أنت الآن تقرأ في قسم: أكوان, عبير الحياة

نَفَحات: رحلةُ الصَّمْت

نَفَحات: رحلةُ الصَّمْت

في حَضْرَة السّكون العميق،

وفي حضور الصّمت العتيق،

رسائل أبديّة تتجلّى هدِيّةً من الرّوح بعد أن يتَنَحّى العقل وتختفي أشباحه من على الطّريق…

كلّما غُصْتَ في سرّ هذا السّكون الصّامت والصّمت السّاكِنِ أعمق فأعمق، اختَبَرْتَ كَوْنَكَ ذبذبةً شَفّافةً، أو موجاتٍ لامرئيّة مَنثورة بين أحضان الأثير المُنير والكون الفَسيح

وتستمرُّ بالإبحار وقوّة حياتك تصعد إلى أعلى قاصدةً السّرَ المجهول المَهيب

قوّة حياتك تصعد ووعيُكَ يشتدّ وينهض إلى أن تبلغَ لحظةً تتجاوز فيها كلّ شيء

لحظةٌ لا يبقى فيها سوى وعيك الشّاهِد يَعي ويُراقب كُلّ شيء

وَعيُك أَم وعي الكون هو؟ لا فرق

هي لحظةٌ تقفُ فيها خارج الزّمن، خارج كلّ خدعة ولعبة من ألاعيب العقل

لحظةٌ هي تقف فيها على ضفّة نهرٍ شربَ منه أنبياء ومستنيرون وحكماء

هو حال اللّاعقل، حال الذّكْر، هو حقيقة الدّين. قد تذكَّرْتَ حقيقة مَن تكون

ومَن أنت؟ لا أحد

رحلةُ التّديُّن الحقيقيّة هجرةٌ من الرّأس، من العقل صاحب الرّغبة والخوف والطّمع، ونزوحٌ إلى المأوى والملاذ الحقيقيّ: القلب، بيْت الإنسان العتيق.

رحلةُ التّديُّن هي النّار بعد أن تصبحَ ماءً، الشّهوة بعد أن تتحوّلَ محبّةً، التّعلُّق بعد أن يغدوَ استسلامًا وتسليمًا، والغضب بعد أن يتحوّلَ رحمةً.

رحلةٌ هي يسيرُ صاحبُها على دربٍ لم تُرسَمْ ملامحُهُ بَعد، ويدُ الفناءِ تُلَوّحُ له من بعيد، فيهرولُ نحوَها خالِعًا عنه كلّ مزيّفٍ فيه، إلى أن يصبحَ عاريًا لا رداءَ له سوى المحبّة، لا هالة تُحيط به سوى الرّحمة، ولا مشهد يتلألأ بريقُه في عينيْه سوى البراءة.

وما يزال المُريدُ يتبع يدَ الفناء الرّحيمة حتّى تُرشده إلى نهر المحبّة الذي لا يهتدي إليه سوى مَن ضحّى بأناه ومحتواها، ناشدًا روحَه مُستأنِسًا بذِكْرها وذِكْراها. على ضفّة نهر المحبّة يرتشفُ نعيم الاستسلام، يحتفلُ بالسّلام، ثمّ ينظر في قلبه فيجدُه حاضرًا فيه. حضورُه وكأنّه الغياب. حضور الله هو. حضور الله الذي وسِعَهُ هذا القلب فاختاره سكنًا بعد أن عجزت السّماء والأرض عن احتوائه.

ما أسهلَ الانقياد للفِكْرة، وما أصعب الاستسلام للمحبّة.

نَفَحاتٌ من قلبِ تجرُبتي الفَرديّة (بشّار)



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech