أنت الآن تقرأ في قسم: أديان, شاطئ الإستنارة

أوشو،خطَوات العُروج إلى السرّ المَهيب-2-مَحبّة الجسد

أوشو،خطَوات العُروج إلى السرّ المَهيب-2-مَحبّة الجسد

امنَحوا أجسادَكم فَيضاً من المحبة…. امنحوها ما يَسقيها إكسيرَ الحياة. هكذا تستيقظ قدراتها وإمكاناتها من سُباتِها ورُقادِها…. بعد نومٍ طويل. لكن تذكَّروا بأنّ كِلا المُنغَمِس في أودية شهواته السّالِك لدروبٍ جداً مُظلِمة وليلها حالِك، وذلك المُمتَنِع عن الإقتراب من شهواته وحاجاته، ذلك المُستَمِرّ في كبْتِ نفْسه وقَمْعِها وجَلْدِها، كلاهُما لا يُحِبّانِ جسدَيهما، كلاهُما لا يعرف لغة المحبة. كلاهُما يُعَذِّبُ جسده. وتعذيب الجسد تحت أيِّ شعارٍ كان، يُسِرُّ ويُفصِحُ عن عقلية مريضة مُتهالِكة. يُفصِحُ عن قابِليَّتنا حتى نخضع للتعذيب تحت وَطأة ضَعْفَيْن عقليَّين، أحدهما انغماسٌ في الشهوات والماديات ليلاً نهاراً دون أدنى وعي أو مسؤولية، والآخر هرب من الشهوات والاحتياجات وإدانة لها ونُكران. لأجل هذا السبب، كثيراً ما ينقلبُ حالُ المُنغَمِس في ملذات الدنيا إلى نقيضِه فجأة فيَدين الدنيا وملذاتها، يرفضها ويكتَسي برداء التديُّن المنافِق. النَّقيضان يحويان مَرَضاً. لا شيء يُقارَن بالتحليق في الوسط، في تجاوُز النقيضيْن حيث لا هنا ولا هناك. لكن ما مِن أحَدٍ يُحَلِّقُ في الوسَط لأنّ سهولة القفزِ من نقيضٍ إلى نقيضٍ مُعاكِس، من مرضٍ إلى آخر ليس لها مثيل، وقد عَزَّز رجال الدين ودُعاة الأخلاق المَرضى عقلياً هكذا أفكار مريضة في عقول البشر. قد كانت هذه تعاليمهم على مرّ العصور: الجسد عدُوُّنا، علينا أن نحارِبَه ونجابِهه ونقيّده. نتيجة هذه التعاليم المُهلِكة ما عادَ للدين والتقوى دَوْر سوى هوَسِهما بالجسد. والحقيقة تبوحُ منذ الأزل بأنكم وإنْ ابتغَيْتُم لأنفسكم تحليقاً بعيداً عن الجسد، صعوداً وعروجاً بعيداً عن الجسد، فلا تُحاربوه ولا تُعادوه. أحِبّوه وتوَدَّدوا له طالبين صداقته. الجسد ليس بعَدُوٍّ لنا. الجسدُ أداةُ إبداعٍ مُدهشة في انتظار استخدامنا لها. أنتم مَن يتوَجَّبُ عليه مَدّ يديّ الصّداقة نحو ذلك الذي ينوي استخدامه. مهمٌّ جداً وقبل أيّ شيء أن تمدّوا يداً صديقة نحو أجسادكم التي هي بمثابة عيِّنة ونفحة خلابة من شفافية الله كحِرَفيٍّ ماهِر.

أجسادُكم سُلَّم تكتَنِزُه أسرارٌ وأسرار من شأنها أن تعرُجَ بكم إلى الروح الكلية، الروح المقدسة الأعلى. كَم هو مجنون ذلك الذي يدخُلُ في صراعٍ مع سُلَّم الأسرار بدلاً من تسلُّقِ دَرْجاتِه. لكنّ دُعاة الأخلاق الفاسدين يحيطون بنا من كلِّ جانب. احذروا منهم. صعبٌ عليكم تقدير مدى الخراب الذي يُحدِثُه وجود هؤلاء الأناس المجانين من حولكم. أنتم لا تعرفون ولا تعون بَعدْ آلاف الأسرار المُختبئة داخل أجسادكم والتي أنعَمَ الوجود عليكم بها. متى ما تعلَّم الإنسان وتعرَّف حقيقة جميع الأسرار المُشِعّة كنزاً ثميناً داخل جسده، عندها يُمسِكُ بمفتاحٍ يفتَحُ باباً سرمدياً يُطِلُّ منه على خفايا الروح الكُلية الأبدية التي لا نهاية لها. كم هو صغير هذا الجسد، لكن يا لكَمّ الأسرار المُذهلة التي انطوَت فيه. العقلُ مُختبىء داخل الجسد، والروحُ مُختبئة داخل العقل، والروح الكُليّة الأعلى مختبئة داخل الروح.

 

 

osho416

حكيمٌ كان على موعدٍ مع الموت. جمعَ حوله طُلابه ومُحبّيه فشكرَهُم ثم وقفَ وأسرَّ بمُناجاته قائلاً: “آهٍ جسدي الحبيب، أنت مَن إلى اللهِ أوصَلني. شكراً لك. ما قدَّمْتُ لك شيئاً بل عَرَّضْتكَ لألمٍ ومعاناة. أخَذْتُ منك الكثير وما أعطيْتُك في المقابلِ شيئاً. إني مَدينٌ لكَ بالكثير الكثير حيثُ لا منتهى لما أهدَيتَني وقَدَّمْتَ لي. إني طالِبٌ عَفوَك وسماحَك في لحظةِ الوداعِ هذه”.

 

 

عليكم أن تنظروا بهذه الطريقة إلى أجسادِكم. أنظروا لها بعينِ الامتنان، بعينِ المحبة المتوهّجة. وإنّ كلمات الحكيم حين قالَ “آهٍ جسدي الحبيب” تُنَزِّلُ وتسكُبُ في كياني نعمةً مُذهلةً، أفلا يُوقِظُ هكذا فَهم رحيم نوراً راقِداً في حنايا قلوبكم؟ هل لي أن أسألَكُم ما إذا ملَكْتُم وَقتاً نظَرْتُم فيه إلى أجسادكم يوماً والمحبة الرحيمة مُندَفِقة اتجاهه مثل شلال نور؟ هل أحسَسْتُم بالنعمة والبركة تتنَزَّلُ عليكم وتنسَكِبُ في قلوبكم عندما تتفَكَّروا بأفعاله التي يقومُ بها من أجلِكم وخدَماته التي يُقَدّمها لكم؟ هل عَبَّرتُم لأجسادكم يوماً عن امتنانكم وشُكرِكم؟ وإنْ لم تُعَبِّروا لها أبداً، فيا لِعَظَمَة نُكرانكم الجَميل. يا للفظاظة التي لا تَليق. يا لإثمِكُم الرهيب.

 

 

على موقفِكم من الجسد أن يكونَ موقفاً يكسوه الفَهم الرحيم العميق. عليكم أن تمتَلِكوا ما يكفي من العِرفانِ لأجلِ أن تَحْموا أجسادكم وتتقرّبوا منها كما الصديق والرفيق. أجسادُنا رحّالةُ الدّرب والرحلة الطويلة معنا، تؤازِرُنا وتسانِدُنا في رحلةِ العُروج مشارِكَةً إيّانا أحزاننا وأفراحنا. أجسادنا أدواتنا، وسيلتنا وسُلَّم ارتقائنا.

 

 

وما العدائية اتجاه الجسد، وما تعذيب الجسد وكَبْته وحِرمانه سوى ردّة فِعل الضُّعفاء العاجزين. وما الفشل وعدم الرضى والإكتفاء وخيبة الأمل سوى مُحَصِّلَة دخول عالم المُتَع الحسية دون وعيٍ أو مسؤولية. هكذا وَجَّهنا اللّومَ على هذا الجسد البريء ونَسَبْنا إليهِ انحرافات النّفْس نفْسها. وهل رؤيتكم لثروة أحدهم وولادة الطَّمَع بداخلكم تقودُكم إلى إغلاق أعيُنكم للأبد والإستغناء عنها؟ ما هذا سوى جنون لأنّ العيون لم ولن تسألكم عن الطّمع يوماً، ولن تحُضَّكم عليه أبداً. هكذا جسدكم ليس سوى عبدكم. رحّالٌ على الدّرب يُرافقكم. أينما شَدَدْتُم الرِّحالَ وارتَحَلْتُم تجدونه يرافقكم أينما ذهبتُم. حتى وإنْ طلَبتُم منه الذهاب إلى الجحيم أو إلى النعيم فهو ذاهبٌ معكم أينما قَصَدْتُم. الحكاية ليست حكاية أجسادكم إذاً، بل حكاية مشيئتكم أنتم. الجسدُ يجري خلف إرادتكم أنتم. وإنكم ترتكبون خطأً فادِحاً إنْ أنتم عذَّبتُم أجسادكم ودمَّرتموها بدلاً من تبديل وتحويل إرادتكم. هذا عنفٌ لا أرضاه أبداً لكم. أحِبّوا أنفسكم فما من شيءٍ أكثر حماقة من إعلانكم الحرب ضدَّكم، على أنفسكم. محبّة النّفس التي أدعو لها تجهَلُ عنوانَ الغرور وتعزيز الأنا تماماً. إنّ المغرور لا يعرف لغة الحب أصلاً. يَجهَلُ كيف يهتدي سُبُلَ محبَّته لنفْسه. هو المغرور صاحبُ الأنا ذلك الذي ينغمِسُ في تعذيبِ نفْسه، في فَرضِ العنف على نفْسه على أمَل أن يكونَ مُحترماً مُقَدَّساً في مجتمعه. تعذيبه وكَبْته لنفْسه هو غذاء الأنا وطعامها.

 

 

حَرِّروا أنفسكم من كلِّ إرادةٍ مريضة اتجاه أجسادكم. الجسدُ مجرد وسيط ولا يأخذُ أحد كي يبلُغ بهِ أيّ مكان. أنظروا إليه دون أحكام مُسبَقة، دون شروط وقيود لتجدوا قلوبكم وقد امتلأت امتناناً وفاضَ كأسُها محبّةً نحو خدماتٍ صامتة يُهديكم الجسد إياها. الجسد ليس سوى الخطوة الأولى. إنه أول خطوة على درب رحلة الحبّ والمعراج نحو البقاء.

 

 

ونتابع الحَضرة في الجزء المقبل.

أوشو المستنير الحبيب

احتفال من قلب وحال بشار



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech