أنت الآن تقرأ في قسم: أديان, شاطئ الإستنارة

أوشو، يسوع المسيح وحكمة الدهور -2-

أوشو، يسوع المسيح وحكمة الدهور -2-

لقراءة الجزء الأول هنا

قال متّى :”أنت مثل فيلسوف حكيم”،

 

ما كانَ مَتّى في رحلةِ بحثٍ عن الأخلاقيات وإنما عن المعرفة. قد كان يسيرُ في اتجاهٍ أقرب إلى العِلْمِ هو. وقد ظنَّ أنّ بإمكانه الحصول على بضعةِ مفاتيحٍ قادرة على فَتحِ أبواب خفايا الحياة، إذ رأى يسوع إنساناً يفوحُ منه أريج الفَهم وعِطره. هكذا ظنَّ متّى أنه بالإمكان جمع المعلومات من هذا الإنسان.

 

 

لكنك مُخطِىء إن أتيْتَ يسوعاً أو إنسانا مثل يسوع طالباً للمعرفة. نعم يسوع هو رجلُ حكمة لأنّ أيّاً ما يقوله يدخلُ إلى القلبِ مباشرةً فيُصبح ساكناً للقلبِ مُقيماً بداخله. لأنّ جميع ما يقوله حقيقة كالأشجارِ الخضراء هو تسترخي النّفسُ تحت ظِلاله وترتاح. لكنك وفي وسط كلّ هذا تفتقِد كيان يسوع وتُضَيِّعه، تبتعد عن حَضرة يسوع ولا تعيرها اهتمام. إهتمامك مصبوبٌ على الكلمات. قد كان متّى باحِثاً عن المعارف والمبادىء والنظريات والنُّظُم والفلسفات. مجدداً، إنك لن تلتقي يسوع ولن تلاقيه إنْ أتيْتَهُ بعقلٍ حاملٍ لهكذا توقّعات. يسوعُ ليس صاحب معرفة ومعلومات، بل صاحب حَضرة وكيان منه يسطَعُ شعاع الألوهية الأبدي وينساب. وما الفرق بين صاحب المعارف والمعلومات وبين صاحب الحَضرة التي تتعدّى الكلمات؟

 

 

جميع أنواع المعرفة والمعلومات ليست سوى حالة من السطحية المزيفة لأنها جميعها مُستعارة مَيْتة لا توجد بداخلها حياة. أما يسوع فحَيّ يتوهَّج بالحياة ولم يستَعِرْ في حياته من أيِّ إنسانٍ أيّة معلومات. قد اختبرَ وعلِم وغرَف بنفسه في أحضان تجربته وحده ولم يعتمد على أحد بأيِّ شكلٍ من الأشكال. لسوف يشاركُ حَضرته معك، لسوف يدعوكَ لتكون بالقرب من نبع الحياة وأصل الوجود Lake (19)وقلب الله الذي ينبض بداخله فيبثُّ خفايا وأسرار، إلا أنك ستكون أحمقا إن عُدْتَ من هكذا حَضرة حامِلاً ذاكِراً لما قاله من كلمات. كان بإمكانك أخذ هذه الكلمات من أيِّ كتاب دون حاجة كي تُتعِب نفسك وتذهب إلى يسوع بالذات. لكانت المكتبة أفضل وأشمَل فهي تحوي جميع الكتب التي صدرَت على مرِّ القرون وشتى أنواع المعلومات.

 

 

قد أتيتَ وجلسْتَ في حضرةِ كيانٍ مَهيب يُجَسِّدُ لك نبع الحياة ومصدر الأبدية، كيان تُبسَطُ من خلاله يدُ الألوهية، كيانٌ يتدفَّق بأنهار الحَضرة الخفِيّة التي كانت لتَصُبَّ في قلبك وتروي لك ظمأك، وها أنت تلتهي بالكلمات. الأمرُ كأنك ذهبْتَ إلى إمبراطورٍ أخبركَ بأن اطلُب وتمنّى، فما طلبْتَ سوى قطعة خبزٍ صغيرة، فرِحتَ بها وهَلَّلْتَ لها واكتَفيْت وإلى منزلك عُدْت. إمبراطورية كاملة كانت موجودة أمامك، تنتظرك أن تطلب ما شئتَ منها، وها أنت لا تطلب سوى الكلمات، وتتعلَّم النظريات فتصبح عقائدياً بامتياز. قد كان مَتّى هو الأساس العقائديّ للمسيحيين.

 

 

هكذا انغمَسَت الكنيسة في أمرين، ولهذا السّبب ذُكِرَ هذان الأمران في هذه الحكاية. قد أصبح سمعان هو الأساس للأخلاقيات التي تتحدث عنها الكنيسة، للعدائية الموَجَّهة ضدّ الجنس، ولا يزال إلى اليوم هو الأساس، بينما أصبح متّى هو أساس العقيدة ولايزال للعقيدة هو الأساس. الكنيسة مُنغمِسة في أمرين لا مكان ليسوع بينهما: في الأخلاقيات أي معرفة ما هو الصحّ وما هو الخطأ، وفي العقيدة أي النظريات حول الله. العقيدة لا تعني سوى نظريات حول الله، ومن المستحيل أن توجَد أيّ نظرية حول الله.

 

 

ليس الله بنظرية أو فرَضيّة في استطاعتكم إثباتها أو إنكارها. ليس في استطاعتكم النقاش حوله. لكان بإمكانكَ مُلاقاة الله حينما كان يسوع معك موجودا. وجود يسوع في مكان يعني أن الله موجود في ذات المكان لأنه يسكُنُه، لأنه يحيا بداخله، ولكنّ البحث عن المعرفة سيكون عائقاً في وجهك. ما كان عليكَ سؤال يسوع عن المعرفة بل عن الحَضرة. إلا أن جَمع المعلومات سهل لذا تسألون عنها وتهرولون خلفها فهذا أمر لا يتطلّب أي تحوُّل منكم، ولا يدعوكم لتحويل أنفسكم. في البحث عن المعرفة أنتم ببساطة إلى الكلمات تستمعون، ثم الكلام نفسه تجمَعون، لا تحَوُّل ولا تحويل. لكن إن كنتم عن الحَضرة تسألون، عن السرّ المَكنون، فعليكم أن تبلغوا حال صمتٍ مهيبٍ داخلكم أولاً، ثم عليكم بدخولِ حالِ تأمُّلٍ عميق، جداً عميق حتى لا تعودوا جسد ولا عقل ولا عواطف ولا أيِّ أحد إلى أن تصبحوا الصّمت نفسه، حَضرة خالية من حضور أيِّ أحد. عندها فقط بإمكان يسوع أن يسكُبَ خَمرَهُ المقدّس داخلكم.

 

 

قال متّى :”انت مثل فيلسوف حكيم”.

لكنّ يسوع ليس برجلٍ حكيم، بل هو الحكمة نفسها تمشي وتتحرك. ليس شرطاً على الرجل الحكيم أن يكون مستنيراً. هناك حُكماء وليسوا بمستنيرين: قد كان كونفوشيوس رجلاً حكيماً لكن ليس بمستنير. مانو كان حكيماً وليس بمستنير. أما بوذا فقد كان مستنيرا، لاوتسو كان مستنيرا: حكمة المستنير تأتي من مصدرٍ مختلف تماماً. المستنير هو مَن قفز في مصدر الحياة برمّتها، من سكَن أصل وقلب ومنبع ومصدر الوجود، مَن لاقى الألوهية وجهاً لوجه. قد اختبَر وعلِم. معرفته ليست وليدة عقله ولا معلوماته، بل وليدة تجربته، حَضرته واختباره. لذا أقول بأنّ يسوع هو رجلُ حَضرة لا معرفة.

 

 

بإمكانك جَمع الحِكمة من التجارب التي مرَرْتَ بها على دروب الحياة. هكذا يصبح أيّ إنسان هرِم حكيماً. حتى الأحمق بإمكانه أن يكون حكيماً في أحد السياقات. مجرد عيْش الحياة بتجاربها وحلوها ومرّها وأخطائها وحماقاتها، قادر على أن يُهديكَ الحكمة.

 

 

حكمة يسوع ليست هذا النوع من الحكمة، فهو لم يكُن كبيراً في السنّ وإنما في الثلاثين من العمر. قد كان فتيّاً حقاً. لم يخُض تجارب كثيرة في الحياة لذا حكمته ليست هذا النوع من الحكمة. لكنه غرفَ من المجهول، اختبر المجهول… مجهولٌ هو بمثابة مصدر الحياة وأساسها ونَبعها. هو لم يتنقَّل على أغصانِ شجرة الحياة، بل ذهب إلى جذور شجرة الحياة نفسها وغاصَ فيها عميقاً جداً. لن ينتبه متّى لهذا الأمر. لسوف يجمع الملاحظات ويدوِّن أيّاً ما يقوله يسوع. لسوف يصنعُ إنجيلاً مما يقوله يسوع ويصوغُ نظريات. كِلا سمعان ومتّى لم يغرفا من يسوع شيئاً.

 

أما توما ثالث التلاميذ والذي روى هذه الأحاديث عن يسوع، فقد كان الأقرب إلى يسوع. إلا أن هذه الأحاديث غير مذكورة في الإنجيل إذ من الخطر ورود حكايات يسوع وتلاميذه الأقرب إليه.

 

ونتابع الحَضرة في الجزءالقادم.

أوشو المستنير الحبيب عن أسرار تعاليم يسوع المسيح

احتفال من قلب وحال بشار



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech