أنت الآن تقرأ في قسم: أديان, شاطئ الإستنارة

أوشو،خطَوات العُروج إلى السرّ المَهيب-3-مَحَبّةُ العقل

أوشو،خطَوات العُروج إلى السرّ المَهيب-3-مَحَبّةُ العقل

لقراءة الجزء الأول هنا

لقراءة الجزء الثاني هنا

 

 

حالما تفرِدُ شراعَكَ وتُبحِرُ فتغوصُ في بحور ذاتك عميقاً…. بعيداً…، تكونُ من العقلِ اقترَبْت. واجِبُكَ أن تُهدي العقلَ مَحَبَّةً ناشِداً صداقته وموَدَّته. منذُ أبصَرَت عيناكَ النّورَ عندما زُرْتَ هذه الحياة ما تَنَزَّهْتَ سوى على طرُقاتِ الجسد والعقل وشوارعهما، داخل حقولهما وأوديتهما، فإنْ شِئْتَ الإبحارَ بسفينةِ وعيكَ عميقاً جداً أعلى وأبعد وأخفى من كلاهما، ما عليكَ سوى استخدامهما. لكنَّ الهَجَمات التي قصَدَت العقل تجاوَزَت تلك التي أصابَت الجسد.

مدارسٌ روحية شتّى جعلَت العقلَ هدفاً لهجماتها. افرِد جناحَيْكَ وحَلِّق بعيداً عن أراضي العَداءِ هذه. إنّ العقلَ قوّة، وهو مثل غيره من القِوى…. هو قوة قدسية. العقلُ قوة أثيرية خفيّة سامية في معدنها الذي صيغَت منه. غباءٌ شديدٌ منكَ أن تُعادي العقل وتدينه، تُوَبِّخه وتُسيء معاملته…. غباءٌ هوَ محفوفٌ بعواقبٍ وخيمة. مُهِمٌّ لنا أن نعي بأنّ إنسان اليوم برُغمِ ما وصلَ إليهِ من تطوُّرٍ طاولَ مجالاتٍ عِدّة، إلا أنه ما عرِفَ إلى الآن جميع أسرار العقل وقدراته وخفاياه، وما عرِفَ كذلك فنّ استعمال هذه القوة الذهنية.

حالُ العقلِ في هذا الزمان كما حالُ الكهرباء في عصورٍ خَلَت في قديمِ الزمان. ما كانت الكهرباء في ماضي الزمان سوى أداة مُدَمِّرة، ولكنها اليوم رفيقة وصديقة مشاريع الإبداع الهائلة. إنّ بلوغ الإنسان زمناً يفهَم فيه ويُقَدِّر ويَعي معنى قدراته وقِواه الذهنية بكَمالِها وتمامِها، سوف يفتح بوابة الزمان ليتراءى أمامنا زمنٌ ذهبيٌّ تُداعِبُ نسائمُهُ لحظاتٍ مُبارَكة بديعة ما عرِفَها تاريخ البشرية أبداً. العقلُ إناء قُدراتٍ لا حدود لها.

أولئك الذين يتخذون من عقولهم موقفَ العَداء يدخلونَ صِراعاً مريراً مع قدُراتهم فيزحَفون نحو هاوية الهلاك. هؤلاء قد أزعَجَتْهُم تقَلُّبات العقل وتبَدُّل أحوالهِ، لكن أليسَ تقلُّب الأحوال وعدم دوام الحال برمزٍ من رموز الحياة؟ هؤلاء يبتَغون للعقلِ بلادَةً وكَسَلاً. ولكنّ سلام النّفس وصفاءها لن يكون وليد عقلٍ كسولٍ بليدٍ يوماً. هو سلام الوَهم والحلم. بلادة العقل هي للنّفس دمار. سلامٌ وليدُ إسكات العقل بالعنفِ والإجبار، سلامُ العقلِ البليد ليس سوى موت يتظاهر بأنه السلام، يرتدي قناع السلام…. انزَع القناع عن وَجهه ولسوف ترى سكوت أسى المقابِر ينوحُ فيه. ضجيجُ الحياة وصخَبها وتقلُّب أحوالها لهوَ أفضلُ وأرفعُ شأناً من سكوت وموت المقابِر هذا. ما مِن ثمارٍ صالِحة تُجنى جرّاء كَبت العقل وإجباره على السكوت.

هو السَّلامُ، هو شلال الصفاء الصامت ذلك الذي يولَدُ وينمو بنَفْسِهِ دون فَرضٍ ولا إجبار، عندما تفهم ما هو العقل، هو هذا السَّلام يزورنا حاملاً هدايا ثمينات وكنوز قَيِّمات نتشرَّفُ بزيارتهِ وحُضوره. هو هذا السَّلام الوحيد القادر على حَمْلِنا، والتحليق بنا نحو سماواتٍ عِظام تليها سماوات حتى نتجاوز القِمَم والسماوات. سكوت الموت هو للانغماسِ في الماديات درب، هو تدَحرج في قلبِ حُفَر التعلقات الأرضية، لا تحليق ولا عروج نحو الألوهية. أهَمُّ الخطَواتِ أن نحظى بسُكونٍ حَيّ وصمْتٍ ينبضُ قلبُهُ بمصدر الحياة. وحدهُ ما هوَ حيّ يتحوَّلُ جناحاً لنا يُحَلِّقُ عالياً ويرفعنا ويبلُغُ بنا مصدَر وأصل الحياة.

وإني أرفُضُ أيّ محاولة هدفها إسكات العقل وإخماده بالمجهود والإجبار ابتغاء السّلام. إيّاك والغرَق في الآسِنِ والملوَّثِ من مثلِ هذه المُستَنقَعات. إني أبتغي فيكَ عقلاً حَيّاً تتناثَرُ من سماءِ حيويته فوق أرضِهِ الحَيّة أزهارُ السّلامِ والصّفاء. وإني أوَدُّ منكَ أن تمنَحَ العقلَ هديّة شُكرٍ وامتنان لأنه لولا تقَلُّب أحواله وعدَم ثباتِ حالِه وتغَيُّر مواقِفه وآرائه لظلَّ صاحِبُ الجَشع يدور ويدور بحثاً عن أداة جشعه وطمَعه، ولظَلَّ مَن لبَّدَت سماءَ رؤيته غيوم الوَهم والسَّراب يحومُ بَحثاً عن أشباح وَهمه مُلاحقاً لها، ولظَلَّ مَن لا يرى من الحياةِ سوى شهوات، يبحثُ عن إشباع شتّى أنواع الشهوات. حينها تُغلَقُ بوابات العبور إلى اللهِ إلى الأبد. ولأنّ العقلَ لا يهدأ ولا يرتاح، تتبَدَّلُ آلِهَتك ومصادِر عبادتك ووجهتك ورؤيتك، وتستمر الحكاية دون أن تبقى على حال. تستمرُّ الحكاية وتستمرّ أنت في الترحال.

 

11182643_944651768888203_435777575356089046_o 

وما تقَلُّب العقل وعدَم ثباتِه على حال سوى أنه ليس بواجِدٍ لمكانٍ يليقُ به يجلسُ فيه وإلى الأبد يَعْتَلي عرشه. دَورُكَ أنْ تجِدَ للعقلِ عَرشاً يُكَرِّمُ مقامَه ويَليقُ بكرامته. ولكنك تُخَطِّطُ لِشَنِّ حربٍ على العقل تُجبِرُه فيها على الخضوع والاستسلام. أرض الحرب والقتال؟ هل تظُنّ في قرارة نفسك بأن ساحات الحرب هي المكان الذي يرتضي العقلُ العيْشَ فيه؟ ألا تخجَل من دَعوتك لعقلكَ حتى يلتقيكَ في هكذا ساحات؟ لن يجلسَ العقل في هكذا مكان ولن يهدأ. إنّ العقلَ لن يهدأ ولن يجلسَ في مكانٍ سوى في قلبِ الله. هي هِبَة العقل وهديته لك…. مُنتهى السَّخاء. وحده الله مَخدع الراحة يأوي إليه العقل فيسترخي ويهدأ ويرتاح….، راحة أبدية.

 

 

بعضُ النّاس يقولُون أنّ تركيز العقل وتَوجيهه هو أمرٌ ضروريّ لأجل بلوغِ الروح الكُليّة، لأجل تجَلّي الروح العُليا، الأسمى. لكني أقولُ لكم بأنّ العقلَ يدخلُ محراب التركيز ويسكنُ معبَد التوَجُّه للحَضرة الحاضِرة ما إن تبلُغوا الروح العُليا، الروح الأسمى، الروح الكليّة. إنّ العقلَ يُهَروِلُ ويدورُ في كلِّ اتجاهٍ بَحثاً عن مصدر النور، وفي النور للعقلِ نعمة ومتعة.

العقلُ يأبى السَّكَنَ في منازِلِ البؤسِ والألَم فتراهُ يفِرُّ من أماكن هجَرَتها النعمة وغابَت عنها اللذة ولا يحتمل لنفْسِهِ بداخلها بقاء. هكذا يُمَنّي العقلُ نفْسَه بأنه واجِدٌ سعادته في هذا المكان. يقصِدُ المكان بحثاً عن لذّته ومتعته، يدخلُ المكان ويخرجُ منه في آنْ. لا يدومُ البقاء ولا يتمّ بينه وبين متعته اللقاء. سُرعانَ ما يكتشفُ العقلُ أنه أسيرُ أوهام. وتظلُّ عجَلة خيبة الأمل في دوران. العقلُ تيارٌ يجري باحثاً عن بَحر المتعة يَسكُبَ ذاته فيه. يسري ويسكُبُ ذاته في بحرٍ تجَلَّت المتعة واللذة بين أمواجِهِ ومَضاتٍ ولمَحات. ما إنْ تتكَسَّرُ اللذة على الشاطىء وتكشِفُ أنها ما كانت سوى أوهام، حتى يفِرّ العقلُ ويهجُر البحرَ ويبدأ رحلة بحثه من جديد. في يومٍ من الأيام، عندما يُلاقي العقلُ وتتراءى له لمحاتٌ تزوره من الغيْب، من مخدع الأبدية ومحرابها، لمحاتٌ لن ترحلَ أبداً، لمحاتُ اللذة الحقيقية التي تدومُ بلا انقطاع… عندما يُلاقي العقلُ هكذا لمحات، يضع فكرة الهرب في كتاب النسيان… يهجرُها… يُسَلِّمُ ويستسلمُ… يُسكَبُ فيه اطمئنان… ينعمُ بالاكتفاء والأمان… يعُمُّ الصّمت المُطلَق أرجاء الكيان.

 

 

لن أنصحكَ بإجبارِ العقلِ حتى يلتزِمَ الصمتَ والسكون. صمتٌ مَفروض يُساوي بلادة وكسَل وجمود. صمتٌ مفروض هو عن الحقيقةِ الأسمى ابتعاد… ليس معنى أن ينعمَ العقلُ بالصّمت والسكون حالما يبلُغ صاحبه الروح الكلية، أنْ تبدأ من النهاية وتحاول إجبار العقل على التستُّرِ برداءِ الصّمت ظَنّاً منكَ أنك تقودُ نفْسك إلى الروح، إلى الألوهية. أنتَ إذاً كمَن يضع العربة في وجه الحصان لا خلْفه.

وإنّ إغلاق العيون لا يعني إنغماساً في النوم رغم أنّ العيونَ تُغلَقُ من تلقاء نفسها عندما تغُطُّ أنت في النّوم.

نصيحتي لكَ أن تُوَجِّهَ عقلك اتجاه حدائقَ يعبَقُ فيها عطرُ اللذة… عطرٌ وَقْعهُ على نفْسِكَ كما وقعُ عبير الورود على القلوب… وجِّه عقلك اتجاه حدائق ينتشر في أرجائها عطرُ اللذة ويسود. رافِق العقل وارتحل معه رويداً رويداً، أمسِك بيدِهِ برفْقٍ ومحبة وانشُدا سوياً دار السعادة الحقيقية. وجِّه عينَي قلبك إلى محرابٍ تسكنُهُ السعادةُ الأبدية وكُن أكيداً أن عقلك سوف يغدو تابعاً لك. لكن إيّاكَ واستخدام القوة والفرض والإجبار، حتى دون وعيٍ منك.

إكراهُ العقلِ لا يُوَلِّدُ بداخلهِ سوى مقاومة تُخالِفُ توقّعاتك وأمنياتك. هكذا تتحوّلُ ممنوعاتك ومكبوتاتك وتابوهاتك ومُحَرَّماتك قوة جاذبة  ودعوة إغواء تُسَبِّبُ هوَساً لعقلك. إنك وإنْ أبديْتَ رغبَةً في قَمْعِ ما يُبدي العقلُ اهتماماً بالقيامِ به، تجدُ العقلَ يتشوَّقُ للقيامِ بما ابتغيْتَ منْعهِ عن القيامِ به مع المزيد من الشَّرَه والطّمَع والجشع. هكذا أمر ليس سوى الطبيعة والفطرة. جَهلُكَ لهذه الطبيعة وهذه الفطرة هو مَن يودي بكَ حتى تزورَ أودية تختفي الراحة في جنَباتها ويتردد فيها صدى المعاناة. أهمُّ ما تعيهِ هو أنّ عقلكَ ليسَ عدُوّك. لا تكبِت ميوله وغرائزه الطبيعية، وإنما قُم بتوجيهها صديقاً لها حتى تقودها برفقٍ ومحبة، بلُطفٍ وفَهمٍ وموَدّة إلى دار السعادة الحقيقية. هكذا تصحو ميوله وغرائزه لتسمو وتُحَلِّق في سماواتٍ قُدِّر لها التحليق فيها. لا بديلَ عن المحبة. إنك لن تدخُلَ قلبَ إنسان أو كيان والكرهُ يسكنك. وَحدها المحبة تُدخِلُكَ القلوب، تُسكِنُكَ معابدها فتُرَحِّبُ فيك. استحالةٌ علينا أن ننامَ براحةٍ واطمئنان في محرابِ قلوب مَن نكْرَه لأنهم لن يسمحوا لنا بالدخول أبداً. أولئك الذين ننعَتُهم بالأعداء. إننا لن نسكُن سوى قلوب مَن نُحِبّ. فإنْ كنتَ إلى الإسترخاءِ داخل معبدِ عقلك الساكن الصافي، تَوّاق، للإستلقاء فوقَ سريرِ الصّمت والسّكون، عليكَ أن تُحِبَّ عقلك. الحبُّ جِسرٌ تعبُرُ عليهُ فتُحَقِّق النَّصر.

 

 

القاعدة الذهبية الأولى إذاً، جِسرُ الوَصْل الأوّل إذاً، هو مَحَبَّتُنا لأنفسنا. دَعونا نُحَوِّلَ أنفسنا خيميائياً داخلياً ونسمو بها. دَعونا لا نقمَع ولا نكبِت أنفسنا. دعونا نُوَدِّع انفصام الشخصية وحَرب القِسمة الداخلية إلى الأبد. دَعونا نُوَحِّدُ آلات العزف الجسدية والنفسية فتغدو أوركسترا واحدة متناغمة يُوَحِّدُ الحُبّ لَحنها وعَزفها. ذاتٌ مُوَحَّدة، ذاتٌ مُكَرَّمة على ميعادِ ولادةٍ جليلةٍ فيكم إنْ امتلأَ الفَردُ منكم بالمحبة وفاض. محبةٌ لمَا يكون دون افتراض كيف يجب أن يكون. محبةٌ لمَن يكون كما هو، صالحٌ أم طالح…. إنْ اختفى افتراءُ الفَرد منكم على نفْسِه وتلاشى كُرهه لها من داخل عقلِهِ… إنْ امتنعَ كلُّ فردٍ منكم عن معاداتهِ لنفْسِهِ سواء أكانت نبيلة أم وضيعة، وبدلاً من كلِّ هذا وقعَ في حبِّ نفْسِهِ كما هي. هكذا تولَدُ الذات المُكَرَّمة… هي وليدة هذا الحبّ السامي الذي لا يعرفُ الشروط. والذات المُكَرَّمة هي الذات المُوَحَّدة يجمعُ الحبّ أجزاءها ويُلَمْلِمها ويحتضنُها. هي ذاتٌ تُعانِقُ قوَّةً بديعة مُنيرة مُضيئة قادرة على تحويلكم. كونوا كوكباً واحِداً من داخلكم لا يعرف سوى لغة الوئام والسلام. لا تَرضوا بأن تكونوا أجزاءًا مُبعثَرة مُشَتّتة هنا وهناك. دعوا سلاماً كالنسيمِ يأتيكُم زائراً بعد أن تَروي المحبة نفوسكم، فيُوَحِّدُ عوالِمَكم داخلكم. وحدهُ مَن أحَبَّ نفْسَهُ ورفَقَ بها، يعزِفُ سيمفونية التحَوُّل الداخلي فيُحَوِّلَ نفْسه ويعْرُجُ بها.

 

ونتابع الحَضرة في الجزء المقبل.

أوشو المستنير الحبيب

احتفال من قلب وحال بشارعبدالله – صورة أوشو الحبيب رسَمَتها من القلب وأبعَد، صديقةُ الدرب أشواق صيود



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech