أنت الآن تقرأ في قسم: أديان, شاطئ الإستنارة

مع أوشو في رحلةٍ صوفية -1-

مع أوشو في رحلةٍ صوفية -1-

ندخلُ اليوم محرابَ واحِدة من أعظم الحكايات. نثمَلُ وَسط المحرابِ بخمرٍ مُعَتَّقٍ أصيل لا يتدفّق سوى من قلبِ حكايةٍ صوفية يطرَبُ لها الكيان. إنْ سَكَنَت هذه الحكاية قُدْسَ أقداسِ محرابكم واستقرَّت في ألبابِ صدوركم، تكونوا قد فقَهْتُم سِرَّ أسرار الدين. وإنْ مَرَّت هذه الحكاية مرورَ الكِرامِ وَسط مِحرابِ كُلّ كيانٍ منكم، فاعلموا أنكم لستُم على فَهم السرِّ العتيق بقادرين… أنكم لن تكونوا أبداً لسِرِّ الدين فاهمين.

 

 

هذه حكاية تفتحُ أبوابها فتتراءى جِنانٌ عطورُها ليست من هذا العالم. تلوحُ في الأفقِ رياضٌ مقدَّسة يتدفَّقُ من قلبها نبعُ الوعي الديني الوحيد في الوجود. لذا، فلْتُصغوا إليها وأنتم في أحضان الوعي والشفافية والانتباهِ تسترخون. دعوا الحكاية تفتحُ لكم ذاك الباب. بابٌ ما إنْ يُفتَح ومنه تعبُرون حتى تتغيَّر حياتكم لتُفارِقوا شواطىء ما تعرِفونه.

 

 

هذه الحكاية ليست كغَيْرها من الحكايات. الحكايات الصوفية ليست للتسلية وتمضِية الأوقات. إنها تقنِيّات. تقنيّاتٌ وطرُقٌ تُشير إلى ما لا تجرؤ أن تُعَبِّر عنه اللغات. إلى مجهولٍ رياضه تُرسِلُ من أريج زهورها إلى هذا العالَم أقدس وألطَف وأشَفّ نفَحات. حكايات الصوفية هي للإلهي المُقَدَّس، للحَضرة الجَليلة، لتراتيل الأصوات الرحيمة، انعكاسات. حكاياتٌ تقولُ ما لا يُقال وتحكي ما لا يُحكى. حكاياتٌ تتراءى في أفقِ السماوات بعيدة عن شواطىء هذا العالم، غريبة عن ما تعرِفونه وتُعَرِّفونه على أنه الحياة، قريبة من جليلٍ رحيمٍ يسكُنُ الألباب في انتظار خطوةٍ تخطونَها حتى تبدأ رحلتُكم إليه.

 

الإيمان هو سِرُّ حكايتنا. فنُّ الثِّقة… فنُّ الإيمان… فنُّ استسلامكم للوجود الإلهي المُقَدَّس، حاضِرين للرِّضى والتسليم في كلِّ آنٍ وحين. إنّ الإيمانَ في المستحيل يجعلُ المستحيل حقيقة، كذلك الإيمان بالمعجزات يُحَوِّلها حالاً من أحوال الحياة. أنّى لهذا السِرّ العظيم من وجود؟

 

10003563_826131017406946_7782733360145627981_oلِتَعلَموا بأنَّ المستحيلَ مستحيل فقط لأنّكم ما مَلَكْتُم شجاعةً كافية تجرؤون بها ومن خلالها على إيمانٍ يتبَخَّر من شدّة شغفه، الكيان. يتطاير صاعداً إلى أبعدِ سماءٍ مثل لاشيء، مثل الدخان. ما يحيا في صدوركم ويسكُنُ مخادِعَ نواياكم ويتجَوَّلُ في حقول أفكاركم ويتمايلُ على وَقْعِ إحساسكم، قادرٌ على أن يُصبحَ موجوداً أمامكم يلاقيكُم على دروب حياتكم. جميعُ ما يحدثُ داخلَ معبَد وعيِكم قادرٌ على أن يَخلِقَ نفسَه في المكان والزمان خارجكم. قدَرُ ما تلاقونَهُ خارجكم على دروب حياتكم، أنْ يكونَ أولاً بذرةً داخل صدوركم.

 

ولا خوفَ من مُستحيلٍ إن كنتُم بالقلبِ المؤمن تنعَمون. زيارةُ الله لكم وقَرْعهُ على أبوابكم ليست بُمَستحيلٍ إنْ كنتُم بالقلبِ المؤمنِ تَنعَمون.

 

لكنّكم في حاجةِ القلبِ المؤمنِ الشَّغوف بثقةٍ تُمطِرُ سَكينةً واستسلاماً وتَسليماً دائماً قائماً على مدار الليالي والأيام. لستُم في حاجة العقلِ المؤمن فالعقلُ عاجِزٌ عن الإيمان ولا يَقوَى إلا على الشكّ والإعتقاد. وما دَوْر مُعتقداتكم التي تحمِلونها داخل رؤوسكم سوى قَمع ما يَهدِر في أعماق هذه الرؤوس من شُكوكٍ وظُنون. هكذا ابتعدَ المُسلِمون والمسيحيون والبوذيون واليهود والهندوس عن درب الأبدية المُقَدَّس… فما زاروا معابِد خشوعِ القلوب وانحنائها، وما سَكَنوا جِنان استسلام النّفس حتى فنائها كنسيمٍ يُشبه اللمسةَ الحَنون، ثمّ اختفائها بعيداً عن الإدراك والإلهام والعيون. لا هُم زاروا ولا سَكَنوا ولا عرَفوا لهذه المعابد والجِنان عنواناً. هكذا يستمرون في قضاء حيواتهم وهُم داخل عقولهم يعيشون ومن خلالها يؤمنون. إيمانٌ مُستحيلٌ أن يعتَدِل ويستقيم لأنه من الأساس أمرٌ مُستحيل.

 

أما القلبُ فليسَ على الشكِّ بقادِرٍ. ما باليَدِ حيلة سوى أن يسترخي سابِحاً مع تيّار الإيمان يأخذُه حيثما يشاءُ الإلهي المقدّس. يعتقدُ العقلُ نفْسه أنه يؤمن بالإنجيل، بالقرآن، بماهافيرا، بموسى أو ماو تسي تَنغ. هذه المُعتقدات هي أشباحٌ مُخادِعة ترقُصُ على مسارِح الغِياب: غياب القلب حيثُ يصبحُ الحقيقي مفقودا ويغدو البديل المزيف في حضورِ العقلِ موجودا. تابِعوا حيواتكم وأنتم بجميعِ هذه الأشياء تعتقدون، وسوف تضيعُ الحياة هباءً ويمرُّ العُمر وأنتم ما مشيتُم نحو السِرّ الأبدي ولَو خطوة واحدة من بينِ خطَوات. عُمرٌ تَظُنّون أنفسكم قَضَيتموه وأنتم تطالون بأيديكم السماء وتَملكونها، والحقيقة أنكم تائهون هائمون وَسط صحراء.

 

 

وحدهُ القلب مَخدعُ الطِّفل الخاشِع المُصَدِّق المُستَسلِم الموقِن بحدوث المعجزات…. وحدهُ القلبُ مخدَعُ هذا الطّفل، وهذا الطِّفلُ هو الإيمان. وحدهُ إيمانُ القلب هو حديقةُ القداسة التي تزورها المعجزات. الإيمان وليدُ قلب البراءة، مَخدع الطفولة…. وكيفَ للطِّفلِ أن يَشُكَّ في الوجودِ الإلهي ولَو للحظة ويَظُنّه لن يَخُصَّهُ بالفريد والمتميِّز والزّاهي من المعجزات؟

القلبُ طِفلٌ قانِع راضٍ يحيا في استسلامٍ تامٍ للحياة. والرِّضى بمآتي الحياة هو الإيمان الحَقّ، هو الثِّقة التي لا تقوَى على شرحِ مُكَوِّناتها وأسبابها الكلمات. الإيمان ليسَ فكرة. الإيمانُ إحساس. بل وأعمق. الإيمان مكنونٌ يحيا في قلبِ الصَّدر، والصَّدر هو لبّ الكيان.

 

في بدايتِهِ يكونُ الإيمانُ إحساساً إلى أن يرتقي ويعتلي أسمى وأعلى تلالِه، فيغدو هو الكيان.

وما لَم ينمُ لينصَهِر وكيانِكَ كياناً واحداً، لن يكون قادراً على تحقيق المعجزات، ولسوفَ يكتفي بأن يلتزم غرفةً بداخلك بَنَيْتَها لتكون مَخدَعاً للأحلام.

 

لكنّ المخاطَرة تصبحُ صديقتك ورفيقة دربك إنْ أنتَ قَرَّرْتَ الهِجرة إلى جِنان الإيمان. صادِمٌ لكم أن تعلَموا بأنّ الشكَّ جداً جبان. لربّما أخبروكم بأنّ صاحِب الشكّ هو المِقدَام الشُّجاع، ووحدهم الجُبناء الضُّعفاء هُم من يلجَأون إلى الإيمان. هذا الكلام نِسبَةً لسياق أحوال البشر لهُ من الحقيقة نصيب، فمَن يؤمنون من رؤوسهم هُم حَقاً جُبَناء ضُعَفاء ولم يعرف أحد في هذه المجتمعات سوى  أصحاب الإيمان النابع من الرؤوس لا القلوب. أما الإيمان الحقيقي فهو أكبَر وأبهى الشجاعات… هو أزهى وأقوى وأهَمّ البطولات.

 

 

ما هو الإيمان؟

وَحدهُم مَن ارتشفوا من كأسِ الحبِّ المقدَّس رشفات، يعرفون حال الإيمان. الإيمان ظِلٌّ يلاحقُ المحبّة على مدار اللحظات والدقائق والساعات. كِلَا المحبّة والإيمان يولدان من رحم القلب، مثلما يولَد الشكّ والخوف من داخل الرأس. ومَن اختار الرأس لهُ سَكَناً فما اختارَهُ سوى لأنه جبان. فالشكُّ لا يولَد إلا بسببِ وجود توقٍ داخل النفْس عميق. توقٌ لها حتى تحمي نفسها، حتى تُدافع عن نفسها وتكون في مأمَنٍ وأمان. إذهبوا إلى المساجد والكنائس والمعابد ولسوف تجدون الكثير من الجُبَناء. ساكِنُ الرأس لا يقوَى على الهجرة إلى ربوع القلب حيث تهدرُ العواصف والرياح عاتية قوية، فساكِن القلب لا يعرف إلى أين المصير وما الوجهة التي يبتغيها القلب…. لا يعرف إلى أين سيأخذه قلبُه وما سوف تكشفه له خوافي الأيام. وإنك لن تثق بالإلهي المقدس، إنك لن تؤمن بالله إلا إنْ كنتَ جاهزاً للترحال في قلبِ الخطر والمجهول، على دروبٍ ينعدِمُ في رحابها شيءٌ مثل الأمان والضّمان. إنك لن تؤمن ما لم تُبحِر بلا خريطة حينَ يأخذك التيار إلى مدنٍ مجهولة. الثقة، الإيمان، إنها الشجاعة الأعظم في الوجود ووحده الشجاع قادرٌ على أن يكون متديناً ولا أحد سواه.

 

هو القلبُ مُغامِرٌ فاردٌ شراعَ سفينته دوماً، مُرتَحِلٌ في بحورِ الخفايا والأسرار وما تُخفيه عن المُدرَك والمحسوس، ما تخفيه عن العين، الحياة. ولا يكفُّ القلبُ عن متابعة رحلة حَجِّه الأبدية في توقٍ للأبدي الذي لا يموت. في شوقٍ وحنين يغمُر حناياه ويزدادُ يوماً بعد يوم. الدنيا لا تُغنيه ولا تُغويه، لأنه إلى وصالِ الحيّ القدسي يتوق. القلبُ رحّالٌ لا يهدأ ولا يرتاح.

 

لا يهدأ القلب إلا عندما يُلاقي الله. عندما يُلاقي ما لا قَبله ولا بَعده. الدنيوي عن إشباع القلبِ عاجز. الدنيا ضعيفة أمام القلب لا حولَ لها ولا قوة. يحيا القلبُ وفيهِ على الدّنيا العادية تمرُّد لا انقطاعَ له. يبحث ويغامِر ويُخاطِر باحثاً عن الجذور، عن الأصول. هو مُستعِدٌّ للتخلّي عن أيّ شيء في سبيل أن يجد بيتَهُ العتيق، الصّدر المقدّس الحنون، السِرّ الرحيم المكنون. عشقُ القلب هو أن يعي حقيقة ما هو حقاً موجود، ماهية الوجود، سِرّ الموجود. هذا هو الله…. السِرّ المَوجود.

 

خاطَبَ الرأسُ النّهرَ حينما لاقى الصحراء وهو في طريقه إلى البحر قائلاً: “لا تتبخَّر أرجوك، فإنْ أنتَ تبَخَّرْتَ وتلاشيْتَ، فمن يدري أين ستكون؟ مَن ستكون؟ لن يعود لهويّتك وشكلك ومكانك وجود. قد لا يعود لك كما كُنتَ أيّ وجود”. هذا حديثُ الرأس. ولكنّ الرسالة التي هَمَسَت بها الصحراء قد رشقَت سهامُها في لبّ القلب. أنصتَ إليها وفَهِمها. فما كان من النهر إلا أنْ أجاب: “لن يكون مصيري في قلبِ الصحراء فناءً… مصيري أبعد من كلّ الأبعاد… وإني لن ألقى مصيري إلا بعد الغياب… بعد المُخاطرة، بعدَ لقاء الصحراء… وما مِن ضمان… لكن هذا ما عليَّ القيام به حتى أعبُر لما وراء الأبعاد”.

 

 

لن يبوح عقلُك اللاواعي بما يحويه من رسائلٍ حكيمة وأسرار إلا إن ارتشفتَ الثّقة من كأس القلب وسكنَت كيانك. وما الدينُ سوى عطر هذه الثقة يفوح.

 

ليس الإلحادُ سوى موقف عاجز يتبنّاهُ الضُّعفاء. لا يدخل المجتمع غابات الإلحاد إلا عندما يُصيبه الاهتراء ويشارف على الموت مُوَدِّعاً الصِّبا والشباب. لا يخاطِر المجتمع ويرتحِل نحو شواطىء المجهول إلا حينما يكون في ريعانِ الشباب. حينها يسعى للعيش وسط الخطر لأنها الطريقة الوحيدة لعيْش الحياة.

 

وإني أوَدّ أن تستمعوا إلى هذه القصة قبل دخول الحكاية الأساسية.

في يومٍ من الأيام كان مُلحِدٌ يمشي بالقرب من حافة جبل حينما زَلَّت قدَمُه فهَوى. وبينما هو يَتدلّى من حافة الجبل، أمسَكَ بغُضنِ شجرةٍ صغيرة. أيقَنَ وهو يتأرجَحُ بين الحافة والهاوية، وفي الفراغ يتمايل كلما هبَّ الهواء البارد يميناً ويساراً، بأنّ الأملَ في الخلاصِ مفقود. أما الغصن الصغير الذي أمسكَ به فقد بدأ يضعف وأصبح على وشكِ أن ينكسر.

 

قال في نفسه: “حسناً، لن يُنقذني الآن سوى الله. لم أؤمن بالله في حياتي قَط، لكني قد أكون مُخطئاً. سوف أجرِّب فما الذي قد أخسره؟” عندها نادى على الله: “يا الله، إنْ كُنتَ موجوداً، أنقذني وسوف أؤمنُ بك”. فما وجَدَ لطلَبِهِ جواباً.

 

نادى من جديد: “أرجوك يا الله. لم أؤمن بك أبداً، ولكنّك إنْ أنقذتني الآن فسوف أؤمن بك دائماً وأبداً”.

 

فجأة أتاه صوت من وسط الغيوم: “وإنك لن تؤمن بي حتى ولو أنقذْتك. إني أعرف البشر أمثالك”.

 

أصاب الرجل الذهول حتى كاد يُفلِتُ الغَصن من يدِه وقال: “أرجوك يا الله. لا، أرجوك. إني أعني ما أقول. سوف أؤمن بك، أرجوك!”.

 

“إنك لن تؤمن بي فهذا ما يقولونه جميعاً”.

 

عندها بدأ الرجل بالنقاش وسَرد الحُجج والأعذار وتقديم الإعترافات. وخلاصة كلامه أنه كان مُخطئاً، ولسوف يتّجه نحو الإيمان بالله.

 

فقال الله له في نهاية المطاف: “حسناً، سوف أنقذك…. أفلِت الغُصن”.

فأجابه الرجل: “أُفلِت الغصن؟ أتَظُنَّني مجنوناً؟”

 

 

هو الإلحادُ دائماً وأبداً جَبان. ما مِن إنسان يتمتّع بالشجاعة وإلا وأصبح مُتَدَيِّناً في يومٍ من الأيام. لذا وإن صادَفتُم إنساناً مُتدَيِّناً وجباناً في ذاتِ الوقت، فاعملوا أنّ الأمر ليس على ما يُرام، إذ ليس بإمكانِ زَهرة التديُّن أن تُزهِرَ في تُربةِ جَبان. دينُ الإنسان الجَبان كالجدار يَحتمي خلفه. جدارٌ يُدافِعُ به عن نفْسه. استسلامه للوجود الإلهي ليس استسلاما، فهو من نبع الخوف داخل كيانه يتدفَّقُ ويَنساب. استسلامه للوجود المقدّس لم ينسَب من ينبوع الحُبّ والشجاعة والإقدام. قبوله بوجود الإلهي المقدّس سبَبهُ خوفه من الموت، من المرض ومن الخطر. وتحت سماء هذه الحقائق الرمادية العابِسة تنطق نفْسه محدّثةً نفْسها: “ما الذي سوف أخسره؟ يجب أن أؤمن. علَيَّ أن أصَلِّي”.

 

صلاتُهُ نِفاق لا تعدو كَوْنها أشباحَ خوفٍ ترقُص على مسارح الحياة. خوفُه دافِعُه للذهابِ إلى مسجدٍ أو معبدٍ أو كنيسة أو رجل دين.

 

إنّ الإنسانَ حين يصبحُ شجاعاً حَقاً فإنه سوف يَقصد سَيِّداً مستنيراً وليسَ رجُل دين. لن يذهب إلى مسجد أو كنيسة أو معبد خالٍ من الحياة، وإنما سيبدأ بالبحثِ عمّا تضُجُّ في قلبِهِ ومن حولِهِ الحياة. سوف يَقصدُ بوذا أو يسوع أو كريشنا لكنه لن يَقصدَ رجل دين أو مسجد أو كنيسة أبداً. 

 

 

هكذا إنسان يقول للوجود الإلهي نعم… نعم يا الله… نعم أيها الوجود المُقَدَّس، إني مُستسلِم لمشيئتك فأنا منك، جزءٌ لا يتَجَزَّأ. استسلامُه دافِعُه الشجاعة والفَهم العميق: أنه والوجود في حال وحدة، وأنه لا يحيا بعيداً عن حِضن الله كجزيرة مُنعَزِلة.

 

هكذا إنسان يَعي أنّ الإعتراض على مشيئة وسَيْر أقدار الوجود الإلهي المقدّس هو بمثابة اعتراض على وجودِهِ هوَ نفْسه. ما قدَر الشجرة إن اعترضَت وما رضِيَت بوجود الأرض؟ إنْ قالت للشّمس لا؟ قدَرُها سيكون انتحاراً. حياة الشجرة هي للأرضِ والشمس والريح والغيوم تسليم واستسلام. الشجرة تحيا حال استسلام على مدار الليالي والأيام.

 

هكذا الإنسان. على مَن سوف يَعتَرِض وإلى مَن سوف يقولُ لا؟ لأرضِه وسمائه وشَمسه وسَبَب وجوده نفْسه؟ هكذا يكون قد اقتَصَّ نفْسه وانتزعها من جذورها. لا…. الإنسان الشجاع يُلقي على الوجود مِن حوله نظرة عميقة يملَؤها الفَهم والعِرفان، ليرى ويشعُر ويحيا أنه جزءٌ من عائلة الوجود الإلهي المقدس هذا، فيسترخي حينها حيث لا مكان ليلجأ إليه سوى الوجود نفسه، أصله ومصدره وسبب وجوده. يسترخي ولمشيئة هذا الوجود يستسلم ويُسَلِّم. استسلامٌ للأبد يتدفق وعلى الدوام. هكذا إنسان يُخاطِر بأيِّ شيءٍ حتى يبقى في حال رِضى وتسليم واستسلام.

 

 

والعقلُ يُجابِه هذا الخطر ويُحارِبه. خطر البحث عن مصدر الإنسان، عن الإلهي المقدس، عن الله، عن النِّعمة الأبدية والحقيقة الكُليّة. هذا بحثٌ خَطير والعقل لا يكَفُّ عن إعلانِ الحرب عليه والوقوف ضِدّه وضدّ الباحث صاحبه. لكنّ الإنسانَ الشجاع يعلَم أنّ عليه المُخاطَرة بكلِّ شيء. المخاطرة  حتى يبلُغ المحبة الإلهية وفي عِشقها يذوب ويفنى في نهاية المطاف.

 

إلا أنّ الناس تُحاول إقناع نفسها بأنها عن الله تبحث وفقَ حدود وقيود مجتمعها. فلا تُخاطِر بشيء وتبقى على الهامش تؤدّي دورها. أنت تكسَب المال وتحظى بنجاحٍ في الحياة، بإمكانك الآن توفير ساعة للذهاب إلى مسجد أو كنيسة أو معبد لأجل الصلاة. بإمكانك حتى أن تجلس بجانب سريرك لتُصَلّي دقيقتين وترَدِّد ذات الكلام، فتشعُر بالسرور وتخلُد إلى النّوم. هكذا تظُنّ نفْسك تؤدي دورك في المجتمع، وفي ذات الوقت تَظُنّ نفسك متديّناً تؤدي دورك المطلوب منك تجاه الدين. تظُنّ أن هذا هو الدين.

 

لكن هذا ليس الدين. الدينُ ليس فِعلاً. الدّين هو اكتشاف نِعمة ساكِنة في قلبِ الكيان. إما أن تشِعّ هذه النعمة بنورِ الصمتِ الأبدي، وتستمرّ من داخل كيانك بالتوَهُّج والإشعاع لتملأ حالك وحياتك وجسدك ومقامك، أو أنها غير موجودة على الإطلاق. مجرّد تأدية صلاتك لقليلٍ من الوقت قبل أن تنام لا يعدو كَونه لنفْسِك خِداع وضلال. أنت تهوى أن تلعب مع نفْسك الكثير من الألعاب.

 

هذا النوع من الدين، دين الواجب الذي تقوم بفِعلِه لأجل أن تشعُر أنك متدين وإلى الدين تنتمي، لا ينفَع ولا يُجدي. الدين حال عليكَ بلوغه ثم العيْش فوق تلاله مدى الحياة، لا يُفارِقك ولو لحظة من اللحظات. وهذا أمرٌ عسير لا يَقوَى عليه الجُبَناء. لذا أذّكِّرُكم: ليس الدين للضعفاء الجبناء الذين لا يتوقفون عن المساومات والمُجاملات لأجل مصالِحهم في هذه الحياة. الدين فقط للشُّجعان الأقوياء. لا مكان للدين في حياة العقل التجاري الحِسابي. الدين متوفِّرٌ فقط للمجانين المستعدّين للمخاطرة بأيِّ شيءٍ في هذه الحياة.

 

ونتابع الحَضرة ونبدأ الحكاية في الجزء القادم.

أوشو المستنير الحبيب في رحلةٍ صوفية أبعد من الأبعاد

احتفال من قلب وحال بشار – صورة أوشو الحبيب رسَمَتها من القلب وأبعَد، صديقةُ الدرب أشواق صيود

Oshoworld


المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech