتطلّبه محبّة الذات، رغمَ أنّك لسْتَ بمَوجود. هذا الوهم لن يتحوَّل حقيقةً أبداً. هذا جسرٌ للعبور.

أما الجاهل لسوفَ يُؤمن ويُصَدِّق بأنّ له وجود. سوف يحيا ويُسَخِّر كلَّ شيء لأجل هذا الوجود. محبّة الذات جسر للعبور. الذات واهِمة لا وجود لها. دخولها حَتميّ للتعرُّف على وَهمها، على خداعها، لأجل الكَشْف عن سرابها، أحلامها وأوهامها. هكذا تغدو محبّتها بوابةً لدخولها فاكتشاف زَيف وجودها. لكنها لن تكون يوماً جناحاً يُحَلِّقُ بكَ أبعد من السّماوات، أبداً. أولئك الذين يرقُدون فينامون مستسلمين لأحلامها ووَهمها، يقضون العمر في خدمتها، يؤمنون بوجودها. ولأنهم يؤمنون بها، يومَ يحاولون الاستيقاظ يسلكونَ درباً خاطئاً فيبدأون بمحاربتها وبمحاولات الهرب منها. هكذا لن يتخلصوا منها. أين سيهرب الجسد من ظِلّه؟

 

لذا، تكون البداية الصحيحة بأن تتعرّف على هذه الذات. أن تبدأ بمَحَبَّتها. محبّتك لها تمنحك اختبارا. اختبار وَهم وزَيف وجودها. إبدأ بالمحبة. إبحث عن المحبة. دَع كلَّ شيءٍ للمحبة عندما تجدها. المحبة قادرة على أن تفني ذاتك. تواضُع الذات وانحناؤها وتسليمها بين أحضان المحبة كفيلٌ بأن يكون السبيل إلى كَشف وَهمها، فيتجلّى اختفاؤها.

المحبة هي السبيل حتى تخلع الأنا عنها رداء وجودها. حتى تكشِف عن رحيلها، عن غيابها، عن إسقاطِ حضورها. إنّ الذي يسترخي ويدَع الظّلال والأشباح والأوهام تحتفلُ بزَيفِ حضورها ووَهم وجودها، فيبحث عن النور بدلاً من الانشغال بمحاربتها، لسوفَ يتحرَّر من جميع أنواع الظِّلال والأشباح والأوهام. علاقة الأنا والاستكبار بالمحبة هي كما علاقة الأنوار والظِّلال.

حضور الحبّ وحده كَفيل برحيل الأنا، بغياب الاستكبار وظلامه الدّامس. في البداية تمنحُ محبّة الذات صاحبَها محبّةً للآخرين. أحبُّ ذاتي وأحترمها وأقدّسها إذاً سأحِبُّ كلَّ ذات وأحترمها وأقدِّسها. بمرور الأيام، وبعد أن يفني الحبّ الأنا، بعد أن ترحل الأنانية ويغيب الاستكبار، تظهرُ مساحات الوعي الصامت المَهيب التي تُذيب ما تبقّى من حدود، تسقطُ حدودك وتهوي، وتسقُطُ حدود الآخرين وتَهوي، فلا تبقى أنت ولا يبقى غيرك. لا يوجدُ أحد. لا وجود سوى لذلك الوعي الصامت المهيب يُطِلُّ من خلالنا أجمعين. عند هذا المقام لا يبقى أنا ولا أنت ولا الآخر، لا يبقى سوى الحبّ. لا يبقى سوى الوعي الصامت المَهيب. هذا الحال هو ما أسمّيه حبّ الله. محبّةُ الله ليست إحساساً تُرشِدُه فتُوَجِّهُه إلى مكانٍ أو إلى كيان. محبّةُ الله ليست إحساساً صادراً من أحد ولا شعوراً يتلقّاهُ أحد. محبة الله هي حال المحبة الذي يبقى بعد أن تغيبَ أنت. بغيابِك يرحل كلّ شيء وُلِدَ ويموت. لا يبقى سوى صميم وقلب ونبض الوجود، لا تبقى سوى محَبّة صافية بسيطة رقيقة. حالُ المحبّة هذا هو حُبّ الله.

 

أيُّ أمطار تنهمرُ مُبارِكَةً الكيان بين أحضانِ وفي جنانِ محبّة الله هذه؟

 

محبّةُ الله تعني انهيار وَهم يقينك وإيمانك الذي دامَ عصوراً ظَنَنْتَ فيها أنك شيء هام، أنك ما أنتَ عليه. أنك أنت. قد كان كلّ هذا وَهماً وحلماً. سرُّ أسرار حقيقة الوجود يبوحُ بأنّك لا وجود لك. أنت لستَ موجودا. أنت لا تملِكُ وجوداً شخصياً خاصاً بك. تأمَّل حال التنفُّس. نفَسٌ يدخلُ جسدي ثمّ يخرجُ منه. مخطىءٌ أنا إنْ ظنَنْتُ بأني مَن يتنفَّس، فإنْ خرجَ الهواءُ الذي غادرني وودَّعني ولم يعُد إليّ، فكيف لي أن أتنفَّس؟ إنْ ظَنَنْتُ بأني أنا الذي يعيش ويحيا فأنا على درب الأوهام أسير، لأنه وفي اليوم الذي تغادرني الحياة فيه وللأبد من داخلي تختفي، لن أقدِر على البقاء في جسدي ولو للحظةٍ حتى. مُخطىءٌ أنا لو ظنَنْتُ بأني وُلِدْتُ وبأني سوف أموت. لم أحظَ بولادةٍ ولن أحظى بموتٍ. كذلك نَفَسي ليس لي ولسْتُ بمالِكٍ له أو بمُسَيْطِرٍ عليه. لستُ أملِكُ لا الحياة ولا الموت. مسرحيةٌ خفيّةٌ إعجازيةٌ تلعبُ دَوْرَها من خلالي. خفاءٌ وسِرٌّ عظيمٌ يؤدي دورَه من داخلي. خفاءٌ وسِرٌّ مجهولٌ يتحدث من قلبي. خفاءٌ وسِرٌّ مَهيبٌ يعبُران من خلالي. مجهولٌ وُلِدَ بداخلي، مجهولٌ مات بداخلي. لستُ سوى المسرح الذي تؤَدّى عليه المسرحية. لستُ سوى المسرح الذي تزورُه شخصياتٌ ثمّ ترحَل. مسرحٌ تُروى عليه حكاياتٌ، بعدها السِّتارُ يُسْدَل. نايٌ أنا على شفاهِ مجهولٍ يعزِف.

 

ما الذي أملُكه وحدي؟ ما الذي يخُصُّ شَخصي؟

إنسان التأمّل يعي جيداً بأنّ ما من شخصية، ما من شيء اسمه الوجود الفردي.

لا وجود سوى للكَونية.

نفَسي هذا الذي أعتبرُه نفَسي مَرَّ قبل أن يزورني وعبَر داخل الملايين والملايين قَبْلي. نفَسي الذي أزفُرُه الآن سوف يغدو نفَساً لملايينٍ وملايين سوف يولَدون على الأرض بَعدي. ملايين الخلايا التي تُكَوِّنُ اليومَ جسدي كانت جُزءاً من أجسادِ ملايينٍ وملايين قَبلي. كيف تكون ملكي؟ ما سوف يتبقى بعد أن أترك جسدي سوف يكوِّنُ ملايين الأجساد من بَعدي. جسدي هذا الذي أسمّيه جسدي كان جسداً لملايين البشر، ملايين الحيوانات وبلايين الكائنات الحية قَبلي، ولسوف يبقى تكويناً  لأجسادٍ آتية لا تُعَدّ ولا تُحصى. كيف يكون ملكي؟

 

ولا حتى عقلي ملكي وحدي. مُكَوِّنات عقلي أيضاً تأتي وترحل كما جسدي. لا شيء ملكي. الارتقاء لهذا المقام بعد فناء الذات على الجِسْرَين الأوَّليْن، ضروري وأساسي لأجل محبّة الله. هذا مقامٌ جليلٌ يكشفُ لنا أنّ ما من شيءٍ ملكنا، ما من شيءٍ لنا يُكَوِّنُنا أو يخُصّنا وَحدنا…. كلما غاصَ هذا الفَهمُ في قلوبنا وسَكِرَت به أرواحنا، كلما اكتشفنا أنه لا وجود لنا. هكذا تفنى للأبد ذواتنا. هكذا لا بقاء بعد الفناء إلا لله. بعد غيابك وغيابي أنا لا يبقى إلا الله. بعد الفناء يظهرُ الكيان الأبديّ، الوجودُ الذي ما بدأ ولن ينتهي. محيطٌ من الوعي المَهيب هو. نحن في هذا المحيط، نقفُ بداخله ونحيا في قلبه. لكننا لا نعرف هذا الحق ولا نشعرُ به ولا نَعيه. لا نعرف ولا نشعر ولا نعي سوى “أنا” و”أنت”. لذا عليْنا عبور ثلاثة جسور مروراً بمحبة الذات فالآخرين فالذوبان قطراتِ ماءٍ في قلبِ المحيط.

ألا تعي بأنّ قطرة المحيط تغدو وهي في قلبِهِ، المُحيط؟

 

أوشو المستنير الحبيب

احتفال من قلب وحال بشارعبدالله



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech