أنت الآن تقرأ في قسم: أديان, شاطئ الإستنارة

أوشو: الأفكار المتناقضة تصيب الجسد الذّهنيّ بالتوتّر والاضطراب

أوشو: الأفكار المتناقضة تصيب الجسد الذّهنيّ بالتوتّر والاضطراب

قراءة الجزء الأوّل

قراءة الجزء الثّاني

قراءة الجزء الثّالث

 

الجسد الرّابع هو الجسد الذّهنيّ. وكما توجدُ رغباتٌ بداخل الجسد النجميّ، كذلك توجدُ بداخل الجسد الذّهنيّ أفكار: أفكارٌ متناقضة… حشدٌ هائلٌ من الأفكار المتناقضة… وكلّ فكرة تسعى للتّعبيرعن نفْسها وكأنّها تتحدّث بلسان جميع الأفكار… وكأنْ لا وجود لفكرةٍ غيرها. كلّ فكرة تسعى لامتلاكك والسّيطرة عليك وكأنّك لها وحدها دون غيرها من الأفكار. الأفكار إذًا هي مَن يخلقُ التوتّر في الجسد الرّابع. أن تحيا بلا أفكار، وهذا لا يعني أن تكون نائمًا أو في حالٍ من اللّاوعي، بل في حالِ وعيٍ مَهيب يخلو من حضور الأفكار… يعني أن يكون جسدك الرّابع في حالٍ من الصّحّة والعافية. لكن كيف للإنسان أن يكون واعيًا بلا أفكار تصول وتجول داخل رأسه؟

 

في كلّ لحظة، تُخلقُ أفكارٌ جديدةٌ بداخلك. في كلّ لحظة يتشابكُ شيءٌ من ماضيك مع شيءٍ من حاضرك ويدخلان في صراع. قد عشْتَ ماضيكَ على سبيل المثال تنتهجُ نهجًا شيوعيًّا، أمّا الآن فقد أصبحْتَ كاثوليكيًّا وتؤمن بشيءٍ مختلف تمامًا. إلّا أنّ الماضي لايزال موجودًا. في استطاعتك أن تصبحَ كاثوليكيًّا ولكنّك لن تتمكّن من رَميِ الشّيوعيّة الموجودة بداخلك. ستبقى مُقيمةً فيك. بإمكانك تغيير أفكارك، ولكنّ الأفكار التي نويْتَ أن تجتَثَّها وتقتلعها من رأسك ستبقى موجودة في انتظارك. وستبقى عاجزًا عن نسيانها أو التخلُّص منها وكأنّك ما سمعْتَها، أو كأنّها ما دخلَتْ عقلك يومًا. هذه الأفكار أبحرَتْ ووصلَتْ إلى أعماقكَ فسكنَتْ لاوعيك. هذه الأفكار لن تُظهرَ نفْسها لكَ لأنّك قرَّرْتَ التخلُّص منها وأن تستأصلها، ولكنّها ستبقى موجودة في انتظار أن تحين فرصتها. ولا بدّ للفرصة أن تأتي. حتّى في الأربع وعشرين ساعة، سوف تزورها لحظة تنتهز فيها الفرصة فتتقمّص أنتَ شخصيّتك الشّيوعيّة من جديد، ثمّ تعود لكوْنِك كاثوليكيًّا. هذه حكاية تتكرّر يوميًّا. والنّتيجة النّهائيّة هي الاضطراب. لذا فالتوتّر يعني الاضطراب بالنّسبة للجسد الذّهنيّ. إنّه يعني الأفكار المتناقضة، التّجارب المتناقضة، والتوقُّعات المتناقضة… والمُحَصّلة النّهائيّة لكلّ هذا هي عقل مضطرب. قدَرُ هكذا عقل مضطرب أن يُصابَ بمزيدٍ من الاضطراب إنْ حاول تجاوزه إذ يستحيل بلوغ حال من الاسترخاء والوضوح من قلب الاضطراب.

أنتَ مُضطرب، والبحث الرّوحي سوف يخلقُ بُعدًا جديدًا لاضطرابك. جميع اضطراباتك الأخرى لاتزال موجودة، وها أنت الآن تضيف عليها اضطرابًا جديدًا. تلتقي معلّمًا روحيًّا، ثم تذهب لغيره، وبعدها تنتقل لغيره، وكلٌّ منهم يُضيف إلى اضطرابك اضطرابًا. هكذا تتحوّل أنت إلى بيتٍ يصرخُ فيه المجانين. هذا ما يصيب الجسد الرّابع، الجسد الذّهنيّ. على مستوى هذا الجسد، الاضطراب هو التوتّر.

وما هو السّبيل للتخلّص من هذا الاضطراب؟

السّبيل الوحيد والطّريق الصّحيح الذي عليكَ أن تسلكه هو عدم إدانتك لفكرة لصالح فكرةٍ أخرى. فإنْ لم تقم بإدانة أيّ فكرة – كإدانة الشّيوعيّة لصالح التديّن، أو أن لا تدين الله لصالح فلسفة الإلحاد – وتقبَّلْتَ كلّ شيءٍ تفكّر به… عندها تختفي الخيارات فلا خيار لك كي تتّخذه… عندها تختفي التوتّرات. استمرّ باختيار ما تريد من الأفكار وسوف تضيف لتوتّراتك مزيدًا من أنواع التوتّر الجديدة.

لابدّ للوعي أن يكون بلا خيار… أن يكون مجرّدًا من الخيارات. عليكَ أن تكونَ واعيًا لعلميّة تفكيرك بكليّتها. عليك أن تعي الاضطراب كاملًا. وفي لحظة وعيك له ورؤيتك للصّورة الكبرى، سوف تعلم أنّ ما يحدث داخل فكرك هو اضطراب. لستَ مُكَلَّفًا باختيار شيء. عليك أن تهجر العمليّة الفكرية برمّتها. وما إنْ تعلم أنّ ما يحدث في رأسك هو مجرّد اضطراب، سوف تتمكّن من مغادرة هذا المنزل الفكريّ وهجره في أيّ وقت. ستتنحّى الصّعوبة ويصبح الابتعاد عنه سهلًا.

إبدأ إذًا بالوعي التامّ لكامل عقلك. لا تختر أيّ شيء. واللحظة التي تصبح فيها واعيًا لكامل محتويات عقلك وللعمليّة الفكريّة الداخليّة، هي لحظة تحرُّرك من الهويّة الفكريّة. عندها لن يحدّدَ عقلُكَ هويّتَك. ولأوّل مرّة سوف تعي نفْسَكَ وعيًا خالصًا وأنّك لسْتَ عقلًا. العقل نفْسه سيصبحُ آلة تنظر إليها وتراقبها، تمامًا مثلما تنظر إلى النّاس أو إلى الأثاث في بيتك… هكذا تصبحُ واعيًا لعقلك، للعمليّة الذّهنيّة. أنت الآن هذا الوعي والعقل ليس هويّتك.

تكمُنُ الصّعوبة مع الجسد الرّابع، الجسد الذّهنيّ، في أنّ عقولنا تُحَدِّد هويّتنا. إنّك وإنْ كنتَ مريضًا وقال لك أحدهم أنّ جسدك مريض، لن تغضب. لكنّك تثور ثورةً عارمة إنْ قال لكَ أحدهم بأنّ عقلك مريض وتشعر بإهانةٍ كبيرة. لماذا؟

أنت تشعر بتعاطف من يُخبرك بأنّ جسدك يبدو عليه المرض، ولكنّك تنتفض وتثور عندما يلمّح أحدهم لمرضٍ ذهنيّ يُلِمُّ بك. والسّبب في هذا هو أنّ هويّتك في عمق أعماقها قد حُدِّدَت بعقلك أكثر من جسدك: أنت العقل.

حتّى أنك قادر على الشّعور بفصْلٍ بينك وبين أجزاء جسدك، فتقول هذه يدي مثلًا. ولكنّك عاجزٌ عن قول: “هذا عقلي”، لأنّك تظنّ بأنّ العقل هو أنت. هكذا تظنّ النّاس بأنّها عقولها فتغدو العقول هويّتها وتعجز البشر عن معرفة أيّ حقيقة تتجاوز العقل.

وإنّك لن تعرف شيئًا أبعد من حدود عقلك ما لم تصبح واعيًا لأفكارك. عندها ستعي أنّ العقل ليس سوى عمليّة فكريّة… هو مَخزون من فكر: هو آليّة، هو مخزن، هو حاسوب يحوي تجاربك الماضية وجميع ما تعلّمته وعرفته في ماضيك. العقل ليس أنت، وبإمكانك أن تكون موجودًا بدونه. العقل آليّة بالإمكان العمل عليها وتغييرها، بل وتخليصك منها.

لذا، فبالنّسبة للجسد الرّابع، الوعي هو الصحّة واللّاوعي هو المرض. الوعي هو الاسترخاء واللّاوعي هو التوتّر. وأنت تستمرّ بالعيْش داخل أفكارك بسبب تحديد هويّتك بها فتخلقُ حاجزًا بينك وبين كينونة وجودك.

عليكَ إذًا أن تكون واعيًا للعمليّة الفكريّة بكليّتها. لا تختر ولا تقرّر ولا تحكُم، كن واعيًا فقط. مع الوعي تتحرّر من قيد هويّة العقل. والتحرّر من هويّة آليّة العقل يعني الاسترخاء.

يتبع…

أوشو المستنير الحبيب عن علْم نفْس الحقائق الإيزوتيريكيّة الرّوحيّة

احتفال من قلب وحال بشّارعبدالله



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech