أنت الآن تقرأ في قسم: أديان, محراب التأمل

اختبار تقنيّة التّأمّل النّشيطة للمرّة الأولى: نَفَحاتُ تجربةٍ فرديّة ج 5

اختبار تقنيّة التّأمّل النّشيطة للمرّة الأولى:  نَفَحاتُ تجربةٍ فرديّة ج 5

ج1

ج2

ج3

ج4

النَّفَس… حقيقةٌ تحياها ثائرةً على الزّمن تُعرّي حقيقته كاشفةً لصاحبها أنّ الوجودَ يُقيمُ هُنا، في قلبِ لحظةٍ لا تُحسَبُ من الماضي أو من المستقبل. الحاضرُ هو حقيقةُ الحال، فيه سِحر الجمال. أمّا الماضي والمستقبل فهُما هَمْس خُطى الأفكار وما تراكمَ في الأثير من ذبذباتٍ بثّها الرّاحلون عن الأرض ويبثّها الغابرون في الأرض، ليتردّد داخل دماغكَ صَداها. هذا الصّدى هو ما تُسَمّيه عقلَكَ. هذا الظِّلُّ هو عقلُك، يكشفُ النّفَسُ حضورَهُ الزّائف الذي يُعَذّبُ بصيرتَكَ بالظُّلُمات.

أوَّلُ اختبارٍ في عالَمِ التّقنيّة النّشيطة يُعيد لوعيِكَ المَعنى فترى من خلاله الحياةَ ولو لوقْتٍ قصيرٍ فنًّا وشِعرًا.

أوّلُ اختبارٍ في عالَم التّقنيّة النّشيطة نشوةٌ يبتسمُ لها وعيُكَ فوق غيوم السّماء حيثُ يبثُّ الشّاهدُ داخلكَ نسيمَ الصّمت ورقّتَه لتفتحَ عينيْكَ وترى ما حولَك بروحكَ لا بحواسّكَ وجسْمِك بعد أن أرْهَقْتَ العقل انتباهًا للنّفَس الذي يدخل ويخرج، وحمَلَ صراخُكَ وبكاؤكَ واهتزازُكَ وقفْزُكَ وتعبيرُكَ عن كلّ ما كُبِتَ فيك، أجنحةَ وعيِكَ فرَفْرَفَتْ حُرَّةً بعد سُباتٍ دام لحيوات، وبعد أنْ نفَضَ الرّقْصُ الذي تعي فيه حركات جسدكَ كُلَّ انسدادٍ في نهرِ حَيَويّتِكَ، مثلما ينفضُ الفجرُ رهبةَ اللّيل.

تركيبةُ التّقنيّة النّشيطة تبُثُّكَ عِطْرًا يقْطَعُ بلادَ حيوانيّتِكَ البريئة سَيْرًا، تُمْطِرُكَ رَذاذًا عَذْبًا يروي تُربةَ بشريّتِكَ بِشْرًا، وتنْثُرُكَ زَهْرًا في فردوسِ الوعي الإلهيّ فتتذوّقُ الخلودَ صَمْتًا.

سرُّ هكذا تقنيّة يكمُنُ في السّكون الذي يَلي الضّجيج، في الهدوء الذي يتبعُ العاصفة، في الرّاحة العميقة التي تتجلّى بعد البُكاء، وفي الاسترخاء الشّديد الذي تسطعُ شمْسُهُ بعد رحيل الغيوم من السّماء.

أنت تتنفّس وتشهد، تصرخ وتبكي وتُعبّر وتهتزّ وترقُص وتشْهَد… ويشتدّ لهيبُ الرّقصة، ويفوحُ عطرُ الحرَكة إلى أنْ تأتي اللّحظة، وتتوقّف أنت فجْأة… مُحيطٌ من الطّاقة في اهتياج، وبُركانٌ من الذّبذباتِ في طواف… وأنت تتوقّفُ فجأة وتَقِف في الوسَط في قلبِ الفراغ واعيًا بالتّجربةِ لمسافةٍ تفْصِلُكَ عن طبَقاتِ الأحلام ومُسَبّبات الأوهام… أنت الآن تقفُ في مساحةٍ خارج الزّمان وفوق بساط الوعي تشهَد وتختبر أنّ الجسدَ والعقلَ نومٌ وأنت الآن وعيٌ في يقظة. مُحيط الطّاقة وبركان الذّبذبات لم يكونا سوى بساط الرّيح الذي أبعدَكَ عن الأرض، فَصَلَكَ عن الحُلم، جرّدكَ من المادّة ووصلَكَ بالسّماء. سماءُ الفراغ هي، تُصغي وأنت جامدٌ بلا حراك إلى ندائها، وقيثارةُ طاقتِكَ ترفع صوت العزف على أوتارها مسافرةً بكَ عاليًا مُخترقةً جوهرَ ما يبدو للوهلة الأولى كالفراغ، فترتفعُ في فراغها.

الآن أنت نشوانُ صاحٍ، جناحُ وعيِكَ يخفِقُ، يحدّقُ فلا يرى شيئًا، ويُنصِتُ فلا يسْمعُ شيئًا… لكنّك ترى ما ليس له نظير، وتسمع ما هو أعذب من الخَرير… نَغَمُ الخلودِ فوقَ شفاهِ روحكَ الآن يبتسمُ، وسِرُّكَ من الوصفِ يَخْجَلُ…

ما هذا الذي تختبره؟

يتبع…

نفَحات من قلب تجربتي الفرديّة (بشّار)



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech