أنت الآن تقرأ في قسم: أديان, شاطئ الإستنارة

مع أوشو في رحلةٍ صوفية-7والأخير-سِرّ الروح هَدِيّة لا تُمنَح إلا لمَن وثقوا واستسلموا

مع أوشو في رحلةٍ صوفية-7والأخير-سِرّ الروح هَدِيّة لا تُمنَح إلا لمَن وثقوا واستسلموا

لقراءة الجزء الأول من الحَضرة هنا

لقراءة الجزء الثاني من الحَضرة هنا

لقراءة الجزء الثالث من الحَضرة هنا

لقراءة الجزء الرابع من الحَضرة هنا

لقراءة الجزء الخامس من الحَضرة هنا

لقراءة الجزء السادس من الحَضرة هنا

 

 

“وسألهُ تلامِذَتُه….:”كيف بدأ مشوار عملك؟”،

أجاب: “كمَسؤول صغير”….”

 

أسئلة لا معنى لها. هُم لا يسألون: “كيف بدأت كَسْبَ قوتك؟”، بل يسألونه: “كيف بدأتَ مشوارَك مُتَحوِّلاً إلى قديس عظيم؟”

 

لكنه أجاب: “إني لا أعرِفُ شيئاً. جُلَّ ما أعرِفُهُ هو أني كنتُ مسؤولاً صغيراً في بلدة. ولكانَ انتهى بي الحال مُفَتِّشاً للأوزان والقياسات.”

 

ثمّ حاولَ تلامذته استثارته….

 

“وتخلَّيْتَ عن كلِّ هذا حتى تُكَرِّس نفْسك،

عالِماً بالروح مُحَلِّقاً بعيداً عن الجسد؟”

 

أجاب: “لا… قد تخَلَّيْتُ واستسْلَمْتُ فقط”….

 

اِفهموا أبعاد ما قال.

إنكم وإنْ تخَلَّيْتُم عن شيء مُقابِلَ الحصولِ على شيءِ يكونُ له البديل، فهذا ليسَ دربَ التعَبُّد والخلاص والإخلاص. إنكم وإنْ تخَلَّيتُم عن وَهْمِ هذه الدنيا لأجلِ دخولكم الجنة، فهذا ليس دربَ تَعَبُّدٍ وخلاصٍ وإخلاص.

هذه ببساطة مساومات. أنتم ماهِرون ماكِرون وكلّ شيء بالمقادير والحسابات والرأس تحسِبون.

 

 

أجابهم مَوجود: “لا… قد تخَلَّيْتُ واستسْلَمْتُ فقط. ما مِن سببٍ دفعَ بي حتى أتخَلّى وأستسلم. في الحقيقة، كان التخلّي والاستسلام جنوناً مني. ما أردتُ تحقيق شيء ولا بلوغ مكان، فما تخلَّيت لأجل أمرٍ ما في الحُسبان. إني ببساطة، تخلَّيْت… استسْلَمْت.”

 

“لكن تلاميذه ما فَهِموه…”

 

رؤوسكم لا تفهَم سوى الأخذ والعطاء… أنّى لكُم التخلّي؟… أنّى لكم فعل أيِّ شيء بدون دافع؟

ولكنّ إنسان الثقة والإيمان يعلَم ويعرِف كيف يحيا، كيف يتصرّف ويفعل بدون أيّ دوافع.

 

“وتوافدَ الناسُ عليه لأجل تدوين قصّة حياته…”

 

رويداً رويداً ذيعَ صيتُ مَوجود،

 

“سألوه….ما الذي فعَلْته طيلة حياتك؟”….

 

اصغوا لجوابه، فهوَ واحدٌ من أجمل الإجابات،

“قفَزْتُ في نهرٍ، وأصبَحْتُ صَيّاداً

بعدها خرَجْتُ من كوخِ صيّادٍ عند منتصف الليل.

ثمَ أصبحْتُ عامِلَ مزرعة.

لكني غيَّرْتُ دربي بينما كنتُ أنقلُ الصوف يوماً، فذَهَبْتُ إلى الموصِل.

وَفَّرْتُ كثيراً من المالِ هناك، إلا أني مَنَحْتُه وما احتَفَظْتُ به.

بعدها ذهبْتُ إلى سمَرقَند حيث عملْتُ سَمَّاناً،

وها أنا الآن هنا”.

 

والآن… أيُّ نوعٍ من الحياة الروحية قد تكون هكذا حياة؟

 

 

” وقالَ المُؤرِّخون: “ولكنّ تصرُّفاتك العفوية التي لا وصفَ لها ولا شروحات،

لا تُخبِرُنا ما سبب كلّ هِبَة رُزِقْتَ بها،

وكلَّ تجربة مَرَرْتَ بها”…

أجابهم مَوجود: “هذا ما حدث”…”

 

 

“هذا ما حدَث”، قالَ مَوجود أنّ في قلبِهِ من الدّهشة لِما شاءَت المشيئة أن يكون، نصيباً، فهو لم يفعَل شيئاً، ولم يتعمَّد فِعلَ شيء بِعَيْنِهِ يبلغُ من خلالهِ مقاصِد روحية. إنّ قيامَكم بأيِّ عملٍ مُعَيَّن ابتغاء تحقيق مقاصد روحية لهوَ الطريقة الأكيدة حتى تُضَيِّعوا عنوان الروح.

 

 

إنّ الروحانية، الحضور في معبَد الألوهية الحيّة، هِبَة وهَدِيّة. هدِيّة لا تُمنَح إلا لمن يثِق، لمَن يُؤمِن. نسيمٌ لا يلفَح سوى مَن أحَبّ بعُمقٍ حتى أضحى هو نفْسه محبة. محبة لا دافعَ لها ولا غاية من ورائها. هدِيّة لا تُمنَح إلا للشُّجعان… أولئك الذين يتوقون لعَيْشِ حياةٍ رفيقتها المخاطَرة والمقامَرة بكلِّ شيءٍ دوماً.

 

 

“لذا قدَّم المؤرّخون لمَوْجود

حكاية مُدهِشة،

إذ وجبَ أن تُكتَب لكلِّ قدّيسٍ في هذه الحياةِ حكاية تُروى عنه،

وعلى الحكايةِ أن تُلائمَ أذواقَ السّامعين،

لا حقائق الحياة الحقيقية”.

 

 

هكذا وُلِدَت جميعُ حكايات العالَم.

 

لم يولَد يسوع المسيح من عذراء فعليّاً أو حرفياً أو جسدياً، إلا أنه رمزٌ روحيّ كبير وفَهمه عصِيٌّ على العقلِ. قد تمّ تفسير هذا الرّمز حرفياً فصيغَت الحكاية كما سمعتموها لأجلِ إرضاء أذواق السامعين. هكذا صاغَ كُتّاب جميع القِصص الدينية التي وردت في جميعِ الأديان، حكاياتهم وأساطيرهم. جميعها ليست بأحداث فِعلية واقعية. جميعها رموز روحية ماورائية غَيبيّة. لكنها صيغَت بطريقة حَرفية أدبية لأجلِ إرضاء أذواق السامعين. يبتغونَ من وراء تفسيرها حرفياً جَعل الشخصيات الدينية كالمسيح وكريشنا وبوذا وغيرهم شخصيات غير عادية. ومَن الذي قالَ بأنّ فبرَكة الحكايات حرفياً تحوِّل أبطالها لشخصياتٍ غير عادية؟

 

 

قد ابتدَعَ المؤرِّخون حكاياتٍ تُصوِّر أبطالها بصورةٍ استثنائية. معجزات تليها معجزات. أحداثٌ يستحيل أن تحدث ولا يُمكِن لها أن تحدُث، تجدونها حدَثَت في حكاياتهم. جميع هذه الحكايات ليست سوى فَبرَكات صيغَت من نسيج التفسير الحرفي إرضاءً وإشباعاً لرغبات وعواطف السامعين. وضاعَت حيوات القديسين والمستنيرين والأنبياء والحكماء الحقيقية… ضاعَت حيواتهم وقصصهم الحقيقية خلفَ هذه الحكايات.

 

 

إنّ الإنسان المُعجزة، الإنسان غيْر العاديّ، الاستثنائي حقاً هو مَن يحيا حياةً عادية جداً، فأنّى للإنسانِ أن يحيا حياةً غير عادية بعدَ أن ذابت أناه واختفت وما عاد لها وجود؟ لحظة رحيل الأنا لن يكون باستطاعة الإنسان سوى أن يحيا حياةً عادية جداً. هكذا يُخبرُ أسياد التأمل والاستنارة والصّفاء حكايتهم بلسانهم إذ يقولون: “نحن نقطعُ الخشب كلَّ يوم، ونحمِلُ الماءَ من البئر”. هذه حياتهم وهذه حقيقة حكاياتهم. حكايات لا تُثير إشباع عاشقي المعجزات الخيالية والأساطير.

 

 

لذا قامَ المؤرّخون بتأليفِ الحكايات عن موجود. وهذا ما فعلَهُ المؤرِّخون على مَرِّ الدهور والعصورِ والقرون، جميع ما دَوَّنوه ورَووه مُحَرَّف. أنتم لا تعرِفون يسوع الحقيقي ولا مُحَمَّد الحقيقي ولا بوذا الحقيقي. أنتم لا تعرِفون أحداً.

 

 

وإنّ مجهودي بأكمَلِهِ مَصبوب على دربِ عودتكم إلى محراب الحقيقة دون تحريف وتأليف. إلى حكايات المستنيرين…. حكايات الحكماء والأنبياء والقديسين، الحقيقية. لذا يجِدُني الجميع إهانةً له. الجايْنيون يشعرون بأني إهانة لهم لأني أتحدث عن ماهافيرا كما كان حقاً وليس وِفقاً لأساطيرهم. الحقيقة التي أبوح بها تجرحهم. تقولُ أساطيرهم بأنّ ماهافيرا لم يتعرَّق في حياته أبداً. في بلدٍ كالهند ولا يتعرَّق؟ تقولُ أساطيرهم بأنّه وفي أحد المرات لُسِعَ بواسطة أفعى فخرجَ من جسده حليباً بدلاً من الدم.

 

هذا في منتهى الحماقة. لكن على المؤرّخين والمُدَوِّنين وكتَبَة القصص تأليف هكذا حكايات. على كلِّ أمّة أن تجعل من سيِّدِها حالة إعجازية غير عادية. ماهافيرا لم يتبوَّل في حياته. ولكنها حكايات، وهكذا هو الحال مع حكايات جميع الأنبياء والمستنيرين والقديسين. هكذا يُشبِع المؤرِّخون والكتَبة شهيّتكم. هكذا يشعرون بأنّ شهيتكم الحِسية العاطفية قد أُشبِعَت، لكن على حساب الحقيقة إذ يغدو كلّ شيء مجرد أساطير وزَيف وأوهام.

 

المسيحيون غاضبون مني لأني أتحدث عن يسوع وكأنه إنسان. هو إنسان ولكن كلّ إنسان هو الألوهية، هو القداسة الإلهية. وهكذا يسوع، هو الألوهية، هو القداسة الإلهية. جميع الموجودات هي الألوهية، هي القداسة الإلهية. كَوْنهُ الألوهية ليس شيئاً مميزاً. إنها نوعية الوجود. النوعية العادية جداً. هكذا هو الوجود أجمَع، إلهي مقدّس.

 

الله يملأ الوجود…. الوجود يتدفّق وينساب ألوهية. الوجود مُفعَم بالألوهية.

 

المسلمون غاضبون مني. الهندوسيون غاضبون جداً. لماذا يغضب هؤلاء الناس مني؟ سبب غضبهم هو أني أدمِّر أساطيرهم، وقد أصبحوا متعلقين جداً بهذه الأساطير. لكن تذكروا بأنكم وإنْ أردْتُم رؤية الحقيقة فعليْكُم أن تكونوا قادرين على تدمير الأساطير. لا تُؤمنوا بأيّة أساطير أبداً…. وحدها الحقيقة هي مَن يُحَرِّركم.

 

 

“وما مِن أحدٍ في استطاعتهِ مُخاطَبة الخضر وجهاً لوجه،

لذا كانت هذه الحكاية بعيدة عن الحقيقة”….

 

هنا يتجلّى جمالُ الصوفيين… حتى هُم يقولون بأنّ هذه الحكاية ليست بحكايةٍ حقيقية لأنّ ما مِن أحدٍ في استطاعته مخاطبة الخضر مباشرةً.

هذا المُرشد الرشيد الداخلي الساكن لبَّ الألباب، يا لَهُ كَم هوَ شفاف حيثُ لا تقوَى على وصفِهِ الكلمات، لذا فكلّ ما يُقال عنهُ ويُحكى لن يعدو كوْنَهُ رموزاً في صيغةِ حكايات.

 

“لذا كانت هذه الحكاية بعيدة عن الحقيقة،

إنها رمزٌ للحياة”….

 

هذه الحكاية هي حكاية رمزية. حكايةٌ تُشيرُ إلى مَجهول… إلى الغَيبي الذي يُصيبُ النفْسَ بالخشوعِ والذّهول.

 

“هذه هي الحياة الحقيقية لواحِدٍ من أعظم الصوفيين”.

 

وقد تمّت الإشارة لهذه الحياة الحقيقية بالرّمز والتلميح والاستعارة والتشابيه.

 

هذه الحكاية ليسَت مُعَدّة كي تفهموها حرفياً. هي حكايةُ الثقة، حكايةُ الإيمان. حكايةٌ لم تحدُث كما رُويَتْ بالحرف والحدَث، ولا حاجةَ لها في أنْ تحدُث كما رُوِيَت. هذه الحكاية رمز وإشارة. وإنكم سوف تلمَحونَ بصيصاً من حياةِ الإيمان الحَق لو تذكَّرتُم هذا. وأنتم هنا لستُم تحاولون سوى أن تعيشوا هذه الحكاية حياةً حيّة.

 

هذه الحكاية حكايتكم. أدخلوا قلبَ هذه الحكاية، ليس كلماتها فقط، بل دلالاتها ومعانيها. عيشوا هذه الحكاية. إنكم لن تعرفوها إلّا إذا عِشتموها.

 

أوشو المستنير الحبيب

من قلب وحال بشار



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech