أنت الآن تقرأ في قسم: أديان, شاطئ الإستنارة

أوشو: لا لقاء بين العقل والحقيقة المُطْلَقة

أوشو: لا لقاء بين العقل والحقيقة المُطْلَقة

زهرةُ السّرّ الأزليّ لا تنبت إلّا في تربة اللّحظة الحاضرة. عِطْرُها لا يعرف له وجهةً سوى أبديّة اللّحظة الحاضرة يَهيم فيها ويَنْتَشي. المستقبلُ لا وجود له. تُرْبَتُهُ، بل حدائقه مجرّد صُوَرٍ باهِتة في كتابِ الأحلام.

وهذا السّرّ الأزليّ عِطْرٌ يَهيم في فضائكَ أنتَ قبل أيّ مكان إنْ كنتَ حاضرًا في قلبِ لحظتك. لا شيء لتزرعه، لا شيء لتحصده، ولا شيء لتبحث عنه أو تنشُده.

اِفْهَمْ أنّ العقلَ آلةٌ ترغب. العقلُ لا يستلقي سوى على سرير الرّغبات قاضيًا أوقاته في البحث، طرح الأسئلة والتّنقُّل بين المعتقدات والنّظريّات. والرّغبات لا مكان يأويها سوى المستقبل. لذا فالعقل يجهلُ عُنوان اللّحظة الحاضرة ويستحيل عليه أن يهتديَ إلى بابِ محرابها.

في محراب اللّحظة الحاضرة لا مكان، لا مساحة ولا زمان. كيف سيتحرّك العقل؟ أين فضاء حركته؟ أين ماضيه ومستقبله؟

والسّرّ الأزليّ الأبديّ بخورٌ يَعْبقُ في محراب هذه اللّحظة. لذا يستحيل أن يحدثَ اللّقاء بين عقلٍ وإلهيّ حقيقيّ أزليّ أبديّ.

مُشكلةُ مَن يَنوي أن يأويَ إلى أحضان السّرّ الرّحيم القديم ويذوبَ في عذوبةِ ألوهيّةٍ حضورها مَحَبّة، هي استخدامه للعقل أداةً لبحثٍ ومعرفة. الحقيقةُ الإلهيّة المُجَرَّدة بخورٌ يعبق في محراب اللّحظة الحاضرة، والعقلُ الجاهلُ بدربٍ لا خارطة له وعُنوانٍ لا مكان له، يحاولُ تعَرُّفَ هذه الحقيقة والبحثَ عنها.

كيف سيبحثُ عن دربها الذي لا خارطة له؟

أين سيجدها ومحرابها لا عنوان له؟

وجودُها لا يكشفُ عن جلالِهِ إلّا هنا والآن. اللّحظةُ الحاضرة هي لها بمثابة اللّامكان واللّاعُنوان.

يقولُ المستنير لاوتسو: “اِبْحثْ ولن تجد ما تبحث عنه. توقّفْ عن البحث تَجِد ما تبحث عنه”.

جميعُ التّقنيّات لن تساعدَكَ حتّى تجدَ شيئًا. عمَلُها أن تُرشِدَكَ إلى اللّحظةِ الحاضرة. لحظةٌ اختبأ السّرّ العتيق في رحمها، وأنت مُصِرٌّ على البحث عنه خارجها.

عمَلُ التّقنيّات هو دعوتُكَ لتنزلَ عن حصانٍ تمتطيهِ باحثًا في كلّ ركنٍ وشارع، وتعودَ إلى بيتك وتسترخي فوق سرير اللّحظة الحاضرة.

والأمرُ ليس سهلًا. فعقلُكَ قادرٌ على تحويل الاسترخاء الذي تتخلّى بين أحضانه عن البحث، هدفًا جديدًا وبحثًا من نوعٍ خاصّ. عقلُكَ قادرٌ على تحويل اللّارغبة رغبةً يلمحها بين ظلاله.

والنّاس تقضي حيواتها تتمزّقُ بين عقلٍ رغْبته البحث عن غنائم دُنيويّة، وعقلٍ رغبته البحث عن مكاسِب روحيّة. كلّ مَكْسَبٍ هو دُنيَويّ، وكُلّ مَغنَمٍ ليس سوى خدعة مادّيّة من العقل.

في عالَم الرّوح، في عالَم الصّفاء والصّمت والسّكون، لا مَكْسَب ولا مَغْنَم ولا بحث. كلُّ ما تبحثُ عنه سيكون في الدُّنيا حتّى وإنْ أخبركَ عقلُكَ بأنّه روحيّ.

إلهُكَ الذي تبحث عنه هو جُزءٌ من الدُّنيا.

استنارتُكَ التي تبحثُ عنها هي جُزءٌ من الدّنيا.

كلّ بحثٍ، وكلّ رغبةٍ نهرٌ يصبُّ في بحر الدُّنيا.

هذا الحالُ العَسير الذي يصعُبُ فَهْمُهُ على العقول، كان سببًا في أنّ بوذا، لاوتسو وكريشنا، أعطوا تقنيّاتٍ كانوا يُمَهّدون لها بشَرْحٍ لعُلومِها وطرائق عمَلها. التّفَرُّد كان من نصيب شيفا الذي كان يُعطي التّقنيّات مباشرةً دون أيّ تمهيدٍ ذهنيّ، فقد كان عليمًا بقدرة العقل على الخداع. كان عليمًا بأنّ العقل هو الآلة الأكثر مَكْرًا في الوجود. كان عليمًا بأنّ العقلَ قادرٌ على تحويل أيّ شيءٍ مُشكلةً وبحثًا وسؤالًا.

بعضُ النّاس يأتون إليَّ طالبين أن أعلّمَهُم التّوقّف عن الرّغبة. لا بدّ وأنّهم سمِعوا ثرثراتٍ روحيّة جرَت ضمن محادثاتٍ عقليّة قام بها البعض، ففهموا أنّ اللّارغبة تبلغُ بصاحبها شواطىء النّعمة والتّحرُّر الأخير، وحوَّلوا اللّارغبة إلى رغبة. عقولهم تقوم بخداعهم. في جعابهم خدع وألعاب. لا يزالون عالقين في فخّ الرّغبة. والرّغبات الرّوحيّة أكثر مَكرًا وخداعًا من الرّغبات الدّنيويّة.

الفنُّ برُمّته إذًا محصورٌ بأنْ تدخُلَ محراب اللّحظة الحاضرة، حيث يتوقّف العقل من تلقاء نفْسه بتوقُّف الأفكار عن الحركة إذ لا مساحة ولا زمان ولا مكان.

السّؤال الرّوحيّ الوحيد إذًا هو: كيف أدخل محراب اللّحظة الحاضرة؟ كيف أكون الآن وهُنا؟ لكنّ الإجابة الحقيقيّة ستكون: لا محاولة، لا بحث، لا تحضير، ولا تفكير.

الإجابة الأمثل هي التي قدّمها شيفا. شيفا لا يتكلّم ولا يشرح، بل يُعطيكَ تقنيّة. التّقنيّة هي الإجابة.

بينما تقوم بالتّقنيّة تجد نفْسك فجأة داخل محراب اللّحظة الحاضرة. وبين أحضان اللّحظة الحاضرة تتنفّس بخور السّرّ الأزليّ الأبديّ، فيمتلىء به قلبك، يثمل به كيانك، وتخاطب ذكراه العتيقة فيك روحَك. فجأةً تُعاوِدُ استنارتُكَ زيارتَكَ، وفجأة يتجلّى التّحرّر الأخير.

أوشو المستنير الحبيب

احتفال من القلب



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech