أنت الآن تقرأ في قسم: أبعَد من الأبعاد, أكوان

ميتشيو كوتشي، الولادة في العالم الروحي

ميتشيو كوتشي، الولادة في العالم الروحي

عندما ينمو وعينا ويجود, سنولد مجدداً في عالم الذبذبات لنعيش حياة الذبذبات التموجية. فكما أن عالم الهواء أكبر من العالم المائي بملايين المرات – ويمكننا السفر والتنقل الى حيثما نريد في العالم الهوائي، فإن عالم الذبذبات والتموجات أكبر من العالم الهوائي ببلايين المرات.

 

مع حدوث الموت تنفصل الحياة البيولوجية الى فصلين. الفصل الأول, وهو هذا الجسد الذي يعود الى الأرض كالمشيمة, عندما ينتهي دورها  الأساسي كمغذّ. والفصل الثاني, والذي يمكننا الإحتكام اليه “كالجسد الطاقي” أو “الوعي” هو هذه الطاقة التي تنهض وتقوم من الموت, وهو هذا الجسد الروحي الذي سيكمل بقاءه في الحياة. في الشرق, يسمى العالم التالي “باليوكاي” أو العالم الروحي. ويسمى العالم المادي “بالجين-كاي” أو بالعالم الآني, المرئي والمحسوس والملموس. ففي العالم المادي نتعاطى بواسطة حواسنا الخمس. أما الحياة الروحية فتتألف من الذبذبات التموجية التي لا يمكننا فهمها بحواسنا الفيزيائية. إن جسدنا في الحياة التالية هو كناية عن كتلة من الطاقة, أو الجسد الطاقي.

 

 

إن العالم الفيزيائي مكوّن من ذبذبات مكثفة بقوة وهو شكل من أشكال الطاقة الكثيفة أو الروحية. ففي العالم التالي, حيث الطاقة أكثر “ين” أو منتشرة بشكل كبير, فإن الإمتداد الزمني لحياتنا أطول مما هو عليه الآن على الأرض. فإذا امتدت حياتنا إلى 80 سنة هنا على الأرض, ففي العالم التالي ستمتد لما بين 600 و 1000 سنة أرضية. النسبة هي 7 سنوات في العالم الروحي لكل سنة واحدة أرضية.

 

 

من خلال الفترة التي نعيشها على الأرض, بإمكاننا أن نكون واعين للعالم الروحي, ولكنه سيبدو لنا غامضاً وقليل الوضوح. ولكن عندما ننتقل إلى العالم الروحي, سنتمكن من فهم الوجود الفيزيائي ولكن فقط في شكله العام. علماً, أن الأمور في العالم التالي ستكون مختلفةً تماماً عما هي عليه الآن, إلا أننا سنظل أحياء وننعم بحياة لنا. إن العالم الفيزيائي والعالم الروحي هما وجهان لحقيقة واحدة. هما مختلفان ولكن كلّ منهما يكمل الآخر.

 

في الجسد الروحي, نلتقي أناساً عرفناهم خلال فترة حياتنا هذه, كالعائلة والأجداد والأصدقاء ولكن في حالتهم الروحية. بالطبع, ستكون علاقتنا بهم مختلفة, لأنه لن يكون لدينا جسد فيزيائي هناك.

 

 

إن هذا العالم الجديد مجزأ إلى جزئين:

 

1) المنطقة الداخلية.

2) والمنطقة الخارجية.

 

 

إنّ المنطقة الداخلية هي الجو الذبذبي التابع للأرض. إن الأرض تطوف حول الشمس, مولدةً طاقة منبعثة إلى الخارج. هذه الطاقة التي تصطدم بالطاقة الآتية من النظام الشمسي وتكوِّن جواً مكثفاً ومشحوناً بالذبذبات, وتسبب جواً من الإمتداد الخارجي المتصل بالكوكب الأرضي من الجهة الخلفية, والذي يمكن وصفه كالذّنَب الطويل اللاحق للأرض. وبما أنه أيضاً يتأثر بالرياح الشمسية المنبعثة إليه, يرتفع هذا الذّنَب قليلاً وينعكف على نحوٍ طفيفٍ إلى الأعلى. إن العلم الحديث يؤكد وجود هذا الحقل الإلكترومغناطيسي والذي يسمى بالجو-المغناطيسي للأرض.

 

وهذا الجو الذبذبي للأرض يمتد بشكل جزئي إلى العالم الروحي. أما المنطقة الخارجية من هذا العالم الخارجي فتمتد إلى النظام الشمسي بأكمله. إذ أنه (الجو الذبذبي) يطوّق الشمس والكواكب ويلف الفضاء الخارجي السابح بين تلك الكواكب, ليطوف بذبذباته ويصل إلى حقل المذنبات والذي هو أكبر بكثير من حقل الكواكب. إن انتقاله كناية عن طوفان لولبي هائل. إن هذا الجو الذبذبي للنظام الشمسي يتخذ شكل الكرة. فالجزء الفيزيائي منه أو المرئي هو الصميم. أما الباقي, فهو الجزء اللامرئي من الحقل الذبذبي الذي يغطي الجزء المرئي, أو ما يسمى بالهالة التي تشع من النظام الشمسي هذا. كلاهما معاً, يشكلان وجهيْن مختلفيْن ومكمليْن لوحدة حال كونية واحدة.

 

 

أما النظام الشمسي التالي فهو نظام “الفا – سينشوري” والذي يتضمن وحدة أخرى من الطاقة الذبذبية والفيزيائية. هذه الوحدة هي “العالم الروحي” لهذا النظام تحديداً. فإذا كان وعينا صافياً وناضجاً بما فيه الكفاية عند لحظة الموت, فسوف ننتقل بحرية وإرادة الى مستهل العالم التالي المؤلف من المزيد من العالم الفوري للذبذبات الذي يحيط بالجو الأرضي. وبعدها, ومع مرور الزمن, ننتقل إلى العالم الأوسع من الأجواء الذبذبية للنظام الشمسي, حيث نسبح بحرية وننعم بالحب والسلام في هذه المرحلة العظيمة من الحياة.

 

 

إن الجسد الفيزيائي مشحون بالطاقة السماوية والأرضية. يمكننا اعتباره كشكل مكثف من الطاقة, له كينونتة الروحية, حيث يتم شحن جسدنا الفيزيائي باستمرار من خلال المسارات الأساسية للمقامات السبعة التي تستمد طاقتها من هذا النظام الخفي للطاقة, والتي تشع من خلال المسارات الى روافد تصل الى كل عضو وكل خلية من جسم الإنسان. إن هذه العملية اللامرئية لا يمكن مشاهدتها بطريقة تلقائية, لذا تم التغاضي عنها من قبل العلم الحديث والطب. لطالما دلَّ عليها القدماء من خلال التركيبة الروحية للجسم. ولقد أطلقوا عليها اسمَ شجرة الحياة, لأنها تتألف من جذور وجذع وأغصان وأوراق. جذور هذه الشجرة الروحية هي الرأس الذي يتوسطه مركزياً مقام العقل. والمسار الرئيسي – المركزي يتمثل بالجذع, والمسارات بالأغصان, والخلايا بالأوراق. إن هذا الجسم اللامرئي يحمل إنفعالات وأفكار تكوِّن وعينا الفردي. وعندما نلاقي الموت, ينفصل هذا الشكل اللامرئي عن الشكل المرئي لينتقل الى عالم الذبذبات.

 

 

كما أن خبراتنا الحياتية ستؤثر أيضاً على نمو وتطور وعينا الفردي. فعندما نتقدم في العمر – وبعد عدة نجاحات وإخفاقات, أفراح وأتراح, تعقيدات وإنفراجات – سنفقد تدريجياً تعلقنا بكل ما هو مادي في هذا العالم, لأن تجارب الحياة ستمنحنا نضجاً أكبر كوعي, أو شعوراً بالإرتقاء فوق كل ما عايشناه واختبرناه خلال فترة حياتنا الأرضية. عندها, فإذا كانت حالتنا صحيحة وصحية نتيجةً للأكل الصحي والحركة المنتجة, ستكون أفكارنا مطمئنة وهادئة, وسوف نكون قادرين على مشاهدة ما هو أبعد من هذه الحياة وما وراء هذا الكون, وسيكون تمسكنا بهذه الدنيا أقلّ, وسيكون إستعدادنا أكبر وأكبر للولادة في العالم التالي.

 

 

إن طريقة دخولنا الى العالم التالي هي عكس الطريقة التي دخلنا منها  عالمنا هذا. فعندما ولدنا في هذا العالم, خرج رأسنا أولاً ومن ثم خرجت بقيّة أطراف جسدنا. ولكن عندما نولد في العالم التالي, فإن جسدنا الطاقي سيجمع نفسه باتجاه الرأس ليخرج وينفصل عن جسدنا الفيزيائي بالإتجاه العلوي. 

 

في ساعة الموت, تنسحب طاقة الحياة التي تغذي وتُحْيي كل خلية من جسمنا باتجاه نقاط الميريديان (المسارات)، فتتوقف كل الخلايا عن العمل. ثم تبدأ هذه الطاقة بالتجمع في المسار الرئيسي المركزي للمقامات السبعة, إلى أن يتوقف التدفق, حيث ينقطع بعدها شحن المقامات الموجودة في أسفل الجسم بالمزيد من الطاقة, فتبدأ بالإنسحاب التدريجي الى المقامات الأكثر علواً, حيث تغادر طاقة الحياة الجسم, إنطلاقاً من مؤخرة الرأس وصعوداً.

 

 

وأخيراً, يتم إنفصال الجسد الروحي عن الجسد الفيزيائي ويبدأ بالطوفان حوله, إذ يردد الكثير من الناس قول “لقد مات وأسلم الروح”. عندها, يتحرر الجسد الروحي, ويستطيع الفرد رؤية جسده من الأعلى. من الممكن مثلاً أن يرى جسده ممدداً على الفراش, محاطاً بالأقرباء والأصدقاء, فيحاول مخاطبتهم لإفهامهم أن كل شيء على أحسن ما يرام. ولكن, بما أنهم لا يزالون يعيشون في عالم الحواس الخمس, لن يكون باستطاعتهم الكشف أو التحقق من وجود جسد الفقيد الروحي, لأن جسده الآن لن يكون مكوَّناً من المادة, ولكن من الذبذبات.

 

 

من البديهي أن يكون الجسد الروحي موصولاً بالجسد الفيزيائي, كطائرة الورق الموصولة بحبلها. إن هذا الحبل الروحي “الذبذبي” يمكنه أن يطول آلاف الأميال. ولكن, كما يتم قطع الحبل السري عند الولادة, يتم فصل الحبل الروحي عند الموت. فالجسد الفزيائي هنا يتمثل بالمشيمة, إذ ينتهي دوره بالنسبة إلى الجسد الروحي, والحبل السري الذي يصل المشيمة بالجنين يتمثل بالميريديان (المسارات) التي تحوي وتوزع الطاقة الإلكترومغناطيسية على الجسم. إذا كانت الغرفة عند الوفاة داكنة ومظلمة, فإن هذه الصلة الروحية ستطول. أما إذا كانت الغرفة مضيئة ومُبهِجة, فإن الجسد الروحي سينفصل بسرعة وسهولة ليطوف وينطلق بحرية, فيبدأ الفرد بمشاهدة بيته, أفراد عائلته, وجيرانه. كما أنه سيقابل دليلاً روحياً أو اثنين, ليسعفاه كالدّاية التي تساعد الأم على القيام بولادة طبيعية. هذه الأرواح تظهر بعد الموت مباشرةً للمساعدة في الإنتقال إلى العالم التالي.   

 

 

ولكن طالما أن الجسد الروحي موصولٌ بالجسد الفيزيائي, فإن الفرد لن يعرف بالضبط إذا كان على قيد الحياة أم لا. أو بكلام آخر, من الممكن أن لا يستطيع تحديد وجوده كإنسان في عالم الحياة الأرضية فلا يعي أنه دخل  عالم الأرواح. عندما ينفصل الجسد الروحي كلياً, يعي الفرد أنه لم يعد موصولاً بالأرض, وأنه الآن على وشك بدء حياة أخرى في بعدٍ جديد لن يتغذى فيه بالطعام والهواء والماء, ولكن بالطاقة والذبذبات.

 

 

من أولى الإنطباعات التي تتكون عند الفرد في ذلك العالم هو الضوء الأحمر الداكن اللون الذي يشع من أسفل الجسد الروحي. هذا هو حقل الطاقة الذي يصلنا مع النقطة المركزية للأرض. وسينكشف فوقنا ضوءٌ لامعٌ مشعٌّ, ليأخذنا في نهاية الأمر إلى البعد الآخر.

 

 

 نعيش داخل رحم أمهاتنا في عالم داكن ومظلم. وعلى الأرض, نعيش في عالم يوجد فيه تفاوُت بين الظلمة والنور. أما العالم التالي, فهو عالم النور, أو ما نسميه “لايف-ترون, ينيفيرسون, كوزمون” أو المجموعات الإنشائية الكونية التي يتألف منها العالم الذبذبي. سوف نتلألأ بشحن هادئ وجميل من الطاقة والنور. هذا العالم المضيء والمشع سيكون بيتنا ومكاننا بعد موتنا الفيزيائي هذا.

 

 

وعندما نتأقلم جيداً مع هذا العالم الروحي, سوف يكون باستطاعتنا التنقل بحرية في كل وجميع أنحاء الأبعاد الهائلة التي يطالها الفضاء. بعكس هذا العالم, حيث يجب علينا العمل بكدٍ وجدٍ لنحقيق جزء من أحلامنا. أما هناك فستتحول أفكارنا الى حقيقةٍ واقعة. على سبيل المثال, بمجرد أن نفكر برؤية شخص ما, سنشاهد هذا الشخص أمامنا في شكله الروحي. الفكرة التي تتشكل في ذلك العالم ستتحول فوراً تجربةً حية.

 

 

إن الموت الطبيعي هو كناية عن عملية نمو وتطور روحي. إنها خطوة واحدة من رحلة عودتنا إلى اللانهاية, والذي هو يشكل أصلنا ومرجعنا الحقيقي في هذه الحياة, وهو ببساطة نقطة تحول من هذا العالم إلى ذاك العالم, مثل مراحل ولادتنا التي مررنا بها كبشر عندما تحولت حياتنا من مائية إلى هوائية. كل كائن يولد في هذا العالم يجب أن يموت ليولد في الحياة التالية, بغض النظر عمّن نكون وماذا نريد أن نحقق, فالحياة إستمرارية. من خلال الموت ننمو ونتطور من بعدٍ إلى آخر. ليس هناك مبرر للخوف, فعندما يحين موعد الموت, وخصوصاً بعد حياة طويلة وصحية وواعية, فمن الطبيعي عندها أن تكون تجربة الموت تجربة روحية نَيّرة لكل فردٍ منا.

ميتشيو كوتشي، عالِم الماكروبيوتيك الروحي الكبير



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech