أنت الآن تقرأ في قسم: أديان, شاطئ الإستنارة

مع أوشو في رحلةٍ صوفية-6- لن تَعرِفوه إلا إذا عِشتموه

مع أوشو في رحلةٍ صوفية-6- لن تَعرِفوه إلا إذا عِشتموه

لقراءة الجزء الأول من الحَضرة هنا

لقراءة الجزء الثاني من الحَضرة هنا

لقراءة الجزء الثالث من الحَضرة هنا

لقراءة الجزء الرابع من الحَضرة هنا

لقراءة الجزء الخامس من الحَضرة هنا

 

 

“عُرِفَ مَوجودٌ في الموصِل على أنه تاجر جلود،

ولم يرَ الخضر مدّة ثلاث سنوات، الفترة التي قضاها في تجارته.

وقد جمَع خلال هذه السنوات مبلغاً كبيراً من المال،

وفكَّرَ في شراءِ منزل،

حينها ظهرَ الخضر له وقال: “أعطِني مالَك،

وارحَل بعيداً عن هذه المدينة إلى سمرقند البعيدة،

واعمَل في البقالةِ هناك….”

 

وهكذا فعلَ مَوجود”.

 

 

هذه الحكاية حكايتكم لأنّ أحداثها لا بُدّ وأن تُلاقيكم يومًا ما على دروب حياتكم. إنكم تعيشون في عالمٍ صوفيّ لذا أخبرتكُم بأن تُصغوا لهذه الحكاية بوعيٍ ويقظة وانتباه… دعوا هذه الحكاية تَرسو في أعمق مستوى من مستويات الكيان.

 

 

ها قد جمعَ الآن مبلغاً كبيراً من المال وطبيعيّ أن يفكّر في شراءِ منزلٍ له. ثلاثُ سنواتٍ مضَت وما سمِعَ من الخضرِ خبراً. لكنه وفي اللحظة التي فكّر فيها بشراءِ منزِل، في لحظةٍ أراد العقلُ فيها أن يستقرّ، في لحظةٍ تُريدون فيها الاستقرار واللجوء إلى الضمان، يزوركم السيّد المستنير ويهُزّ الأرض من تحتكم وتهبّ عواصفه من حولكم. لعلَّ الخضر ما ظهرَ له لو أنه ما فكّرَ بشراءِ منزل. لكنه لحظة امتلاكِهِ للمال فكّر في الأمان والضمان والاستقرار. استقرارٌ أبديٌّ هو.

 

 

عاجزون أنتم عن الاستقرارِ في مكانٍ ما، على أمرٍ ما وأنتم في حضرةِ السيّد المستنير إذ عليه أن يستمرَّ في تحويلكم، في تغييركم باستمرارٍ دون انقطاع. سوف يقتلعُ جذوركم ما إنْ تشعروا بأنها امتدّت عميقاً داخل تربة  الاستقرار، وأنكم بالأمان بدأتم تشعرون. في اللحظة التي تشعرون فيها أنكم قد احترفتم عملكم سوف يتغيَّر هذا العمل حينما تكونون على خُطى الاستنارة تسيرون، وفي قلب وعي الاستنارة تَحيون، إذ أنّ الهدف لن يكون احتراف عملٍ ما والبراعة فيه، بل أن تبقوا في حالٍ من اللاضمان دائماً وأبداً… إلى أن يأتيكم يوم تتعلمون فيه الأمان الذي يولّده عدم الأمان. يومٌ تتعلّمون فيه جمال المستقبل المجهول فتنسون كلَّ شيءٍ عن الاستقرار، وتغدو رحلة حَجِّكم نفسها هي الهدف والمصير. حياتكم تصبح حياة مُتَعَبِّدٍ خاشع زاهِد حينما تصبحُ رحلتكم ذاتها هي الهدف المنشود.

 

 

“ظهرَ الخضر له وقال: “أعطِني مالَك”….”

 

ها قد كسبَ المال من عملٍ دام ثلاث سنوات، إلا أنّ الآمال والأحلام جميعها تطايرت فجأة كما الدّخان. لم يُؤخَذ مالُهُ منه فقط، بل طُلِبَ منه الرحيل والهجرة إلى مكانٍ بعيد… بعيد كما بُعد سمرقند حتى يعمل سَمَّاناً هناك. وهكذا فعلَ مَوجود.

 

 

“وابتدأَت إشارات الاستنارة وبشاراتها،

تلوحُ في الأفق دون شكوك”

 

هي طبيعة الأمور وهو حالها. وقلبُكَ ثَمِلٌ بخَمرِ الثقة، خمر الإيمان المُعَتَّق الأصيل، كَم سوف تَلبَثُ من الوقتِ وأنت تحيا في الظُّلُمات؟ كَم ستَلْبَثُ من الوقتِ عادياً لا تحدث من حولك سوى بديهيات وسطحيات وهوامش الحياة؟ لا بُدّ لكَ وأن تتحول عفوياً، وأحداثٌ غير عادية سوف تبدأ بالحدوث من حولك.

 

“وابتدأَت إشارات الاستنارة وبشاراتها،

تلوحُ في الأفق دون شكوك”

 

بدأ نور الخشوع، بدأ نسيمُ الفناء يداعِبُ كيانَ مَوجود… فبدأَ يَشفي المرضى ويخدِم أصدقاءه في العمل في وقتِ الفراغ… وبدأت معرفته بخفايا الوجود وأسراره تغوص في بحرِ هذا الخفى أعمق وأعمق.

 

وما مِن أحد علَّمَ مَوجود أيّ شيءٍ أبداً. تَمَعَّنوا في هذا الأمر مَلِيّاً: ما من أحد علَّمه شيئاً، وما مُنِحَ أيّة معلومات… ومع هذا استمرّت معرفته بخفايا الوجود وأسراره في نموٍّ وسموٍّ لا انقطاع لهما. حتى مَوجود نفسه أصبح سِرّاً من خفى، وحُضوراً غامضاً زائراً الأرض من عوالِم الخفايا والغموض.

 

باتت الناس تشفى من لمْسَتِهِ… بات الجميع يرى هالة غامضة خَفِيّة لا تبوح بسِرِّها، هالة تُحيط بمَوجود أينما حَلّ وحَطَّ الرِّحال. باتت الناس حين تقتربُ منه تشعرُ نفسها بالقُربِ من نبعِ نورٍ هادىء رقراق مُستَكين. يأتونَ إليه والهموم مُكَدَّسة فوق رؤوسهم، فتتلاشى في غمضة عين لمجرد الاقتراب منه. باتت البشر تشعُرُ الدين وتتنفَّسه حَيّاً يُرزَق لمجرّد جلوسها بجانب مَوجود. خفايا من الغَيْبِ المجهول تتدفق وتتدفق وتنساب وتتنَزَّل.

 

 

تذكّروا دوماً: المعرفة… المعارف لن تكون يوماً إلا مُستعارة. والدّينُ الحقيقيّ، الدينُ الحيّ يستحيلُ أن يحدُث كمَعرفة مُتناقَلة منقولة مَقروءة معروفة، بل يتجلّى ويُكشَف. ما المعرفة سوى جُهد الإنسان حتى يعرف عن حقيقة الوجود وأسراره، شيئاً. أما الكَشف، الوَحي أو التجلّي فهو عملُ الله، لا الإنسان. متى وَجِدَ مَن يَثِق، مَن يؤمن بلا قيود، بلا حدود، مَن في بحر إيمانه يتلاشى ويذوب، يكشِفُ اللهُ نفسه له، ويفتَحُ عليهِ خزائنَ خفاياه وأسراره.

 

لا تفتَح هذه الخزائن أبوابها لمجرّد أنك فُضوليّ تريد أن تعرف. إنما تفتحُ الخزائن أبوابها بسببِ ثقتك، بسبب إيمانك. المعرفة هي وليدة الحشرية والفضول، أما الحكمة فوليدة الكِشفْ الإلهي.

 

ها قد بدأ عطرُ مَوجود يفوح….

 

“زارَ رجالُ الدين والفلاسفة مَوجود وسألوه،

مَن عَلَّمَك؟”

 

وهذا ما يسألهُ الحَمقى دوماً: “مَن عَلَّمَك؟”. لا يعرفُ رجال الدين والعقائديون والفلاسفة وأغلب المثقفين وعلماء الشرائع، إلّا نوع واحد من المعرفة. “مِمَّن أخذْتَ هذه المعرفة؟ مَن نقلَ هذه المعلومات لك؟ مَن هو مُعَلِّمك؟”. هُم لا يعلَمون بوجود النوع النقيض لهكذا معرفة. النوع الحقيقي من المعرفة: العِرفان. لا أحد يُعطيك أيّ معرفة. أنت من يُبحر أعمق من أفكاره، يُحَلِّق أبعد من جسده ومحتوى عقله فيفوح عبير صَمته من قلبِه، تصبحُ رحماً مُتَلَقّياً في انتظارِ أن يتنزَّل عليكَ أو يولدَ من باطنكَ كَشفاً، أنت مَن يصبحُ موجة صامتة صافية من طاقة الأنثى الهادئة الليِّنة، حتى تبدأ الأسرارُ فجأة بالتكشُّف والتجلّي لك من مصدرٍ مَجهول غير مَعلوم. لا يوجد مُعَلِّم. الحياة نفسها تصبحُ مُعَلِّمك.

 

 

“قال مَوجود: “صعبٌ عليَّ أن أقول مَن الذي عَلَّمَني. ما عَلَّمَني أحد. ما دَرَسْتُ شيئاً ولستُ مُثَقَّفاً دارِساً. قد حدثَ لي ما حدث. قد علِمْتُ ما عَلِمْت لكني لا أعرفُ مِمَّن. مَن الذي سكَن قلبَ كياني؟ ومن أينَ همَسَ لي معشوقي وماذا أهداني؟ لستُ أعلَمُ شيئاً.”….”

 

“… صَعبٌ عليَّ أن أقول”….

 

ونتابع الحَضرة والحكاية في الجزء القادم.

أوشو المستنير الحبيب في رحلةٍ صوفية أبعد من الأبعاد

احتفال من قلب وحال بشار



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech