أنت الآن تقرأ في قسم: إنسان, جنّة الروح

باميلا كريبي، من الأنا إلى القلب:مواجهة جروحك الداخلية-1-

باميلا كريبي، من الأنا إلى القلب:مواجهة جروحك الداخلية-1-

المرحلة الثانية من تحوُّل الوعي، الجزء الأول:

حالما تتوقف عن جَعْل الأنا هويّتك تجدُ نفْسك بادىء الأمر في حالِ اضطراب حول ماهية مَن تكون. بإمكان هذا الاضطراب أن يكون بطبيعته عميقاً وفلسفياً جداً. سوف تبدأ بطَرحِ أسئلة حول معنى الحياة، حول الطّالِح والصّالح، حول مناقَضة ما تشعر وتفكّر به لما علَّمَك الآخرون إياه. فجأة تصبح هذه الأسئلة حقيقية بالنسبة لك وذات تأثير مباشِر على الخيارات الحياتية التي تقومُ بها. تراكَ تنظُر إلى نفْسك وتسأل: هل هذا أنا؟ هل هذا ما أريده؟ صعبٌ القيام بخياراتٍ الآن طالما أنه اتّضَح أنْ ما مِن شيء هو حقاً كما كان.

 

 

أنت الآن تقومُ بخطوةٍ إلى الوراء، خطوة داخل الأعماق، خطوة داخلك أنت. سوف تصبحُ أكثر وعياً لأجزاءٍ أعمق داخل ذاتك، أجزاء لم تتمّ برمَجتها بقوة من خلال تربيتك أو مجتمعك. سوف تتلقى ومَضات عن حقيقة مَن تكون: تميُّزك وفرديّتك. سوف تتذكّر وجود جزءاً منك لا يعتمد على أيِّ شيءٍ مِن حوله، لا أهلك ولا عملك ولا علاقاتك ولا حتى جسدك. هنا تبدأ وبشكلٍ غير واعي باستِشعار قداستك، ذلك الجزء الحُرّ الأبدي منك.

 

 

في الحقيقة، جميعكم كائنات متعددة الأبعاد…. بإمكانكم، وفعلاً أنتم تقومون بتجسيد أنفسكم داخل أبعاد كونية مختلفة ومتعددة في ذات الوقت. لستُم محدودين بإطارٍ زمنيّ أفقيّ. وشخصيّاتكم الحالية هي وجه من وجوه الكيان المتعدد الأبعاد الذي تكونُوه. ومتى اكتشفتم بأنّ تجسُّدكم الحالي ككائنات بشرية مادية هو مجرّد وجه من وجوهكم، فلتذهبوا أبعد من حدود هذا التجسُّد لتتواصلوا مع الذات الأعظم التي تكونُونها.

 

لكن قبل أن تصِلوا هناك، عليكم أن تقوموا بشِفاء الأجزاء المجروحة بداخلكم.

 

لقد خلقَ عيْشكَم وِفْقَ طلبات وتحَكُّمات الأنا جروحاً نفْسية داخلكم. لذا يخلق التخلي عن الأنا اضطراباً بادىء الأمر، وشكّ وارتباك. ثمّ تدخلون مرحلة جديدة بعد الخطوةِ الأولى: إنها مرحلة مُراقبة وفَهم وشفاء جروحكم الداخلية. سوف نتحدث عن هذه المرحلة الآن.

 

 

لقد بُنِيَت أفعالُكم وأفكاركُم على الخوف لزمنٍ طويل لأنّ الأنا هي الموجودة في مركز التحكُّم والسيطرة. وقد سعَيْتُم بطريقة أو بأخرى وبلا هوادة خلف الرغبة بالقوّة والتقدير والسيطرة. وهكذا فقد خادَعتُم طبيعتكم وفطرتكم. لقد بُنِيَت تصرُّفاتكم على أسُس معايير خارجية بدلاً من حاجاتكم الداخلية الحقيقية. وما كنتُم قادرين على أن تُحِبوا أحد بما أنّ الحبّ يُعاكِسُ الحاجة للتحكُّم والسيطرة تماماً. وهكذا فقد شكَّلَت هذه الحالة برُمّتها هجوماً على نزاهة أرواحكم. قد عانَت الروح تحت حُكم الأنا.

 

 

سوف يُصبح الألم الداخلي مرئياً وأشدّ ظهوراً لكم حينما تُحَرِّرون أنفسكم من قبضة الأنا. سوف يقفُ أمامكم عارياً ومكشوفاً مُجَرَّداً من الأقنعة. إلا أنكم لا تعرفون بَعد كيف تتعاملون مع هذا الألم حيث أنكم لا تزالون في حال الاضطراب والارتباك. فتلجأون في بعضِ الأحيان للحُكم على جروحكم الداخلية لأنها تبدو وكأنها تقودكم لتصرُّفاتٍ سلبية: إدمان الأشياء والإحباط والتقلُّبات المزاجية الخارجة عن السيطرة ومشاكل في التواصل وصعوبات في العلاقات الحميمة.

 

يسكُبُ هذا الحُكم على أرواحكم مزيداً من الألم الذي قد بدأ لتوِّه بالتوجُّه نحو النور. والروحُ آخذة في التبحُّر في إحساسها وشفافيتها والتخلي عن حاجة القوة والسيطرة، وفجأة تلتقطها شباك الحُكم على النّفْس.

 

 

كثرٌ من الناس هائمون في هذه الأراضي القاحِلة بين الأنا والقلب. إنهم يبحثون عن حقيقة أكثر مَحَبّة، إلا أنهم لا يزالون هدفاً للَسَعاتِ سوطِ الأنا.

 

في الحقيقة، ليس جرحك الداخلي هو مَن يجعلك فريسة لما تعتبره “صفاتك السلبية” فيك. بل حُكمك على جرحك هو مَن يتسَبَّب بهذه السلبية. فإنْ نظرتَ إلى نفْسك بموقفٍ مُتَقَبِّل راضٍ سَموح فإنك لن ترى المهووس أو المُحبَط أو الشخصية الفاشلة. سوف ترى مجرّد ألم داخلي بحاجة لرعاية واهتمام بأكثر الطُّرق لطَافةً وحنان.

 

رغبتك في أنْ تفهم ألمك الداخلي هي الخطوة الأهَمّ في المرحلة الثانية من مراحل الهِجرة من الأنا إلى القلب: تَقَبَّل ألمَك وافهَم جذوره ومصدره، ودَعْهُ يكون.

 

وإنْ كان بمقدورِكَ إدراك قلب الخوف المتجذِّر في جميع تعبيرات أناك، فسوف تدخل عالَم الوعي النابع من القلب بدلاً من الأنا. مهما كان تصرُّف المرء خاطئاً، فإنك وإنْ اكتشفتَ الألم والوِحدة وحاجة النفْس لحماية نفْسها، جميع هذا مُختبِىء خلف التصرف، فإنك ستتواصل مع الروح التي تبرِز التصرّف السلبي. وحالما تعي أن الروح خائفة، ستكون قادراً على المغفرة. وسوف تتجسّد مغفرتك مع ولِنفْسك أولاً.

 

 

أنظر في شيءٍ تمقُته داخل نفْسك. شيءٌ يُزعجُكَ حقاً وتظنّ بأنه كان من الأفضل لك التخلُّص منه منذ زمنٍ طويل. لعلَّهُ يكون الشعور بعدم الأمان أو الكسَل أو قلّة الصّبر أو إدمان عادة ما: كلّ ما تشعر بأنه ما وجَبَ أن يكون فيك. حاول الآن أن تفهم الدافع الحقيقي خلف هذا الميْل أو الصفة. هل في استطاعتك إدراك عنصر الخوف داخل دافعك هذا؟

 

هل تعلم أنك ما إنْ تعي وجود الخوف هناك، لسوف يملؤكَ الشّجن فتشعر ويبوحُ شعورك بأنْ: “يا إلهي، لم أعلم كم أنتِ خائفة يا نفسي! سوف أساعِدُكِ”. التسامُح يُكَلِّلُ موقفك الآن. الآن يولد الحب والمغفرة.

 

 

طالما أنك تدين وتحكُم على تصرُّف مبني على الخوف مثل العدائية وإدمان عادة ما والتبعيّة والغرور، إلخ… بأنه “سيء”، “آثِم” أو “غبي”، فأنت تحكُم وتحاكِم. ولكنّ الحُكم نفسه هو فعل أساسه الخوف. هل لاحظتَ أنك وحين تحكُم فإنك تغدو أقسى من الداخل؟ شيء ما يقسو ويشتدّ بداخلك مثلما تضغط الشفتين على بعضهما وتبرد نظرات العيون. لماذا نحتاج الحكم على الأشياء؟ ما هي الحاجة المُلِحّة في تضييق خناق الأمور وحصرها بين سيّء وصالِح؟ ما هو الخوف المستتر خلف قناع حاجتنا للحُكم؟ إنه خوفٌ من مواجهة ظلامنا الذي بداخلنا. في أساسه، هو خوفٌ من عيْش الحياة.

 

عليكَ باستنباط طريقة جديدة تماماً تنظر بها إلى الأشياء حينما تتخلّى عن الأنا. وأفضلُ وصف لها هو أنها الطريقة المُحايِدة بمعنى أنها تُلاحظ ما هو حقاً موجود ولا تُعيرُ بالاً لما يجب أن تكون عليه الأمور. هكذا تُلاحظ أسباب ونتائج التصرُّف المبني على الأنا، تكتشف قلب الخوف داخلك فتصبح الأنا شفافة حقاً لك. بإمكانك التخلّي عن أيّاً ما يصبحُ شفافاً لك، إن أنت أردْتَ ذلك.

 

كل إنسان يعرفُ الخوف. وكلُّ فردٍ منكم يعرف الوِحدة والظّلمة الناتجة عن العيْش داخل الخوف. وحينما يتمّ إظهار الخوف مباشرةً يقوم الجميع بمَدّ أيادي المساعدة على الفور. لكن وحين يتمّ إظهار الخوف بطريقة غير مُباشرة، فيتسَرَّب من تحت أقنعة العنف والوحشية، يبدو وكأنه لا مغفرة له. كلّما كان التصرُّف قاسياً ومُدَمِّراً، كُلّما كان إدراك الخوف والعُزلة والكآبة المُختَبئة خلفه صَعباً.

 

ومع هذا، بإمكانكم إدراك هذا الخوف.

إذ أنكم ومن أعماق تجربة الخوف والعُزلة والكآبة التي تخُصُّكم، سوف تتمكنون من التواصل مع الخوف العميق الساكن أرواح المُعتَدين والقَتَلة والمجرمين.

 

في استطاعتكم فَهم أفعالهم. ولسوفَ يكون بمقدوركم تجاوز أفعالهم بناءً على تجربتكم الحميمة مع ظلماتكم الساكنة داخلكم. بإمكانكم أن تدَعوا أفعالهم توجَد بدون الحاجة للحُكم على أيٍّ منها. فإنْ استطعتم حقاً أن تفهموا الخوف كقوة تتعاملون معها عبرَ تجاربكم الحياتية، لسوف تتخَلّون عن إطلاق الأحكام. الخوف لا سيء ولا جيّد. الخوف موجود ولديهِ دوراً مُعَيَّناً يلعبه.

 

 

إنّ الخوف نعمة كما أنه عذاب، لكن اللغة عاجزة جداً وصعبٌ جداً شرح هذا بواسطة مفاهيم البشر. وفي أيِّ حال، فإنّ خيار السماح للخوف بدخول واقعكم، لم يكُن مُختاراً لكم. قد كنتم الألوهية نفسها التي سمَحَت للخوف بأنْ يلعبَ دوراً أساسياً في واقعكم. وأنتم لم تفعلوا هذا لأجل تعذيب أنفسكم، بل لأجلِ الخَلق، لأجلِ خَلق واقعاً يحوي المزيد من المادة، من الاكتمال بدلاً من عالَمٍ مبني على المحبة فقط. أعلم بأنّ هذا قد يبدو أمراً لا يُصَدَّق، لكن لعلّكم تتمكنون بالحدس من التقاط ما أحاول قوله هنا.

 

الخوف جزءٌ حيوي من الخليقة. وحين يتواجد الخوف يرحل الحب. وحيثما يختفي الحب، يتمُّ العثور عليه بواسطة طرقٍ جديدة وغير متوَقَّعة. بالإمكان اكتشاف مجموعة كاملة من العواطف، بل وخَلقها حتى في غياب الحب. بالإمكان استشعار غياب الحب بأساليبٍ متعددة. حضور الحب يُحَسّ فقط ويتمّ اكتشافه بعد غياب الخوف. وإلا سوف تغزوكم الكثير من الأشياء ولن تَلحظوا هذا.

 

لذا، فمن خلال خَلق الخوف بواسطة عَزلكم لأنفسكم خارج مُحيط المحبة الذي يُحيطُ بكم، فقد سمَحتُم لأنفسكم باختبار الحب للمرة الأولى.

 

هل تفهمون؟

 

أنتم لم تخلقوا الحب، بل خلَقتم تجربة الحب. قد احتَجتُم لضِدٍّ مُعاكِس، لشيءٍ عكس الحب، لذا قُمتُم باستخدام الخوف كأداة لأجل خَلق هذه التجربة. أما نحن فبإمكاننا النظر من كافة الزوايا لنرى بوضوح الدور الروحي الذي يلعبه الخوف في واقعكم. لذا ندعوكم مراراً وتكراراً لأن تتوقّفوا عن إطلاق الأحكام. رجاءً لا تحكُموا على الخوف وعلى الظُّلمة التي يجتَرّها خلفه، سواء داخلكم أو داخل أي كيان آخر. جميعكم من المحبة خُلِقتُم وإلى المحبة سوف تعودون.

 

ونتابع المرحلة الثانية في الجزء القادم.

باميلا كريبي عالِمة على درب الروح والنور، مُقتطفات من حديثٍ بلسان وعي المسيح من خلالها. وعي المسيح الحَيّ في كلِّ قلبٍ حَيّ

Jeshua Channelings

احتفال من قلب بشار



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech