أنت الآن تقرأ في قسم: أديان, شاطئ الإستنارة

مع أوشو في رحلةٍ صوفية-4-نهر الوعي الداخلي

مع أوشو في رحلةٍ صوفية-4-نهر الوعي الداخلي

لقراءة الجزء الأول من الحَضرة هنا

لقراءة الجزء الثاني من الحَضرة هنا

لقراءة الجزء الثالث من الحَضرة هنا

 

 

 

“ما غرِقَ مَوجود حيثُ أنه كان قادراً على السباحةِ 

فانسابَ مع التيار حتى بلغَ صيّاداً في مركِبِه يخاطبه قائلاً “أيها الرجل الأحمق!

التيارُ قوي، فما الذي تحاول فِعله هنا؟”….”

 

” حيثُ أنه كان قادراً على السباحةِ”…. وإني أعلمُ بأنكم على السباحةِ قادرون إذا ما قفَزتُم في قلبِ تيّارِ الوعي الساكن ألبابكم ودواخلكم. لستُ أتحدث عن تيار الماء الخارجي هنا، فقد تغرقون فيه. إني أتحدثُ عن تيار وعيكم الداخلي…. عن السرّ الساكن أعماقكم.

 

وهذا مَقْصَدُ الحكاية.

 

إيمانكم …. ثقتكم هي مفتاحكم للقفزِ في مجرى تيار وعيكم الساكن عُمق كيانكم، تيار الأسرار المُقيم في كهف القلب: قلب الكيان ومركزه.

 

 

“ما غرِقَ مَوجود حيثُ أنه كان قادراً على السباحةِ

فانسابَ مع التيار حتى بلغَ صيّاداً في مركِبِه يخاطبه قائلاً “أيها الرجل الأحمق!

التيارُ قوي، فما الذي تحاول فِعله هنا؟”

أجابه موجود: “لستُ أعرِفُ حقاً”….”

 

 

أنظروا إلى جمالِ هذا الجواب. ومَوجود لا يعي ما هو بفاعِل حقاً. ما أخبَرَهُ أحَد. وما سأل الخضر حتى عن المغزى والسبب. هذه هي الثقة. هذا هو الإيمان. هذا هو المسير باتجاه المجهول الذي أحَدِّثُكم عنه دوماً. هي المغامرة الأسمى في الحياة…. هو الرحيلُ عن العقل. هي الشجاعة.

 

أجابه موجود: “لستُ أعرِفُ حقاً”

 

مَوجود صادقٌ فيما يقول. مَوجود لا يعرف. وإنكم إن قُمتُم بعَمَلِ شيء وأنتم بنتيجته تعلَمون، فالشجاعة أنتم لا تملكون. هذا ليس من الإيمان في شيء، ليس من الثقةِ في شيء. أنتم تثقونَ بمعرفتكم لكن ليس بالله، بالوجود.

 

“….”مجنونٌ أنت”، قال له الصيّاد،

“ولكني سآخُذك معي إلى كوخ القصب الذي أسكنه بجانب النهر هناك،

وسوف نرى ما بالإمكان أن نفعله لك”…

 

 

وحين علِمَ الصيّاد بلَباقة وطلاقة لسان مَوجود

تعلَّم القراءة والكتابة منه.

وأعطاه طعاماً بالمقابل،

بينما ساعدَ مَوجود الصيّاد في عملِه.

وظهر الخضر من جديد بعد أشهرٍ قليلة..

ظهرَ هذه المرة عند حافة سرير موجود

وقال: “انهض الآن واترُك هذا الصيّاد

سوف يتمُّ الاعتناء بك”….”

 

 

بدأت الأشياء بالتغيُّر الآن، فمَوجود يطفو في نهرٍ من الثقة والإيمان، حتى أنّ مُرشده الداخلي يُظهِرُ له الاحترام. ظهرَ المرشد هذه المرة عند حافة السرير، وهذا من مظاهر الاحترام. ما عادَ مَوجود برجلٍ عاديّ الآن: قد غيّرَتهُ الثقة، قد حَوَّلَهُ الإيمان. يا لهُ من إنسان قوي مِقدام وشُجاع لا يسأل “لماذا؟” حتى. مَوجود يعرفُ كيف يُحِب وكيف يقفز في قلب المستقبل المجهول حُراً من حمولة الماضي القديم.

 

قال الخضر:

“انهض الآن واترُك هذا الصيّاد….”

 

منتصف الليل هو والصيّادُ سعيد بوجود مَوجود، والاستقرار بدأ يجدُ لنفسه مكاناً في نفْس موجود. لكنكم متى ما استقرّيتُم يزوركم المُرشد ليُزَعزِع استقراركم من جديد. متى ما استقرّيتم تجدون السيّد المستنير يلاحقكم حتى يَهُزّ أركان استقراركم فتعلموا بأن ما من شيءٍ مضمون أو أكيد. غير مسموح لكم الاستقرار في أيِّ مكان سوى في قلب الله، لذا يرافقكم حال اللا إستقرار دوماً، فجميعها حالات ومحَطّات على الدرب والطريق. بإمكانكم المبيت للَيلة، لكن عليكم الرحيل ما إن يبزُغ نور الصّباح.

 

 

قال له الخضر في منتصف الليل: “انهض الآن واترُك هذا الصيّاد”. والوقت مع السيّد المستنير لا يكون سوى الآن على الدوام فلا وجود لغدٍ أبداً مع سيّدٍ مستنير. كان هذا الأمر ليبدو أكثر سهولة وفي ظاهره رحمة لو أنه قال له: “استرخِ الآن، لكن عليكَ الرحيل في الصباح”. إلا أنّ الوقت هو دوماً الآن. وحده الآن هو الوقت والزمان الموجود حقاً بالنسبة للسيّد المستنير.

 

” سوف يتمُّ الاعتناء بك”

 

هو الآن لا يقول له بأنْ لعلّه يُنقَذ أو يُعتَنى به لأنّ الأحوال تغيَّرَت وتبدَّلَت.

هذه الكلمات القليلة تزيح الستار عن سرّ حكمة هذه الحكاية: قد أخبره قَبلاً بأن لعلَّ أحداً يُنقِذه. أما الآن فهو يخبره بأن “سوف يتمُّ الاعتناء بك”…

 

ما الذي تغيَّر؟

هي الثقة التي أظهرَها مَوجود. ثقةُ مِوجود تكفي. لا حاجة الآن لقوْل “لعلّ..”. قد تمّ اختباره ب”لعَلَّ” قبلاً… وأظهرَ ثقةً وإيماناً…. لذا يُباحُ الآن بجوهر الكلام وحقيقة معناه كما هو.

 

في الحقيقة لا وجود لشيء اسمه “لعلَّ”… ما إن تسلكوا درب التأمل فالاستنارة ستكون حالاً مضموناً. ما إنْ تقعوا في حبِّ سيِّدٍ حَيّ مستنير، فالاستنارة ستكون حالاً مضموناً. لا وجود لشيءٍ اسمه “لعلّ”، لكن وجبَ استعمال “لعلّ” لأجل إعطائكم الفرصة حتى تزرعوا بذور الثقة والإيمان في تربة القلوب، لتشهدوا عليها تنمو بُرعماً، فزهرة تُعَطِّر بطيبِ عطرها مَخادع القلوب وباحات النفوس. لا حاجة ل”لعلّ” بعد أن تنمو زهرة الثقة في تربة القلب وتتفتّح.

 

ونتابع الحَضرة والحكاية في الجزء القادم.

أوشو المستنير الحبيب في رحلةٍ صوفية أبعد من الأبعاد

احتفال من قلب وحال بشار



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech