أنت الآن تقرأ في قسم: إنسان, جنّة الروح

باميلا كريبي، من الأنا إلى القلب: بداية نهاية ما تُغويك به الأنا -2-

باميلا كريبي، من الأنا إلى القلب: بداية نهاية ما تُغويك به الأنا -2-

الجزء الأول

المرحلة الأولى من تحوُّل الوعي، الجزء الثاني:

والخطوة الأولى نحو الاستنارة هي الاستسلام لما هو موجود. معنى الاستنارة هو تعريض جميع أبعاد ونواحي كيانك لنور وعيك. الإستنارة لا تعني وعيك لجميع ما هو بداخلك، وإنما إرادتك لمواجهة كل بُعدٍ داخلك بوعي.

 

الاستنارة تساوي المحبة. والمحبة تعني قبولك نفْسكَ كما هي.

وإنّ خوفك من ظلامك الداخلي ومن إحساسك بالوِحدة والهَجر الساكن أعماق روحك، هو مؤقّت. مرحلة الأنا هذه ما هي إلا خطوة واحدة فقط على رحلة النموّ الروحي وتمدُّد الوعي. والقفزة الأولى في هذه المرحلة تُتَّخَذ نحو وعيٍ فردي مقدس.

 

 

تتوازى ولادتك كوعيٍ فرديّ، ولادتك كروح مُستقلة، مع اختبار أنك وحدك وأنك مُنفَصِل عن والدتك/والدك. الأمر يُشبه ألم ولادتك في عالمك المادي. يختبرُ الطّفلُ داخل الرَّحم إحساساً شاسعاً وِسع المدى بالتوَحُّد مع الأم. ويصبحُ وِحدة مستقلة عند ولادته.

 

وبالعودة إلى ولادة الروح، فإنه وبسبب ألم الولادة هذا، تتبنّى الروح إحساساً بأنها مشتتة، بأنّ عليها أن تنفصل عن كلّ ما سلَّمَت على أنه مُلازم لها، على أنه لها الضّمان.

 

 

تتوق الروح الحديثة الولادة للعودة إلى حالة وعيٍ وحداني شبيهة بالحالة التي اختبرَتها في بيتها العتيق، من حيث أتت. ولأن الأمر مستحيل، تختبر الروح خوفاً عظيماً وأحاسيس العُزلة والشكّ. وسوف يصبح هذا الألم الداخلي أرضاً صلبة تبني عليها الأنا قوّتها وتبدأ سيطرتها. على الروح أن تتعامل مع الخوف والألم، أما الأنا فتَعِد بتقديم الحلّ وتتمكن من السيطرة على وعي الروح التي تشعُرُ بالعَجزِ والضَّياع. عندها تستسلمُ الروح وتُمَكِّن الأنا منها وتمنحها سُلطَةً عليها.

 

والأنا هي ذلك الجزء من الروح المُتَجَذِّر في الماديات، في العالم الخارجي. وليست الأنا في أصلها وجوهرها سوى أداة الروح لأجل أن تُجَسِّد هذه الروح نفسها ككيانٍ ماديّ داخل الزمان والمكان حيث تُركِّز الوعي وتجعله مُحَدَّداً بدلاً من كَوْنِهِ شاسعاً واسعاً وسع المدى بلا حدود. تجعلُهُ الآن وهنا بدلاً من كَونِه في كلِّ مكان. الأنا تُتَرجِمُ خفَقَان النوايا الداخلية إلى شكلٍ ماديّ محدّد. هي ذلك الجزء فيك الذي يصِل الهُوّة بين الجزء الروحي اللا مادي منك والجزء المادي.

 

وليس من الطبيعيّ بالنسبة للروح ككيانٍ روحيّ غير ماديّ، أن تكون مُحَدَّدة في الزمان والمكان. أصل الروح أنها مُستَقِلّة عن أيِّ شكلٍ ماديّ. وحينما تراودُكَ أحلامٌ تكون فيها في حال طيران، فأنت تتواصل مع هذا الجزء الحرّ المُستقِلّ منك. أما الأنا فتُقَيِّد وتُحَدِّد وتُمَكِّنُكَ من التواجُد في الواقع المادي. من هذا المنطلق فإنّ الأنا تعلبُ دوراً قيِّماً جداً لا علاقةَ له بالصحّ أو الخطأ. هكذا وحين تلعب الأنا دورها بتوازن في السياق الصحيح فإنها تغدو أداة نافعة في يدِ الروح التي تزور الأرض بجسدٍ ماديّ.

 

لكن، وحين تبدأ الأنا بالسيطرة والتحكُّم بوعي الروح بدلاً من أن تكون الخادم لها، عندها يختلّ توازن الروح وتمتنِع الأنا عن ترجمة ما تنبض به النوايا الداخلية إلى شكلٍ ماديّ، فتبدأ بالتحكُّم وانتقاء ما تكبُته من النوايا. هكذا تقدِّم لك الأنا صورة مشوَّشة عن الحقيقة. هذه الأنا الغير متوازنة هي في رحلة بحث عن القوة والسيطرة وسوف تبدأ بتحريف جميع الحقائق كإيجابية أو سلبية بحسب وجهة نظرها هي.

 

 

ومن المهم لك أن تُعَرِّي دوافع أفعالك اليومية المَبنية على حبّ السيطرة والتسلُّط. حاول أن تلاحظ كيف أنك غالباً ما تحاول إخضاع الناس والأشياء وفقاً لإرادتك حتى ولو كان هذا الأمر في سبيل هدفٍ نبيل. كَم من المرات تنزعج إنْ لم تسِر الأمور كما أردت؟ من المهم أن تكتشف أنه وخلف الحاجة للسيطرة يختبىءُ دائماً خوفٌ من فقدان السيطرة. فلتسأل نفسك إذاً: ما الخطر في أن تُفلِت السيطرة، وفي عدم الاهتمام لانتباه الآخرين لك؟ ما هو خوفي الأعمق؟

 

إنّ الثمن الذي تدفعهُ الآن بسبب إبقائك الأشياء “تحت السيطرة” هو موقفك تجاه الحياة الذي أصبحَ متوتراً ومحدوداً.

 

وإنك حينما تجرؤ على العيش وفقاً لإلهامك الداخلي فلا تفعل سوى ما يُدخِل الفرح في حياتك، لسوفَ تخلق نظاماً طبيعياً وحقيقياً في حياتك. سوف تشعر بالاسترخاء والسعادة دون حاجةٍ للتحكُّم بتيار الحياة. هذا هو العيْش بدون خوف: أن تحيا بثقةٍ تامة فيما ستلاقيك به الحياة من تجارب وأحداث. هل بإمكانك فعل ذلك؟

 

 

مُحالٌ بالنسبة للروح الفَتيّة تحاشي الوقوع في فخّ الأنا تقريباً. والأنا تحاولُ أن تقدِّم لك حَلّ الخروج من مشكلة الخوف والهَجر فتحوِّل انتباهك عن “ما هو الموجود في داخلي” إلى “ما بإمكانك أن تفوز به في العالم الخارجي”. هذا ليس بحَلٍّ حقيقيّ للمشكلة لكنه يبدو وكأنه يُريحك لقليلٍ من الوقت. قد يمنحك التحكُّم بالأشياء وفرض قوتك نوعا من الرِّضى المؤقت وإحساسا مؤقّتاً بأنك محبوب ومُقَدَّر ومُحترَم. هذا يُخَفِّفُ ألمك لبُرهة من الوقت. لكن فقط لوقتٍ قصير ثم عليك أن تُعيد الكرّة من جديد، فتكون أفضل أو ألطف مع الناس أو تقدِّم لهم المساعدة وتتفادى الحلّ الحقيقي من جديد.

 

 

كُن واعياً أرجوك لأنك بإمكانك تحت شعار الأنا أن تكون طيِّباً وقذِراً في نفس الوقت، تُعطي وتأخذ، تتحكَّم وتخضع. وإنّ أغلب ما تمنحُه تحت شعار هذا الحال بشكلٍ يبدو في ظاهره أنه عمل غير أناني، ما هو سوى نداء لا واعي لجذب الانتباه والحب والتقدير من مُتَلَقّي هديتك. أنت ببساطة تختبىء من نفسك حينما تستمر في عطاء الآخرين والاهتمام بهم. لذا فإنّ فَهم سيطرة الأنا لا تعني بالضرورة أن تُفكِّر بطُغاةٍ قُساة مثل هتلر أو صدّام حسين. الأمر بسيط، راقب نفْسك وتصرفات حياتك اليومية. بالإمكان ملاحظة حضور سيطرة الأنا من خلال حاجتك للسيطرة على الأشياء. ومثال على ذلك هو رغبتك في أن يتصرّف أناس مُعَيَّنون بطرُقٍ مُعَيّنة. ولأجل تحقيق ذلك أنت تقوم بفَرض قواعد خاصة للتصرُّف فتحاول أن تكون طيِّباً وُمجامِلاً مثلاً، وتتحاشى جرح مشاعر أحدهم. هناك حاجة للسيطرة خلف هذا التصرّف: “لن أقف في وجهك لأني أريدك أن تحبّني”. هكذا تفكير مَبني على الخوف. إنه خوفك من أن تكون نفْسك وتتحمّل مسؤوليتك. خوفٌ من أن تبقى وحيداً ويرفضك الناس. إنّ ما يظهر فيك على شكلِ الرقّة والظُّرف ليس سوى شكل من أشكال إنكار الذات. إنها الأنا تعمل.

 

 

وطالما الأنا تتحكّم بروحك فأنت في حاجة لتغذية نفسك بطاقة تستمدّها من الآخرين حتى تشعر بالرّضى. وتشعر بأنك تستحق القبول من الآخرين، من سُلطة ما خارجك. ورغم ذلك فإن العالم من حولك ليس ثابتاً دون حِراك إذ لا يمكنك الاعتماد على التزام الآخرين نحوك، سواء الزوج أو الزوجة، الشريك أو الشريكة، رئيس العمل أو العائلة. لهذا تجد نفسك مُهتَمّاً بصورتك الخارجية وتصرفاتك لأنّك تحتاج آراء الآخرين فيك دوماً. وهذا يُفًسِّر سبب عيْش عقلك لحالٍ من التوتر والعصبية يحياه أسيرُ الأنا.

 

لا يُمكن للأنا أن تمُدَّك بالمحبة الحقيقية وتقدير الذات. وإنّ الحلّ الذي تقدِّمه الأنا لأجل صدمة الهَجر والوِحدة ليس في الحقيقة سوى حُفرة لا نهاية لها. وإنّ مهمة وعي الروح الفَتي الحقيقية هي أن يكون لنفسه الأهل الذين تاه عنهم.

 

كُن واعياً رجاءً لأنّ بُنية الحياة الأرضية، أي عملية بدء الحياة كطفل عاجز ثم النموّ حتى تصبح بالغاً مُكتَفٍ بنفسه، هي ما يدعوك لتصبح والِداً لنفسك. إنّ مفتاح السعادة الحقيقية في حياتكم يكمُن في: أن تكون والِد أو والدة نفسك. وفي أن تمنح ذاتك المحبة والفهم اللذين افتقدتهما وتفتقدهما من الآخرين. أما على الصعيد الأكبر، الصعيد الميتافيزيقي، فهذا يعني: أن تفهم أنك الألوهية نفسها ولستَ واحداً من الخِراف التائهة. هكذا اكتشاف سوف يُعيدك إلى بيتك العتيق. إلى لُبّ قلب مَن تكون، حقيقة مَن تكون، حقيقة أنك المحبة والقوة المقدسة.

 

 

تصلُ رحلة الأنا إلى نهايتها حينما تعي الروح أنها تُكَرِّر دورة الأفعال والأفكار ذاتها مراراً وتكراراً. وتفقدُ الأنا سيطرتها حينما تشعُر الروح بالملل والتعب من الصراع طيلة الوقت لأجل كنزٍ واهِم بعيد المنال. تبدأ الروح عندها بالشكّ في أنّ وعود لعبة الأنا ما هي إلا زيف وأوهام وأنه لا يوجد شيء حتى تكسبه حقاً. تستسلم الأنا وتتخلى عن سيطرتها قليلاً حينما تشعر الروح بالتعب من محاولة كَبتها للأنا وقتالها وجلوسها على قمة هذا البركان طوال الوقت.

 

وبعد أن تحتفظ بطاقتك ولا تهدرها في محاولة التحكُّم بالأفكار والتصرفات، يُفتح الباب لمساحات من الطاقة يُتيحُ لكَ اختبارات جديدة ومختلفة. وإنك حين تدخل هذه المرحلة، قد تشعر بالتعب الشديد والفراغ الداخلي في بادىء الأمر. وما اعتبرتَهُ هاماً في مرحلة من حياتك قد يبدو اليوم بدون أيّ معنى. وقد تظهر المخاوف أيضاً وتطفو على السطح دون أن يكون لها أسباب واضحة أو مباشِرة. وقد تكون مخاوف غامضة من الموت أو من خسارة مَن تُحِب. وقد يطفو الغضب على السطح أيضاً فيما يخُصّ مجال عملك أو زواجك مثلاً. كلّ ما كان أكيداً ومضموناً يوماً أصبح اليوم مَحَلاً للشكّ. وهذا ما تقدمه الأنا لك في آخر مرحلة كي تمنعك من التحرُّر الأخير.

 

ويُفتَح الستار تدريجياً عن غرفتك المُظلمة فتطفو وتظهر جميع أنواع عواطفك ومخاوفك التي ليس بإمكانك السيطرة عليها وتدخل وعيك زارِعَةً الشكّ والاضطراب في حياتك. حتى هذه اللحظة أنت لم تكن سوى الإنسان الآلي. ستكون الآن مراقِباً للعديد من العادات الفكرية والعاطفية بداخلك حيث تدَعها تمُرّ دون سؤال. وهذا يمنح وعيك الوِحدة والثّبات. ولكن حينما يستمرّ وعيك بالتمدُّد والنموّ، تنقسم شخصيتك إلى اثنين. جزءٌ منك يحاول التمسُّك بطُرق العيْش القديمة، والجزء الآخر يشكّ في هذه الطرق ويواجهك بمشاعر غير مريحة مثل الخوف والشكّ والغضب.

 

 

هكذا تختبر التمدُّد في الوعي الذي يحدث عند نهاية مرحلة الأنا، كزائرٍ غير مُرَحَّب به. زائرٌ يُفسِد اللعبة عليك. يخلق هذا الوعي الجديد انقلاباً في كل ما ظهر لكَ واضحاً قَبلاً، ويُوقِظ بداخلك عواطف لا تعرف كيف تتعامل معها. وحينما تبدأ بالشكّ في جميع عادات الأنا الفكرية والتصرفات المبنية عليها، يدخل جزءٌ جديد منك باحة وعيك. إنه ذلك الجزء فيك الذي يعشق الحقيقة بدلاً من القوة.

 

إنّ العيش وفقاً لما تُمليه عليك الأنا ما هو سوى عيْش قمعي. أنت تخدمُ دكتاتوراً خائفاً وصغيرا يهدف إلى السلطة والسيطرة، ليس على مَن هم حولك فقط، بل عليك أنت بشكلٍ خاص. قد تمّ تقييد الانسياب الطبيعي لحدسك وإحساسك بسبب هذا الدكتاتور. إنّ الأنا لا تهوى التلقائية والعفوية كثيراً. إنها تمنعك من التعبير عن مشاعرك بحرية حيث أنّ المشاعر والعواطف لا يمكن توقُّعها ولا التحكّم بها، وهذا أمرٌ خطير بالنسبة للأنا. إنّ الأنا تعمل من خلال الأقنعة.

 

إنْ أسَرَّت لك أناك وأخبرتك بأن “كُن لطيفاً وراعِ رغبات الآخرين لأجل كَسب تعاطفهم”، فأنت ستقوم بكبت أحاسيس عدم الرضى والغضب بداخلك. فإن بدأت بالشكّ في مصداقية هذه الإملاءات، ستجد هذه العواطف المكبوتة تطفو على السطح مرة واحدة. إنك لن تتخلص من المشاعر من خلال كبتها فهي تعيش في داخلك وتتابع حياتها وتكتسب مزيد من القوة كلما قمتَ بكبتها.

 

حالما تختبر الروح الفراغ والشكّ كإشارة لنهاية مرحلة الأنا، يصبح بالإمكان مواجهة جميع المشاعر والعواطف التي كانت تختبىء في الظلام. إنّ هذه المشاعر والعواطف المكبوتة هي بوابة الدخول لذاتك المقدسة. وأنت حينما تكتشف حقيقة ما تشعُر به بدلاً من اختبار ما هو مفروضٌ عليك الشعور به، فإنك تستعيد عفويتك وأمانتك، ذلك الجزء فيك والذي يُسَمى أيضاً بالطفل الداخلي. إنّ معانقة أحاسيسك وعواطفك الحقيقية هي مَن يضع قدمك على طريق التحرُّر. لقد بدأتَ هجرتك باتجاه وعيٍ أساس بُنيانه هو القلب.

 

باميلا كريبي عالِمة على درب الروح والنور، مُقتطفات من وحيِ (Jeshua أو وعي المسيح) من خلالها. وعي المسيح الحَيّ في كلِّ قلبٍ حَيّpg

Jeshua Channelings

احتفال من قلب بشار



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech