أنت الآن تقرأ في قسم: إنسان, جسد / فكر

لحظة اكتشاف خُدعة العقل: نَفَحاتُ تجربةٍ فرديّة ج3

لحظة اكتشاف خُدعة العقل: نَفَحاتُ تجربةٍ فرديّة  ج3

ج1

ج2

 

رحلةُ البحثِ عن الأبديّ المُطْلَق دربُها جميل، وأجملُ ما فيه أنّ الأبديَّ نفْسَهُ يرعاكَ ويَرْعى ما تظُنّه حُلمكَ السّحريّ، فيُداعِبُ روحَكَ سرًّا وهي ساكِنة في محراب حنينها سكونَ ليلٍ عميق. وعلى غفلةٍ من عقلكَ، يُهديكَ ومَضاتٍ تغسِلُ نفْسَكَ من هُمومِها، يُدنيكَ من إناءٍ سُكبَ فيه خمرُ الصّفاء، وَيُبيحُ لكَ سِرَّ الوصولِ إلى نشوة الحياة العُظْمى فيرقصُ وعيُكَ فوق عرشٍ من النّورِ ويُغويكَ حتّى تعيشَ صدقَ حقيقتِكَ البشريّة، يُعيدُ لك رؤيا الإنسانيّة، وتخترق عوالِمَ وجودِكَ الخَفِيّة.

صحيحٌ أنّك ما زلْتَ ترتعشُ في صقيعِ عقلِكَ بخلافاته وانقساماته، وأنّ ما تَنشدُهُ في عالَم الرّوح يُشبه نزوات المساء التي تمقُتُ الإقامة وتعشقُ الرّحيل. ولكنّ استيقاظ أشباح العواطف وخيالات الوحدة ووحوش الخوف والوحشة هو زمهرير النّفس الذي يُبشّر بقدوم دفء الرّوح. هو الشّتاء الذي يُبَشّرُ بقدوم الرّبيع.

عواصفُ خوْفِكَ هي شجاعتُكَ عندما تواجِهُ نفْسَكَ بِضَعْفِها، تُعَرّي قَلَقَها، وتُسقِطُ القِناعَ عن شعورها بالوحدة. قِفْ صامِدًا شاهِدًا وسط هذه العواصف تجدْها بعد فترةٍ من الزّمان رقصًا وعَزْفًا.

أمطارُ غُربتِكَ تنهمرُ فوق أرضِكَ الجديدة لتُزهِرَ انعتاقًا بعد أن غادَرْتَ مَهْدًا مُظْلِمًا أحاطتْهُ أشباحُ الانتماء لمعتقداتٍ وتقاليدَ وأعرافٍ وعادات أفرغَتْ سمومها في دمك. قِفْ صامِدًا شاهِدًا فوق أرضكَ الجديدة، واغترفْ أحاسيسَ الضّياعِ اغترافًا. تَقَبَّل أنّك لم تكُن تعرف وأنّك الآن لا تعرف، وأنّك لا تعرف إنْ كنتَ سوف تعرف. كُنْ هادئًا مُستسلِمًا وأنت تخترقُ ضبابًا يقودكَ إلى المجهول.

كلُّ تافهٍ في حياتكَ السّطحيّة أمواجه تتكسّر بخيبةِ أملٍ دائمة على شاطىء الرّغبة المُضَلّلة، وأنت تبذُل من أجل امتلاكه الغالي والنّفيس.

وهل ترتضي الحقيقة المُطلَقة الثّمن الزّهيد؟

الحقيقة المُطلقة أمواجٌ بلا شاطىء، وسماءٌ بلا حدود، يجهلُ سرّها عقلٌ أسيرٌ لدُنيا معدنُها صيغَ من القيود. أنت لا تمتلكُ الحقيقة المُطلقة، وليس بإمكانكَ أن تعرفَ الحقيقة المُطْلَقة، لذا فالثّمن الذي يليق بها هو عقلُكَ الذي لا ترى من خلاله سوى دُنيا خُرافيّة. العقلُ الكئيبُ الذي يُدْمِنُ عاداتِه، يُؤمنُ بأفكارٍ زُرِعَت في أعماقه فحوّلَها معتقداته، ويتخبّطُ كلّ لحظةٍ وهو يجرُّ ذَيْلَ رغباته الطّويل مُحتَميًا بظلّ الأنا الضّئيل، هو الثّمن الحقيقيّ.

العقل… هذه النّافذة الصّغيرة التي تظنُّ أنّك ترى الحياةَ منها، هو لَوْحٌ أسودُ لا تظهرُ عليه سوى ألوان الوَهْمِ الهاربة من ريشة المخيّلة العجيبة والأفكار الغريبة التي إنْ أمعَنْتَ النّظرَ فيها تجدها على شاشة وعيكَ دَخيلة، تهبّ ريحًا شديدة تحجُبُ عن بصيرتك رؤيا الفجر الرّقيق، وتُطفىء نور قنديلك لتؤجّل موعد عودتك إلى بيتك العتيق.

العقلُ ابنُ المجتمع إذًا هو مصدرُ رغباتكَ ومنبع أوهامك وسرير أحلامك. العقلُ مَهْدٌ صُنِعَ حتّى يغوي الرّوحَ لتخْلُدَ إلى السّبات العميق. ومخاوفك وشكوكك ومعها توتّرك وقلقك ليست سوى وشاحه الرّماديّ يُلقي به ضبابًا يُشتّت رؤيةَ القلب فيصير هُمودًا لا حياةَ فيه يُفتّشُ فيكَ عن حُطام رجائه.

ما الذي سوف يتبقّى لك ويُخَيَّل إليك عندما تعي هذا الأمر وتظنّ أنّك اكتشفتَ السّر؟

أن تتجاوزَ العقل…

يتبع…

نفَحات من قلب تجربتي الفرديّة (بشّار)



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech