أنت الآن تقرأ في قسم: أبعَد من الأبعاد, أكوان

ميتشيو كوتشي، رحلتنا الروحية

ميتشيو كوتشي، رحلتنا الروحية

إن الحياة الإنسانية منبثقة من الحياة النباتية. أي أن أجسادنا تتكون وتنمو من خلال عملية تحول هذه الحياة النباتية على سطح الأرض. المملكة النباتية مكوَّنة من عالم العناصر أي التربة والماء والهواء, حيث تتكون العناصر من خلال عملية إتحاد الإلكترونات والبروتونات وغيرها من الجزيئيات ما قبل الذرية, والتي هي بدورها عبارة عن طاقة مكثفة. إن عالم الطاقة, أو يمكننا القول, عالم الذبذبات والإرتجاجات مكون أصلاً من هذين القطبين الأساسين “الين واليانغ,” أو القوة الأرضية والقوة السماوية, المنبثقة من خلال العالم المطلق للانهاية أو لله.

 

 

لا توجد أيّة حدود ثابتة بين هاتين الحالتين من الوجود. فكل عالم منهما يدور في الفلك الواحد, طوفان لولبي أبدي وتحول دائم ومستمر. نتغذى من هذا العالم النباتي بطريقة مباشرةً أو غير مباشرة, لتتحول إلى الملايين من الخلايا في أجسادنا. والأكثر من ذلك, إن كل هذه النباتات كانت تقوم بامتصاص الماء والمعادن وثاني أكسيد الكربون بشكل مستمر, وكانت كل هذه العناصر قد تحولت بدورها إلى خلايا نباتية قبل أن نأكلها.

 

 

إن هذه العملية الأبدية من التحول تجري في كل لحظة وبدون توقف أو إنقطاع. وبالتشابه مع تلك العناصر الطبيعية التي تتشكل جراء عمليات الشحن السلبية والإيجابية للجزيئات ما قبل الذرية, كالبروتون والإلكترون, والتي هي بدورها تغذي نفسها باستمرار بالذبذبات الآتية من أقاصي الكون.

 

 

إن تجسد الكائن البشري ليس إلا المرحلة الأخيرة للعملية الكونية هذه. لذا, يمكن القول أننا ورثة هذا الكون اللامتناهي. نطوف فيه من العالم المطلق واللامحدود إلى النقطة الأصغر في أبعد حدودها – من اللاتجسُّد إلى التجسُّد – ومن الكوني إلى الفردي, إلى أن نتحد تدريجياً, مروراً بكل مرحلة من هذه المراحل الوجودية. نعم, هذا هو أصلنا الكوني.

 

 

ولكننا عندما نصل إلى النقطة المركزية لهذا الطوفان اللولبي لحقيقة التجسد, فإن طاقة اللانهاية هذه لن تتوقف. بل ستستمر بالتدفق لتكوّننا مجدداً ومجدداً, ونتيجة لهذا الدفق العظيم من الطاقة لن يكون بوسعنا التوقف عن الحياة, لهذا نبدأ بالإتجاه إلى مسارات وأبعاد أخرى, حيث سيتحول تيار الحياة إلى الخارج كطاقة إمتدادية تعيدنا في نهاية المطاف إلى اللانهاية.

 

 

فعندما نتخذ حالة اللانهاية, لن يكون هناك أي تجسُّد, أو فرديةٍ, أو إختلافٍ. لن يكون هناك أنت وأنا, لا رجل ولا إمرأة, لا أرض ولا سماء. ولكننا عندما نتجه مجدداً إلى النقطة المركزية للطوفان اللولبي, سوف نبدأ بالتمييز مجدداً ونأخذ أشكالاً فردية, حيث يظهر لنا آلاف, ملايين, وبلايين من الأشكال المختلفة. وعندما تبدأ رحلتنا الى اللانهاية, تزول كل هذه الحواجز والإختلافات تدريجياً, حيث نذوب مجدداً ونتحد لنصبح كُلّاً واحداً موحداً. المسار الأول وحدةً متجسدة, والمسار الثاني وحدةً غير متجسدة أو روحية.

 

 

إن النقطة المركزية لكل هذه العملية تتجسد عند إنصهار البويضة مع السائل المنوي في لحظة الحمل. هناك, في أعماق جسد الأم, في العمق الداخلي لهذا الكون, تنتهي رحلتنا من اللانهاية لتستقر في شكل بويضة ملقحة, لتصبح هذه المرحلة نقطة بداية لرحلة أخرى إلى عالم اللانهاية, والتي نسميها بعملية النمو والتطور.

 

 

بمجرد أن يتم تلقيح هذه البويضة, تبدأ البويضة بدوران لولبي سريع مولدة حقلاً هائلاً من القوة الإلكترومغناطيسية, كما تفعله أمنا الأرض, ومثل مسارات الطاقة التي تبعثها قمم الجبال “الميريديان”, تبدأ البويضة بالدوران حول محورها لتتحرك وتشكل تطوراً في مسارات الطاقة للبويضة والأعضاء والوعي, تماماً كما الذي مرت به أمنا الأرض عندما تكونت جميع هذه العوامل الجيولوجية فيها.

 

 

يمكننا تسمية هذه المرحلة بالمرحلة الأولى من الحياة الأرضية. ومن هذه المرحلة نتجه إلى المرحلة التالية والتي هي أكثر تقدماً, وهي المرور بقناة فالوب وهو المسار الذي تطوف البويضة من خلاله إلى العالم المائي أو الرحم, حيث نمضي الفترة البدائية أو الفترة الجنينية في هذا العالم المائي.

 

 

وبعد أن يكتمل نموّنا, نتجه إلى مرحلة أكثر تقدماً وهو هذا العالم الذي نعيش الآن فيه, أو العالم الهوائي. هذا العالم الأخير مختلف تماماً عن عالمنا  المائي السابق, وطريقة عملنا هنا تصبح مختلفة أيضاً. على سبيل المثال, سنبدأ باستعمال الرئتين اليمنى واليسرى وكل حواسنا وأعضائنا بشكل إرادي وفعال. لهذا, فمن الطبيعي أن تتبدل مفاهيمنا للحياة بشكل كبير. ولهذا السبب تزول من ذاكرتنا الفترة التي أمضيناها في الحياة المائية, ولن نستطيع أن نستوعب أنه في يوم من الأيام كانت لنا مرحلة فعلية من الحياة المائية. غالباً ما تكون صدمة للكثيرين عندما يشاهدون أماً تضع طفلاً جديداً, لأنهم لن يستوعبوا أنهم كانوا وقد أتوا إلى هذا العالم بالطريقة ذاتها.

 

ومن هذا العالم الهوائي سنكمل الرحلة الى الخارج مرة أخرى. أما بيئتنا التالية فهي عالم الذبذبات, حيث أن هذه المرحلة اللاحقة مختلفة بشكل كبير عن تلك التي نعيشها الآن, فإن الكثير منا ليس لديه أي رؤية أو فكرة واضحة عنها. علماً, أننا نتكلم عن العالم الأثيري أو الروحي, ونتكلم عن الأشباح والأرواح, إلا أن الكثيرين منا لا يعرفون حقيقة هذا العالم حقاً. عملياً, كل منا كان هناك سابقاً, ولكن الكثيرين منا يفقدون ذكراها في كل مرةٍ يدخلون فيها عالم الأرض – الماء – والهواء مجدداً. 

 

عالِم الماكروبيوتيك الروحي الكبير ميتشيو كوتشي



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech