أنت الآن تقرأ في قسم: أديان, شاطئ الإستنارة

مع أوشو في رحلةٍ صوفية-2- حكايةُ الخضْر

مع أوشو في رحلةٍ صوفية-2- حكايةُ الخضْر

لقراءة الجزء الأول من الحَضرة هنا

 

ندخُلُ الآن رياضِ أجمَل الحكايات. حكايةٌ تُناديكم حتى تتذوَّقوها وتشربوها.

 

“رجلٌ حياتُه لا توصَف ولا تُقال”، هو عنوان حكايتنا.

 

الحَيّ الذي يحيا حياتَه حقاً لن يجدَ لأسرارٍ ينعَم بحَضرتها في كلِّ لحظة، كلاماً أو وصفاً. قدرتك على وَصف الحياة تعني أنك دخلْتَ حال الممات. ومتى وجدْتَ شخصاً قادراً على توصيف حياته وتفكيكها مستويات وتفنيدها وشرحها بمنطقٍ وتفسيرات، فاعلم أنه أقرب للحاسوب منه إلى الحياة. اِعلَمْ أنه واحدٌ من ضمن آلات. وحدها الأشياء الميْتة يُحكى عنها بالترتيب والتنظيم من بدايتها حتى نهايتها.

 

 

10645206_839549026065145_3423335846667668361_n

وإنّ الحياةَ سِرُّ الأسرار، وهكذا كلّ حيّ هو سرٌّ خَفِيٌّ ينضَح بالغموض والأسرار. لذا فالحياة بعيدة جداً عن عِلْم الحساب. تبقى الحياةُ بطبيعتها وأصل كينونتها قصيدة شاعرية. الحياةُ جمالٌ يجب أن يُرى ويُعاش، وليست حقيقة تُفَسَّر وتُشرَح وتُثبَت بالنظريات.

 

 

تقول الحكاية:

“في أحدِ الأيامِ كان هناك رجلٌ اسمه مَوجود”…

 

وكلمة موجود واحدة من الكلمات البديعة. ولها مَعنَيان. حرفياً، تعني كلمة موجود ذلك الحاضِر في قلبك هنا والآن. حضورٌ داخِلِيٌّ في قلب اليقظة والوعي والانتباه. أما معناها الثاني فيتفَرَّع من المعنى الأول ليَعني ذلك الحاضِر في هذه اللحظة بالذات، حاضِرٌ في قلب الحاضر. وهذا هو صاحب الحَضرة والحضور.

 

 

فإن كنتَ حاضِراً في داخلك واعياً ساكِناً مُشاهِداً ومراقِباً، لسوفَ يتجسد المعنى الثاني فتكون حاضِراً في قلب اللحظة. قد وَدَّعتَ الماضي. رحَل ولم تدعُ المستقبل فما عرفَ عنوانك ولا زارك. أنتَ مُجَرَّدٌ من كلاهما. أنت لا تملك سوى هذه اللحظة من بين اللحظات. وهذه اللحظة شاسعة واسعة لا حدود لها. لا بداية ولا نهاية لها، فكلُّ لحظة هي هذه اللحظة لأنها الآن وهنا. هذه اللحظة تحملُ الأبدية هديَّةً للحاضِرِ السّاكِنِ في قلبِها.

 

 

وحدهُم يعرفون الأبدية مَن يعيشون اللحظة، حاضِرين شاهِدين واعين لحضور الحاضِر في كل لحظةٍ هنا. وحدهم هؤلاء مَن يعرفون معنى الخلود. يعرفون معنى الحياة التي لا يكون الموت نهايةً لها. وحدهم هؤلاء يلمسون السِرّ العظيم الذي لا شرح له ولا تفسير.

 

لكن حتى وإنْ عَرَفْتَ هذا السِرّ العظيم وذُقته فإنك لن تكون قادراً على شَرحه ووَصفه. بمقدورِكَ أن تُلَمِّحَ وتشيرَ له. أن تَدُلّ بإصبعك على الدروب الموصِلة له، إلا أنك لست بقادرٍ على أن تقوله… على أن تبوح بماهيته، بحقيقته، بكينونته. وإنك لستَ بقادرٍ على أن تبوح بسبب وجوده. لماذا هوَ موجود؟ لا يوجد شيء اسمه لماذا. لا يكُفُّ الفلاسفة عن التفكير بالوجود سائلين لماذا بعدها لماذا. ويستمرون بفَبركة أنظمة يُجيبون من خلالها على هذه ال”لماذا”. ولا يوجد جوابٌ واحِدٌ في التاريخ، من أجوبة الفلاسفة أجمعين قد أصاب، فكانت جميع الإجابات خاطئة. ولن يوجَد الجواب الصحيح أبداً لأنك ومن البداية قد سألْتَ السؤال الخطأ. لن يقودك السؤال الخطأ سوى للإجابة الخاطئة.

 

العِلم لا يسأل “لماذا؟”، وكذلك الدين لا يسأل “لماذا؟”. وما الدّين سوى عِلم العالَم الداخلي الموجود فيك، أما العِلم فهو دين العالَم الموجود خارجك.

 

وبين العِلم والدين وُلِدَت الفلسفة لتَقِف بينهما. وبدأَتْ تسأل “لماذا؟” فأصابها التشتُّت والاضطراب. لا يُمكن أن تسأل “لماذا؟” ولا يجب أن تسأل “لماذا؟”

 

حتى وإن عَثَرْتَ على القليل من الشروحاتٍ والتفسيرات، لسوف يبقى السؤال يُعيد نفسه ويسأل: “لماذا وُجِدَ العالَم؟” فيُجيبُك أحدهم: “لأنّ الله خلقه”. عندها يُراودك السؤال: “لماذا خلقَ الله العالَم؟” فيأتيك أحدهم ويُجيب: “خلقه لأجل هذا السبب أو ذاك”… وهكذا تستمرّ الأسئلة بطَرح نفسها وتكرار بعضها لأنّ كلّ إجابة سوف تدفَع بالسؤال نحو مكانٍ أعمق، نحو بُعْدٍ أبعَد، ومع هذا لن يتحلَّل ولن يختفي السؤال.

 

 

لا معنى في سؤال “لماذا؟”. “لماذا” هي قارِبٌ يُهاجِرُ بك إلى مُدُن الفلسفة. الدين لا يسأل “لماذا؟” الدينُ حتى لا يسأل “ماذا؟”. الدين لا يسأل سوى “كيف؟”. والعِلمُ أيضاً يسأل “كيف؟”. هكذا يُصبِحُ العِلمُ تكنولوجيا ويُصبِحُ الدّينُ “يوغا” و”تانترا” و”صوفية” و”زِن”. جميعهم تكنولوجيا العالَم الداخلي.

 

 

” في أحدِ الأيامِ كان هناك رجلٌ اسمه مَوجود.

عاشَ في بلدةٍ حصَل فيها على مَنصِبٍ كمسؤولٍ صغير، وبَدَا الأمرُ وكأنه سوف يُمضي حياتَهُ كمُفَتِّشٍ للأوزان والقِياسات”.

 

هكذا يعيشُ الناسُ حيواتهم وهكذا تنتهي حيواتهم. أحدُهُم يُمضي حياته ويصلُ به المطاف ليكون رئيساً لمكتَبٍ عَفِن، وغيره مُدير مَحَطة، وأحدهم كرجُل أعمال، وغيرهُ أستاذ في الجامعة، وتبقى جميع هذه الأشياء عاجِزات. ولستُ أقول لك بأن لا تكون رئيس مَحَطة قطار مثلاً، لكن لا تدَع الحال ينتهي بك على هذا المنوال. حتى لو أصبحْتَ مُفَتِّشاً للأوزان والقياسات، فما الذي جَنَيْته وحقَّقته؟ ما الذي حَصَدْتَهُ من الحياة؟ ما هو اكتشافك العظيم في الحياة؟

وهكذا كانت الناس تظُنّ بأنّ الحال سوف ينتهي ب”موجود” ليكون مُفِتّشاً للأوزان والقياسات.

 

 

إلا أنّ “موجود” هو نوعٌ آخر من البشر. هو إنسانٌ يملكُ الحُضور. إنسانٌ حاضِرٌ في قلبِ اللحظة والحاضِر هو. لا بُدَّ وأنه كان في حالِ تأمُّلٍ عميق لَم يلْحَظهُ أحد من أصحاب العيون التي تُلاحق الظاهر وتعجز عن رؤية الجوهر المكنون. قد بدَت حياته الخارجية بشكلٍ مُعَيَّن بينما كانت حياته في داخلِهِ ذات شكلٍ مختلف أشدّ الإختلاف. قد كان يُبحِرُ داخِلَ الصّمتِ أعمق وأعمق، أبعَد وأبعَد، مُتجاوزاً مُحَلِّقاً بعيداً جداً عن جميع أنواع الأفكار، إذ أنك فقط حينما تتجاوز جميع أنواع الأفكار وتُحَلِّقُ بعيداً جداً عنها…. حينها فقط تُصبِحُ حاضِراً شاهِداً.

 

وما الأفكار سوى تشتيت عن الحاضِر وسَفَرٍ بعيد. الأفكار غيومٌ تجتمعُ في سماءِ الكيان فتحجِبُه عنك، تفقِدُ التواصل معه وتتوهُ شريداً هائماً في حاضِرٍ أو مستقبل، عن الحاضِرِ بعيد. لا تنتمي الأفكارُ للحاضِرِ أبداً ولن تنتمي يوماً. الأفكار وليدة الماضي أو المستقبل.

 

 

وإنْ كان هذا الرّجلُ ذاتَ حَضرة وحضور فهذا أمرٌ لا يعني سوى أنه وفي أعماق اللّيل الحالِك، في أعماق كيانه، في ذلك المكان الذي ليس بإمكانِ أحد غيره أن يدْخُله… يعني أنه كان يحيا التأمُّل العميق دون إخبار أحد من الناس. كان يحيا شهادة على الجسد والأفكار والعواطف وكل ما حواه داخل كيانه. كان يحتَكّ بالعالَم الخارجي بينما هو الشّاهَد اليقِظ المُراقِب في كلِّ آن. حضورُهُ وُلِدَ رويداً رويداً من رحِم هذا المُراقِب حتى أصبحَ حُضوراً شفافاً مُضيئاً فسُمِّيَ ب”موجود”.

 

 

“وفي أحدِ الأيام،

بينما كان يمشي بين حدائقِkhidr

مَبنى قديم قُربَ مَنزِلِه

ظهَرَ لهُ،

الخضْر… مُرشِدُ الصوفيين الغامِض.”

 

 

والآن عليكم بِفَهمِ هذا الحال: ليس الخضر سوى مجرّد اسم. إنه اسمُ مَن يحيا داخل أعماق كيان كلّ واحدٍ منكم. الخضر هو تلك اللحظة حينما يبدأ السرّ الخَفي الغامض الذي يحيا في لبِّ أعماق الكيان، بالهَمسِ لقلوبكم فرؤوسِكُم وأجسادكم خارجكم. حالما يبدأ وجودُكُم الحقيقي الأبدي بمُخاطَبة وجودكُم الواهِم الزائل الفاني، وحينما تبدأ الروح – سِرّ الوجود فيكم – بمُخاطَبة وَهم الدُّنيا الذي يمُرّ مرور الكِرام كعابِرِ سبيلٍ فيكم…. حينها هو الخضر يُخاطِبكم.

 

 

ليس الخضر بأحدٍ خارجكم… إنها مجرد استعارة من بين استعارات. إنكم وحين تُصبحون في حالِ الحَضرة والحُضور…. صامتين تحلقون وكأن لا أجساد لكم ولا قيود… لا أفكار تصول داخِل العقل وتجول… لا نفْس تلوم وتندم وتتحَسَّر… لا عاطفة ولا رغبة تُذِلّ صاحبها أو تثور على غيرها وتتكبَّر… حينها أنتم “مَوجود”. تأتي عندها لحظة من اللحظات فيبدأ مُرشِدُكُم داخلكم بمُخاطبتكم. وقد عُرِفَ هذا المُرشد الداخلي على مرّ الأزمان باسم الخضر.

 

 

“ظهَرَ لهُ الخضر…

وهو يرتدي الأخضر المتلألىء”….

 

 

والأخضر هو لون الصوفيين. الأخضر لونٌ يُمَثِّلُ الحياة: الأشجار الخضراء والنباتات الخضراء. لونٌ يُمَثِّلُ الحيوية والنّقاء … لونٌ يُمَثِّلُ الصمت والسلام.

 

قد اختارَ الصوفيون الأخضر كلَوْنِهم الرّمزي. مُجَرّد أن تنظروا إلى اللون الأخضر حتى تشعروا بحالٍ من السّلام يُحيطُكم من كلِّ جانِب. لهذا يَحلو الذهاب إلى الجبال أو الجلوس بالقربِ من الحقول والأحراج والغابات حيث تحيطُ بكم الأشجار الغامضة الخضراء. هذا الحالُ لهُ أهمية عظيمة. حالٌ يُعيدكم لحال الفِطرة والبداوة الأصيلة. حالٌ يُذَكِّركم بصمت الأدغال البدائي الفطري الأصيل. يُذَكِّركم بأنكم كنتُم أشجاراً في أحد الأيام… كنتم صامتين قَدْرَ صمت الأشجار… جذوركم ممتدة في أرض فطرتكم وصمتكم وحقيقتكم قَدْر جذور الأشجار.

 

ظهرَ لهُ الخضر وهو يرتدي لوناً أخضر متلألئاً متوهِّجاً.

 

“قال الخضر: “يا صاحب القُدرات المُنيرة”…”

 

وتذكروا… فمتى ما خاطَبَكُم لبّ أعماق كيانكم الحيّ السّاكن داخلكم، فهو دائماً ما يتحدث بهذا الطريقة: “يا صاحب القدرات المُنيرة”، لأنه ما كان في عُمر الوجود أبداً إنسان دون قدُراتٍ مُنيرة. نعم، قد لا تبلغونها وتصلون إليها، ولكنّ هذا أمرٌ آخر. هذه القدُرات المُنيرة هي قدَركم ومصيركم. إنها القدَر الإلهي لكم. لكان بإمكانكم أن تبلغوها وتصِلوا إليها. فإنْ تُهتُم عنها وما بلغتموها، فالمسؤولية مسؤوليتكم وحدكم. البذرة داخل القلوب موجودة، إلا أنكم ما رَوَيتموها. وإلا، فلَو رويتموها لنمَت وسمَت وأصبحت شجرة عظيمة، وحطَّت عليها آلافُ العصافير، ولاستراحَ آلافُ المسافرين تحت ظِلّها، ولأزهرَت الورود واحتفل الوجود من خلالكم أنتم. كلُّ إنسان يَحوي الله قدَراً في أعماقِ كيانِهِ.

 

“قال الخضر: “يا صاحبَ القُدرات المُنيرة….

أترُك عملك وقابِلني عند جانِب النّهر…

بعد ثلاثة أيام….”

ثمّ اختفى….”

 

 

لسوفَ يحدُث الأمر مراراً وتكراراً حينما تدخلون حال التأمُّل العميق. سوف تزوركُم لحظات يصبِحُ فيها اللقاءُ بين لبّ ألبابكم داخل كيانكم وبين السّطحي داخل رؤوسكم، جداً قريب. فلا تبقى بينهما مسافات ولا حتى نسَمات، فتسمعونَ صوت لبّ الأسرار الحيّ داخلكم، عالياً واضحاً جداً.

 

 

ومن جديد، تعودُ الغيوم لتتكاثف في سماوات الكيان من جديد… من جديد، تعودُ العادات القديمة والأفكار اللئيمة لتعترض الدرب والطريق داخل الكيان من جديد… فيتباعَد لبّ الألباب والسّطحي فيكم ويَحِلُّ بينهما الفراق. مرّاتٌ عديدة سيحدث هذا الأمر. مثل الذين يحيون هنا معي ومن حولي. مرّاتٌ عديدة سوف يزورهم حالٌ يشعرون معه بأنهم من لبِّ ألبابهم جداً أقرباء لدرجة يكادوا يلمسون الاستنارة في أحضانه، ويشعرون أنهم عادوا أخيراً إلى البيت العتيق… ومن جديد يضيع من بين أيديهم كلّ شيءٍ من جديد… وهذا أمر طبيعيّ.

 

سيحدث هذا مراراً وتكراراً قبل أن يبقى إلى الأبد ويستقرّ. الآلاف من التجارب السرمدية المُنيرة سوف تزوركم قبل بلوغ حال الاستنارة الكُلّي المُطلَق الأخير… سيزوركم الصغير من اللمحات. تُفتَح النوافذ ثمّ تُغلَق من جديد. فجأة، تُفتَح النافذة فترَوْنَ الرؤيا وتولَد التجربة المُنيرة، لترحَل بعدها وتعود الظّلمة من جديد.

 

ونتابع الحَضرة والحكاية في الجزء القادم.

أوشو المستنير الحبيب في رحلةٍ صوفية أبعد من الأبعاد

احتفال من قلب وحال بشار – صورة أوشو الحبيب رسَمَتها من القلب وأبعَد، صديقةُ الدرب أشواق صيود



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech