أنت الآن تقرأ في قسم: أديان, شاطئ الإستنارة

أوشو، يسوع المسيح وحكمة الدهور -1-

أوشو، يسوع المسيح وحكمة الدهور -1-

قال يسوع لتلاميذه : ” قارنونى بشخص وأخبروننى بمن أشبه؟”
قال سمعان بطرس :”أنت مثل ملاك بار”
قال متى :”أنت مثل فيلسوف حكيم”
قال توما ” يا معلم, يعجز فمى أن يقول مثل من أنت “
قال يسوع “أنا لست معلمك, ولأنك شربت فإنك سكرت من عين الماء المتدفقة التى أعتنيت ُ أنا بها”
وأخذه يسوع جانبا وأخبره عن ثلاثة اشياء, وعنما عاد توما لرفقائه سألوه: ماذا قال لك يسوع؟
قال لهم توما: إن أخبرتكم عن واحدة مما قال لي, فستلتقطون حجارة وترجموننى بها, وستخرج ناراً من الحجارة وتلتهمكم.

 

 

وإنّكم تستغِلّون أيَّ فرصةٍ للهربِ مِن إنسانٍ مثل يسوع المسيح أو بوذا، راجينَ الهرب أبعد من الأفق البعيد، لأنه موتٌ لكم، لِما بداخلكم، لماضيكم ومستقبلكم. أعذارٌ وأعذارٌ للهربِ تختَلِقونها وبالمنطق والأسباب العقلانية تدعَمونها. وتَهُمُّ عقولكم بإيجاد خطأ ما في الحَضرة الماثِلة أمامها عَلَّها تجِد ذلك الخطأ المُفتَعَل من العقلِ نفسه عُذراً كافياً يدعوها للهربِ إلى أبعدِ مكان. خوفُكم من لقاءِ إنسانٍ مثل يسوع المسيح سببه أنه الحَضرة الحَيّة التي تخترق جوهر كلّ موجود فترى ما بداخلكم يختبىء في أعماقِ صدوركم. ما مِن شيءٍ يَخفى على هذه الحَضرة حتى ولو كان في عُمقِ أعماق ذواتكم. أنتم كالكتاب المفتوح أمامه فأين ستذهبون وكيف لكُم بتجميل زَيف النوايا المتدفق من دواخلكم والمحيط بكم وأنتم في حضرته تقفون أو تجلسون؟

 

 

حتى أنكم لم تفعلوا شيئاً طوال حياتكم سوى الاختباء من حقيقتكم، من فطرتكم وأصلِكم. طوال حياتكم عِشتُم حياة تأبى خَلع أقنعتها عنها، وترفضُ أن يكون الصِّدق مع النّفس صاحِبها. طوال حياتكم كانت الأكاذيب صديقتكم، وخوفكم من أن يُرى كلّ هذا يرافقكم. لستُم سوى ورقة شجر صفراء ترتعش أمام إنسان مثل يسوع. في حضرَته أنتم ترَوْنَ حقيقتكم التي قضيتُم العمر هاربين من مواجهتها. في حضرته صورتكم الاجتماعية تتداعى وتنهار. حضوره كالإعصار. وحدهُم من يملكون أشجع القلوب هُم مَن يقتربون من يسوع ويعشقون العيشَ والمسير في حضرته. وليس اقترابك من يسوع سوى دلالة على أنك أصبحت للقفزِ في أحضان الغيبِ المجهول جاهزاً وحاضِراً، على أنك أصبحتَ لخسارة نفْسكَ الماضية التي عشتَ العمر معها، مُستَعِداً.

 

 

يا لها من شجاعةٍ أنتم في حاجةٍ لها إنْ قرّرتم العيشَ مع يسوع حيث لا أرض تحتكم، بل عليكم القفز في أودية المجهول بلا أمان ولا ضمان ولا تنظيم تستوعبه العقول، فارِدين أشرعتكم وسطَ بحارٍ بعيدة عميقة. هي مشكلة الإنسان الأصلية الحقيقية. ولأجل هذا السبب قِلّة هُم مَن سَيَلحَقون بيسوع. مَن يَهُمّون بالهرب لن يعرفوا ما الذي فقدوه. قد خسِروا قداسة الحَضرة والحضور، وخسِروا المعنى الوحيد لحياتهم في الوجود، لأنكم لستُم من يسوع هاربين، في حقيقة الأمر أنتم من مواجهة حقيقة سرائركم ومكنونات صدوركم وحقائق نفوسكم، تهربون. يسوع ليس سوى مستقبلكم إذ أنكم الآن البذرة وهو الشجرة بعد أن نمَت البذرة وسمَت فارتفعَت وعَلَت. هروبكم منه هو هروبكم من قدرتكم ومستقبل البذرة التي زرعها الوجود داخل تربتكم.

 

 Lake (19)

وليسَ ضرورياً على الذين اقتربوا من يسوع ورافقوه أن يعرفوا مَن هو هذا الإنسان لمجرد أنهم يمشون معهُ جنباً إلى جنب. باستطاعتكم تحاشي يسوع حتى وأنتم بالجسدِ منهُ أقرباء. مَن يدري بالنوايا؟ قد تكونون في رفقته لأجل الخاطىءِ من الأسباب. قلّةٌ هُم مَن يختارون الإقتراب من يسوع مِن بينِ آلاف. وبين القلّةِ هذه أناسٌ اختاروا القربَ منه لأجلِ الخاطىء من الأسباب. سيفقدونه ولن يعرفوه كما أولئك الذين هربوا منه، لا فرق ولا اختلاف.

 

 

إبحثوا في مكنونات نفوسكم لتعلموا سبب اختياركم السيّد المستنير حتى ترافقوه. هل اخترتموه لأجل معرفة الحقيقة المُطْلَقة كما هي دون توقعات أو سابق افتراض وفرض للميول والأهواء الروحية والأنا الشخصية والمعتقدات؟ نادراً جداً ما يبحث الإنسان حقاً عن الحقيقة المُطلَقة المجرَّدة كما هي. قد تكونون لطلبِ السّعادة ساعين، لكن ليس الحقيقة. وطالب السعادة لن يتمكن من إيجاد الحقيقة لأنّ السعادة نفسها هي نتاج بلوغ الحقيقة المُطلَقة وعيْشها بالتجربة والإختبار. السعادة ظِلّ الحقيقة لذا لا طريق يؤدي إلى السعادة مباشرةً قبل بلوغ الحقيقة.

 

 

تسعة وتسعون شخص من وسط مائة هُم عن السّعادةِ باحثين لا عن الحقيقة. قد عانوا في حياتهم وجرعتهم الحياة من كأس مرارِها الكثير فتألّموا واكتئبوا وباتوا لمُضادٍّ للإكتئاب طالبين، للسعادة. إبحث عن السعادة مع إنسان مثل يسوع أو بوذا ولن تجد شيئاً ولن تعي مَن هو هذا الإنسان حقاً لأنّ عينيْكَ مغلقتان. استحالة أن تكون السعادة هي الهدف ومنتهى الطريق. السعادة تأتي لكنها تظهر لك من تلقاء نفسها على رحلة الطريق.

 

 

أو لعلّكم لستم عن السعادةِ مع إنسانٍ مثل بوذا أو يسوع، تبحثون. لعلّ أهدافكم لم تبلغ مرتبة السعادة بعد فكانت أقلّ منها وأدنى. لعلّك تقترب من سيِّدٍ مستنير لأجل اكتساب قوة أو سُلطة أو عيْش حال يُحيي أناكُم الروحية ويُنعِشها. عندها لا فرصة بينكم وبينه للقاء. وتظلُّ الأهداف في تدهورٍ وانحدار خالِقةً بينكم وبينه ألف جدار. بينكم مَن يقتربُ منه لأجل التنعُّم بسِرّ صحة الجسد مثلاً…. أنت المريض وترجو من يسوع أن يشفيك. أنت الفقير وترجو من يسوع أن يُغنيك. بركاته في اعتقادك سوف تتحوَّلُ مالاً في حياتك. أو لعلّك في حاجةٍ للإنجاب وهو وسيلتك كي تُرزَق بالأطفال.

 

 

كلما كانت أهدافك أدنى كلما خسِرْتَ اللقاء الحقيقي مع المستنير فما عرفته وما شربته وما فتح قلبك أيّ من أبوابه.

بالنسبة لعقولكم فإنّ الحقيقة تبدو جافة لا إغراء فيها ولا جاذبية فلماذا تختارها عِوَضاً عن السعادة؟ لذا يخفتُ التّوق فيكم كلما دفعكم أحدهم للبحث عن الحقيقة، بينما يشتدُّ حينما تلتمسونَ بحثاً عن السعادة. وإن أخبرتكم بأنْ ابحثوا عن الحقيقة والسعادة ستلاحقكم مثل ظلّكم، فلعلّكم توافِقون على البحث عن الحقيقة لأجل عيون النتيجة، لأجل عيون السعادة. أنتم إذاً ومجدداً عن السعادة تبحثون لا عن الحقيقة.

 

 

لا تَقرَبوا إذاً يسوع أو بوذا أو زاراثوسترا إلا إن كنتُم عن الحقيقةِ المُطلَقة باحثين. فإن كان اقترابكم يبتغي بُعداً جسدياً أو نفسياً أو روحياً، فالمسافة بينكم وبين هكذا إنسان بعيدة جداً جداً لدرجة لا يمكن وَصلها. مساحاتٌ شاسعة واسعة لا متناهية تباعِدُ بينكم وبينه.

 

والآن أنظروا إلى قوْل يسوع هذا:

قال يسوع لتلاميذه : ” قارنونى بشخص واخبروننى بمن أشبه؟”

 

لماذا طرحَ يسوع هذا السؤال؟ ألا يعلم حقيقة مَن يكون؟ هل سيعي حقيقة مَن يكون حينما يراها بعيون تلاميذه وتنطقها شفاههم؟ ولماذا يريد أن يعرف مَن يكون من خلال تلاميذه؟ السبب ليس أيّاً مِن هذا. السبب الحقيقي يكمُنُ في أنّ ما سيقوله أيّ من التلاميذ لسوف يكون حكاية تحكي عن سبب اقتراب هذا التلميذ ومرافقته ليسوع. حكاية سوف تروي السبب الحقيقي وراء لحَاق هذا التلميذ بيسوع. إنّ التلميذ يخلِق صورة سيِّده المستنير ويصوغها برغباته ثم يُسقِط عليها إسقاطاته وتوقعاته. فإن كنتَ بالقربِ من يسوع لأنك مريض فيسوع بالنسبة لكَ هو الشّافي. دائماً ما تنظرون للمستنير من نوافذ رغباتكم ثم تقومون بإسقاط رغباتكم عليه. وإن كنتَ بالقربِ من يسوع بحثاً عن قوةٍ ما فيسوع بالنسبة لك هو القادِر الأقوى صاحب المعجزات لأنه وفقط حينما يكون الأقوى والأقدر على كلِّ شيء سيكون بإمكانه مَنحكَ شيئاً من هذه القوة. وإنْ كنتَ تسعى للخلود لأنك تخشى الموت وتهابه لسوف تعكسُ صورة يسوع هذا الخلود على مرآة رغبتك.

 

لماذا سأل يسوع تلاميذه طالباً منهم أن يُخبروه مَن يكون؟ قد سأل فقط لأجل أن يعرف سرّ إسقاطاتهم، ما الذي يقومون بإسقاطه عليه. وتذكروا بأنكم حين تقومون بإسقاطِ صورة أو فكرة أو توقُّع على المستنير فإنكم لن تعرفوه ولن تُلاقوه أبداً. عيونٌ صافية شفافة كصفحةٍ بيضاء لم يُكتَب عليها شيء هي وحدها القادرة على أن ترى مَن هو يسوع أو بوذا حقاً. عيون خالية من الإسقاطات. لا تُسقِطوا أيّ شيء، بل انظروا إلى ما هو أمامكم كما هو. ويسوع حقيقة، بل الحقيقة الأكثر انسياباً بالألوهية الحيّة في الوجود. أنظروا له مباشرةً كما هو دونَ أن تقف رغباتكم وأحلامكم في وجهكم وأنتم إليه تنظرون. لا تجلعوا من يسوع شاشة تتجسّد عليها رغباتكم وتنعكس وإلا سوف ترون، إلا أنكم لن تروا سوى انعكاس رغباتكم نفسها وليس يسوع نفسه.

 

قال يسوع لتلاميذه : “قارنونى بشخص واخبروننى بمن أشبه؟”
قال سمعان بطرس :”انت مثل ملاك بار”

 

لابدّ وأنّ هذا الرجل قد كانَ متزمِّتاً داعياً للأخلاق. ولابدّ وأنّ هذا الرجل قد كانَ يعاني إحساساً بالذَّنْب لأجل انشغالِهِ بالأخلاقيات لأن كلّ ما تقوله عن الآخرين لا يعطي أيّ صورة عن الآخرين ولا يُشير لهم بأيِّ شكلٍ من الأشكال، بل يُشير لك أنت ويبوحُ بشيءٍ عنكَ أنت. جميع ما تحكُم به على الآخرين هو في الحقيقة ليس حُكماً عليهم بل عليك أنت.

 

 

قالها يسوعُ مراراً وتكراراً بأنْ لا تحكموا على أحد لأنّ جميع أحكامكم لابدّ وأن تكون خاطئة. أحكامُكم إنعكاس لما بداخلكم. لماذا تعتبر اللصّ آثِماً برأيك؟ السبب هو ارتباطك وتعلُّقك الشديد بما تعتبره ملكيتك الشخصية. حُكمك هذا لا يحكي عن اللصّ ولا يُبَيِّن ويُفصِح سوى عن تمَلُّكِكَ للأشياء.

 

قال سمعان بطرس :”انت مثل ملاك بار”.

الرجلُ يبوح بأمريْنِ هنا، أوّلهما الفضيلة والصلاح فلا بدَّ وأنه يخشى ارتكاب الأخطاء، يخاف الخطيئة والضّلال والإبتعاد عن الخُلق القويم وبالتالي الإنحلال، لذا يقومُ بإسقاط الصَّلاح على يسوع ولأجل هذا السبب هو موجودٌ بالقربِ من يسوع.

 

تذكَّروا بأنَّ الأضداد تجذِبُ بعضها. إنْ كنتَ رجلاً فسوف تجذبُكَ امرأة. وإنْ كنتَ طمّاعاً جشِعاً لسوفَ يجذِبُك مَن عن الدنيا استغنى وبنفسه استكفى، فهو القديس في نظرِ شخصٍ جشِع مثلك. وهذا الإنجذاب للضدّ هو أرضٌ خصبة تنمو في تربتها مشاكل حقيقية.

 

أنظُروا إلى أتباع الديانة الجاينية في الهند تجدونهم الأكثر ثراءً في البلاد والثراء لا يأتي بدون طمع، بدون جشع، إلا أنهم يعبدون القديسين الذين استغنوا عن كلِّ شيءٍ في هذا العالَم. تراهم لا يسمحون لقديسيهم بارتداء الملابس إذ على القديس الجايني أن يظلَّ عارياً بلا ملابس، بلا أيّ نوع من الممتلكات ولا حتى الملابس. القديس بالنسبةِ لهم لا يملُك سوى جسده. يتناول الطعام مرّة واحدة. ينامُ على الأرض والسماءُ هي الغطاء الوحيد. لكن لماذا يحدثُ هذا؟

 

مُحَمَّد زرع بذرة السَّلام إذ أنّ كلمة إسلام تعني السّلام. لكن أنظروا إلى المُسلمين تجدونهم ينضمون للائحة البشر الأكثر عُنفاً على وجه الأرض إلى جانب غيرهم من أتباع الديانات بدونِ عِلم أو اختبار أو فَهم. فلماذا يُجذَب هكذا أنواع من البشر لقلبٍ مُسالِمٍ مثل مُحَمَّد ولدينٍ حالهُ السّلام والإستسلام؟ هذا لأنّ الضدّ يجذب ضدَّه، نقيضَه. دائماً ما يكون الضدّ والنقيض هو مصدر جاذبية وإغواء لأنّ هذا هو الأساس الذي يقومُ الجنسُ عليه، ومبدأ الجنس الأساسي هذا يتبعُكَ في جميع زوايا وأبعاد حياتك أينما ذهبْت ومهما فعَلْت.

 

 

قال سمعان بطرس :”انت مثل ملاك بار”.

لا بدّ وأن كان الذنبُ يلاحِقُ هذا الرجل مثل ظلّه بسبب انشغالِه بالأخلاق واللا أخلاق والخطأ والصّواب، وسواء أكانت أفعاله مجرّدة من الأخلاق حقاً أم هو مخطىء في حُكمه على نفسه إلا أنه في كِلا الحاليْن يحيا شعور الذنب. ولهذا فقد جذَبَهُ حضور يسوع وحضرَته لأنّ يسوع كان يبدو كالملاك: نقي طاهر وبريء لم يرتكب في حياته أي خطيئة.

 

والملائكة هي رموزٌ للكَمال المُطلَق… للبراءةِ والنَّقاء والصّفاء. وفي هذا بوحٌ كثير عن شخصية سمعان بطرس. وقد أصبح سمعان الأساس الذي قامَت عليه الكنيسة المسيحية. لهذا انغمَسَت الكنيسة في تِبيان ما هو أخلاقي وما هو غير أخلاقي فتحوَّلَت إلى دروسٍ في الأخلاق لا في الدين. وسمعان بطرس هو الجذر والسبب الرئيسي: قد خلقَ الذّنبْ لأنك متى ما أصبحتَ مهموماً بشكلٍ زائدٍ عن الحَدّ بما هو صحيح وما هو خاطىء فلسوف يلاحِقك الذّنْب مثل ظلّك إذ أنّ الحياة لا تعرف لا الصحّ ولا الخطأ، الحياة تجهَل كلاهما.

 

الحياة تتجاوز كِلا الصحّ والخطأ فهي لا تعرفهما وتجهَل عنوانهما. لذا تتجاوز كلاهما وفي الوقت ذاته تصُبّ في اتجاهِهما. تمرُّ في شوارِعهما. نهرٌ يطوف ويتحوّل إلى سيول يغرقُ بسببها آلاف الفلاحين ويموتُ من الناس المئات ويتشرد الآلاف…. هل هذا عمل أخلاقي أو غير أخلاقي؟ هل بإمكانك نَعت النهر بأنه سيّء وشرير؟ والله موجودٌ في قلبّ النهر ولبّه قدْرَ وجوده في قلبك ولبّك.

 

فكرة الأخلاق إذاً هي فكرة من اختراع عقول البشر، أما الله فيتجاوز جميع هذه المفاهيم. الوجود بأكمله يتجاوز جميع هذه المفاهيم. الوجود لا يملك أخلاقا وفي الوقت نفسه ليس مجرّداً من الأخلاق. لكنك وإن ذهبْتَ إلى يسوع حاملاً موقفاً عن الأخلاق وما هي الأخلاق فإنك لن تلتقيه، لن تفهمه ولن تعيه. سمعان بطرس، القديس بطرس قد ابتعد عن يسوع تماماً ولم يلتقِ الحضرة الحقيقية لأنه كان في رحلةِ بحثٍ عن رجل الأخلاق، عن قديس، لا عن رجل الحِكمة، لم يكن يبحث عن الحكيم.

 

 

وهذا هو الفرقُ بين القدّيس والحكيم: الحكيم يتجاوز الأخلاق واللا أخلاق ولا علاقة له بكِلا الموقفين، كما الحياة تماماً. وقد أصبح واحداً والحياة فلا وجود لأضداد وتناقضات في رؤياه. أما القديس فقد اختارَ ما يظُنُّه الصحيح وأدانَ ما يظُنُّه الخطأ. قد اختار نصفَ الحياة ولم يختَر كليّة الحياة. ليس القديس بمتديِّن لأنّ الإنسان المتدين هو مَن يرتضي الحياة بكليَّتها دون إدانة شيء لأنّ في إدانة أيّ شيء إدانة لله. في إدانتك لأيّ شيء أنت تدين الله مباشرةً. ما الذي تعنيه حينما تدين الجنس؟ الله مَن خلَق الجنس وأوجَده وأنت تدينه وتطالب بالإبتعاد عنه. أنت قديس عندها لكن قداستك ليست سوى موقف أنت تراه مناسب للأخلاق. موقفٌ بعيدٌ عن التديّن ولا علاقة له به.

 

قد فهِمَ الهندوس هذا الأمر جيداً والتفتوا له. فإن عُدتُم بالزمن إلى أيام الفيدا لوجدتُم حكماء الهندوس وقديسيهم يحيوْن حياة عادية جداً، زوجات وأولاد وعائلات… لم يرفضوا الدنيا وينبذوها. رفض الدنيا ونبْذها والهرب منها وُلِدَ مع البوذيين والجاينيين. عدا هذا فقد كان القديسون الهندوس يحيوْنَ الحياة بكليّتها بدون إدانةِ شيءٍ فيها. بإمكان القديس بطرس أن يصبحَ كاهناً جيداً، قديساً أيضاً، لكن ليس حكيماً. في داخله توجد مفاهيمه الخاصة عن الحياة ولأجل هذا  أتى إلى يسوع.

 

ما الذي تفعلُه حقاً وأنت تملأ نفسك بمفاهيمٍ أخلاقية؟ أنت تدين نفْسك لأنَّ ما مِن شيءٍ يتحلَّل ويتلاشى ويذوب لمجرّد أنك أطلقْتَ عليه صفة “خاطىء” ووصفته بها. جميعها أشياء تبقى. صاحب المفاهيم الأخلاقية التي ترى في الجنسِ خطأً سوف تجذِبه النساء أكثر وأكثر، النساء جميلات ورغبته موجودة بداخله. رغبته هذه هي من الله هدية. رغبته هذه موجودة عميقاً داخل مسَامّ كلّ إنسان، في صُلب وقلب كلّ خلية في جسدك. يقول العلماء بوجود 70 مليون خلية في الجسد وكلّ خلية منها هي كيان جنسي. جسدك بأكمله هو ظاهرة وحالة جنسية. مهما فعلت وأينما ذهبْت ورحلْت، سواء أغلقْتَ عينيْك أو إلى أعلى قمم الهيمالايا هربْت، سيبقى الجمالُ ملاحقاً لك مثل ظلّك.

 

هل لاحظتَ الزهرة وجمالها؟ جمالها هو جمال جنسي أيضاً. طيرٌ يشدو في الصباح الباكر…. هل لاحظْتَ بأنّ شدوَهُ هو دعوة جنسية وإغواء جنسي؟ إنه ينادي على الشريك، يبحثُ عن الحبيب. ما هي الزهرة؟ الزهرة هي حالة جنسية فهي كزهرة مجرد خُدعة لا أكثر. ولأنّ الشجرة ليس بإمكانها الحِراك من مكانها، يقومُ النحلُ والفراشات بنقلِ خلاياها الجنسية لأشجارٍ أخرى. وتذكروا بأنّ هناك أشجار ذكور وأشجار إناث وليس بمقدورها الحِراك لأنها متجذرة في الأرض. لذا كانت الزهرة هي الحيلة لجَذبِ النّحل والفراشات وغيرها من الحشرات، فتأتي إلى الزهرة فيحمِلُ النّحل البذرة الجنسية مرتحلين إلى الشجرة الأنثى حيث تقع البذرة هناك.

 

أينما وُجِدَ الجمال وُجِدَ الجنس. الحياة برُمَّتها هي ظاهرة وحالة جنسية. ما الذي بإمكانك أن تفعله؟ أن تحارب الحياة؟ بإمكانك أن ترفض الحياة وهذا قرارٌ بيدك لكنك حين ترفضها سوف تشعرُ بالذّنْب لأنّ ما قُمتَ بكَبتِهِ لا يزال موجوداً في أعماقك. وإنك لن تشعر بسعادةٍ أبداً والذنْب صاحبك وصديقك. كيف لك أن تسعَد وتضحك وترقص وأنت طِوال الوقت خائف تخشى ظهور المكبوت داخلك وخروجه إلى السطح؟

هكذا تتبدَّدُ طاقتك في حربٍ داخلية وصِراعٍ مع الذات. ولابدَّ لهكذا إنسانٍ تمكَّن من كبتِ الكثير داخل الكيان، من أن يكون الآخر في عيونه مُدانا.

 

صعبٌ جداً عليكَ أن تحيا مع مُدَّعي المبادىء والأخلاق لأنك دوماً ما ستجدُ أحكاماً وإدانةً مُطِلَّةً عليكَ من عينيه مُستعدة للانقضاضِ عليك. قد كان الطعام ذو المذاق اللذيذ ممنوعاً في مركز غاندي. بإمكانك تذوُّق الطعام لكن ذلك الذي لا مذاق له ولا طَعم.

 

لماذا؟ لماذا تكون ضدّ الطَّعم اللذيذ؟ لأنّ التلَذُّذ بالطَّعم يُعتبر واحداً من بينِ مُتَع الحياة. القديسون يحيوْنَ حياتهم في عدَاءٍ لمُتَع وملذّات الحياة. ليس في استطاعتك أن تجدَ قديساً يبتسم أو يضحك. دائماً ما يبدو جَدّياً أو حزيناً يُدين نفسه والآخرين. حياته مريضة فكيف للسعادة أن تعرف له عنوانا؟

 

سمعان بطرس في الحكاية هنا رمز. قد قال له:”أنت مثل ملاك بار”. في الحقيقة هو يقول: “لقد أتيْتُ إليكَ لأنك طاهِر: وُلِدْتَ من أمٍّ عذراء، لم تتزوج أبداً، لم تستمتع في حياتك مُطلَقاً، ولم تحيا الحياة بتاتاً. أنت طاهر، لذا إني أراكَ كالملاك”.

 

ونتابع الحَضرة في الجزء القادم.

أوشو المستنير الحبيب عن أسرار تعاليم يسوع المسيح

احتفال من قلب وحال بشار



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech