أنت الآن تقرأ في قسم: إنسان, جسد / فكر

ميتشيو كوتشي، تدبير الغذاء اليومي

ميتشيو كوتشي، تدبير الغذاء اليومي

مع تقدم الزمن, يتغير نمط غذائنا. إذ أننا لن نستطيع أن نأكل بنفس الطريقة التي كنا نأكل فيها عندما كنّا صغاراً، لأننا سنمر بعدة مراحل من النمو خلال وجودنا هذا. لذا, ومع رحلة العودة, يجب علينا المرور بجميع  هذه المراحل السابقة, لإعادة إختبار وتوحيد أنفسنا مع كل مرحلة على حدة من خلال اتباع أساليب مختلفة في تناول الأطعمة.

 

إن حياتنا مؤلفة من عدة مراحل, نعبر مرحلة ما بنجاح, لننتقل الى مرحلة أكثر منها تقدماً, حيث ينعكس أسلوب غذائنا على كل هذه التحولات. فإذا لم نتغذَّ بهذه الطريقة, عندها سيتباطأ تطورنا تدريجياً أو من المحتمل أن نتوقف عندها.

 

عندما نصل إلى هذه الحياة كبويضة ملقحة, نمتص غذاءنا من دماء الأم, الذي هو جوهر العالم الحديث للحيوانات. وبعد الولادة, نتخرج من هذه المرحلة ونتقدم أكثر في العودة إلى ماضينا بتناولنا حليب أمنا, والذي يمثل البحر القديم حيثما كانت بداية الحياة. وبعدها بفترة قصيرة, نكون قد أعدنا تجربة كل مراحل تطورنا الحيواني, لنتجاوز معها مرحلة طعامنا الحيواني.

 

بالطبع, من المسموح أن نأكل بين حين وآخر بعض من لحم السمك الأبيض والمأكولات البحرية إذا سمحت حالتنا ونشاطنا بذلك, شرط أن تكون محضرة بطريقة صحية. ولكن إذا استمرينا بتناول الكثير من المأكولات الحيوانية بعد مرحلة الفطام والنمو, بما فيها المشتقات الحيوانية والبيض, الدجاج, واللحم، عندها لن يمكننا تجاوز هذا الجو المحدود. لهذا من الضروري الإبتعاد عن هذه الأطعمة والتركيز على النوعيات النباتية منها.

 

michio-kushi

لنعود الآن الى المرحلة النباتية من تطورنا. في عالم النباتات, هناك حبوب الحنطة التي تشكل الغذاء الأكثر تطوراً والتي تحتوي على كل الميكروزومات النباتية. كما أنها الأكثر طاقةً بين كل الأطعمة النباتية, فهي من أفضل الأطعمة التي يجب تناولها لنكمل معها رحلتنا الروحية. من المؤكد أن آكلي النباتات والفواكه يتمتعون بإمكانيات روحية أفضل من أكلة اللحوم, ولكنهم لن يستطيعوا التقدم أكثر من ذلك في العالم الروحي الأعلى إلا إذا اعتمدوا  غذاء الحنطة الكاملة في وجباتهم الرئيسية.

 

إننا ومن خلال تناولنا الحنطة كطعام أساسي, بدلاً من الحشائش والأوراق وأنواع الخضار الأخرى, سنتجاوز وندخل مرحلة النضج في الحياة البشرية. لنتطور بشكل أوسع, ولكن, يجب علينا الإستمرار بتقبل عوالم العناصر والجزيئات ما قبل الذرية, والتي يمكننا تسميتها بالطاقة البلازمية. لهذا, تم اكتشاف طرق صحيحة لفن الطبخ. فمن خلال عملية طبخ حبوب الحنطة – وخلطها على النار مع عناصر من الماء والمعادن – إستطعنا تقديم هذين العالميْن المهمّيْن من خلال وجبات تزيد من استيعابنا للتطور الروحي.

 

 

تظهر من خلال هذه النظرة العامة للتغذية والتي نسميها الماكروبيوتيك, بعض النقاط التي يجب علينا توخي الحذر والحرص عليها. بالنسبة للحنطة الكاملة, من الأفضل أكلها كاملةً بشكلها الطبيعي, بدلاً من طحنها. أما الأطعمة المطبوخة في الفرن, كالحلويات والخبز, فهي تُحَضَّر على درجة عالية من الحرارة بحيث تتسبب في إنكماش الطحين. إنّ الإكثار من تناولها يخلِّف ركوداً وانتفاخاً في المعدة والجسم, حيث يتضارب هذا الشعور مع الشفافية الروحية. إن حبة الحنطة الكاملة تحمل طاقةً غذائية أكبر بكثير من تلك المجروشة أو المطحونة.   

 

كما أنه من الضروري أن لا نستعمل الكثير من الزيت في الطبخ. إن جميع الزيوت, كالتي تُستَخرَج من السمسم أو الذرة تخسر فور استخراجها جزءاً مهماً من نوعيتها الغذائية. الزيت ليس طعاماً كاملاً أو متكاملأً. على سبيل المثال, إن الأرز يحتوي على زيوته الطبيعية, كما هو الحال مع الشوفان والقمح, ولكن بنسب قليلة. إن حبة السمسم الكاملة تحتوي على نوعية جيدة وعالية من الزيت. لهذا يمكن استعمال كمية قليلة من الزيت الطبيعي, المعصور على البارد, كزيت السمسم والذرة، في عملية الطبخ. أما إذا أكثرنا من تناوله, فسيكون وضعنا الجسدي محبطا, وحالتنا الروحية عاجزة عن استقبال طاقات نقية من الحياة. والشيء ذاته ينطبق على أنواع البذور والمكسرات. فالمكسرات بالذات تحتوي على نسبة عالية من الزيت والدهون, لذا من الأفضل تناولها بكميات معقولة.

 

توجد مسألة أخرى يجب علينا أن نتوخاها، وهي الملح. إن الأملاح والمعادن ضرورية في وجباتنا للحفاظ على صحة جيدة وتطور روحي. ففي كل الأحوال, إن ملح الطعام التجاري المكرر هو كناية عن تركيبة شبه كاملة للصوديوم كلورايد, ويجب استبدالها بملح بحري غير مكرر, والذي يحتوي على كمية أعلى من المعادن التي يحتاج إليها جسمنا. ولكن يجب الحذر أيضاً وتجنب الإكثار منه. فالكثير من الأطعمة الماكروبيوتكية التقليدية المحضرة تحتوي على الملح في عملية تخميرها, كالميزو, والتماري صويا صوص, وخوخ الأمبوشي, والخضار المخللة. إنّ عملية التخمير هي أكثر “ين”، لذلك نرى إتزاناً لوجود الملح فيها حيث يسهل أكلها كمواد مملحة. إن خوخ الأمبوشي مثلاً مثير للإهتمام – مع أنه كثير الملوحة, إلا أن له طعم حامض. لهذا, إن تأثيرها الكلي أكثر إتزاناً ولا تتسبب لنا بعطش شديد. كثير من التوابل الماكروبيوتيكية, كالغوماشو ومسحوق الطحالب البحرية مع السمسم, يُزاد الملح إلى مكوناتها لتكون أكثر إتزاناً وبحالة أفضل للإستعمال اليومي.

 

يمكننا من خلال هذه التوجيهات الغذائية, الحصول على مرونة قصوى وحرية روحية. ولكن تبقى مرحلتان يجب علينا تجاوزهما عندما نبلغ مرحلة النضوج. إن العملية التحولية والتطورية في نظام غذائنا ستواكبنا حتى آخر لحظة من حياتنا.

 

عندما نبلغ المرحلة ما قبل الذرية, نبدأ رحلة الإبتعاد عن العالم الفيزيائي والعودة إلى اللانهاية. لنستمر, يجب علينا الإتحاد مع العوالم الكبرى للذبذبات, والتموجات, والطاقة الإستقطابية الصافية, أو “الين واليانغ”.

 

يوجَد شكلان من التغذية في حياتنا: الشكل الجزئي, والشكل التموجي, وهي الأشكال الكونية لحياتنا المبكرة والتامة. ففي غذاء الأطفال التي تنمو, نأخذ بعين الإعتبار التركيبة الفيزيائية للأطعمة, كالمعادن, الكاربوهايدرات, والبروتين. يمكننا أن نشير إلى هذه المُركّبات الفيزيائية على أنها الشكل الجزئي للتغذية. فالتغذية الحديثة, المرتكزة على التحاليل البيوكيميائية, يمكن إتباعاها لتفهُّم مختلف أنواع الأطعمة في هذه المرحلة من الحياة. ولكن عندما ينمو الجسم, وفي كل حال من الأحوال, سيبدأ الجسد بالعمل أكثر كالمشيمة التي تغذي وعينا ونحن في بداية طريق النمو. في هذه المرحلة, تكون نظرتنا الجزئية للأطعمة بحكم المنتهية, حيث يجب علينا الدخول في الأطعمة ذات الشكل التموجي. إن النظريات العصرية للتغذية لا يمكنها شرح هذه الناحية الحيوية أو الروحية للأطعمة.

 

كنظام لتغذية الراشدين, يجب النظر الى الأطعمة التي تتمتع بنوعية عالية من الذبذبات, كالطاقة المكونة منها “ين – يانغ”، ومدى تأثيرها على طاقة جسدنا, وعينا, وروحيتنا. إن هذا النظام في التغذية هو من صُلب الأساليب والمعرفة الطبية التي كان يتبعها الهنود قديماً, الصينيون, الهنود الحمر, وغيرهم من أصحاب الثقافات التقليدية. فإذا أردنا تطوير وعينا الروحي, يجب علينا أن نتحسس نوعية تموجات وذبذبات هذه الأطعمة وتأثيرها على كياننا ككل.

 

عندما نبدأ بالتوجه الى طعام يتمتع بنوعية ذبذبية عالية, سنصبح تدريجياً أكثر حساسية للعالم الروحي. وسنبدأ بالتوحد مع هذا العالم الإستقطابي للطاقة والتغذية حسب حدسنا الواعي لتوازن “الين واليانغ”. وكلما تعمقنا في هذا المفهوم, سيتعمق إحساسنا أكثر وأكثر “للين واليانغ” في أطعمتنا, وستكون مقاربتنا للأطعمة وللعالم الفيزيائي أكثر علماً وأكثر سياديةً.

 

الكثير من الأساتذة الروحيين ينصحون بتناول كميات أقل من الطعام لتحفيز الوعي الروحي. فالسيد جورج أوشاوا مثلاً, ركز على المضغ الجيد – إمضغ الى أن يصبح الطعام سائلاً في فمك – كطريقة أساسية لعدم الإفراط في تناول الأطعمة. إذ أنه كلما تقدمنا في السن, تتضاءل كميات الأطعمة المتناولة نسبياً. وهذا لأننا سوف نعتمد أكثر وأكثر على الغذاء الذبذبي والذي مصدره العالم اللافيزيائي أساساً. فإذا حاولنا في الأيام الثلاثة القادمة أكل وجبتيْن صغيرتيْن في اليوم, على أن تتألف نصف هذه الوجبات من الحبوب – مع المضغ جيداً – سنشهد رقةً وشفافيةً في أحاسيسنا لعالم الذبذبات. في الندوات والمؤتمرات الروحية التي نعقدها في منتجعنا الجبلي بيركشاير, حيث نراقب هذه المكونات الغذائية للأطعمة التي نقدمها لعدة أيام وبعد عدة وجبات فقط, يلاحظ الكثيرون من المشاركين إزدياد نشاطهم وحساسيتهم للعالم الذبذبي. ستنقطع بعد الوفاة, بالطبع, إحتياجاتنا للأطعمة الفيزيائية بالكامل, وسنتغذى بالذبذبات وحدها. ولكن هنا, في هذه الحياة, من الضروري أن نكون أسياداً على أنفسنا، ومن العارفين في هذا العالم الفيزيائي بأصول التغذية، والتركيز على زيادة إستيعابنا الدائم للذبذبات من خلال التفكير والإنعكاسات, والدراسة والخبرة.

عالِم الماكروبيوتيك الروحي الكبير ميتشيو كوتشي



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech