أنت الآن تقرأ في قسم: أديان, شاطئ الإستنارة

أوشو: الحبّ غذاء الجسد الأثيريّ، لكنّ مجتمعاتنا لم تعرف الحبّ أبدًا

أوشو: الحبّ غذاء الجسد الأثيريّ، لكنّ مجتمعاتنا لم تعرف الحبّ أبدًا

قراءة مقال “توتُّر الأجساد السّبعة”

 

 

تخُصُّ الأحلامُ الجسدَ الأثيريّ، أي الجسد الثّاني. لذا فعندما نتحدّث عن الأحلام فنحن نعني أحلام الجسد الأثيريّ. لكنْ إذا كان جسدُكَ المادّيّ يحيا في توتّر فسوف يخلقُ الكثيرَ من الأحلام. كأنْ تكون جائعًا أو ممتنعًا عن الطّعام… عندها يخلقُ جسدك الماديّ نوعًا من الأحلام يختصُّ بشكلٍ أو بآخر، بالطّعام. هذا حلم فسيولوجي ولا علاقة له بالجسد الأثيريّ.

للجسد الأثيري توتُّره الخاصّ به. ولأننا نعي الجسد الأثيري من خلال الأحلام، فإنْ كان هذا الجسد متوتِّرًا فسوف يتحوّل الحلم إلى كابوس. سوف يلحَقُ بكَ التوتّر إلى مخدع حلمك.

وأوّل توتُّر يصيبُ الجسد الأثيريّ هو التوتّر النّاتج عن عدم إشباعك رغباتك المعنويّة. جميعُنا للحبّ يتوق، وبالحبّ يحلُم، والحبّ ينشد. الجنس فسيولوجي بينما الحبّ معنوي. لا جسر يصل بين الحبّ والجسد الماديّ. للحبّ علاقة وطيدة متينة بالجسد الأثيريّ فهو ينتمي لعالَمِه. والحبُّ في عالَمِنا لا يُشبَع. الحبُّ من عالَمِنا مفقود ويبدو وكأن ليس له وجود. ولهذا السّبب سوف يعاني جسدك الماديّ ما حَييت لأنّك ما وجدْتَ الحبّ المنشود. الحاجات التي تحتاجُ إشباعًا ليست حِكرًا على الجسد الماديّ، فللجسد الأثيريّ حاجات تحتاج أن تُشبَع أيضًا. للجسد الأثيريّ جوعه فهو يحتاج للغذاء أيضًا. والحبُّ غذاء الجسد الأثيريّ.

والجميع يحلم بالحبّ ويتوق له ويحنّ إليه، إلّا أنّ أحدًا لا يحيا الحب ويعيشه. الجميع يحلم بالحبّ: كيف يجب أن يكون، ومَن هو الحبيب المنشود، والجميع يُصاب بخيبةِ أملٍ عظيمة يليها إحباطٌ وانكسار.

تصيبُ الجسد الأثيريّ أنواعٌ أخرى من التوتّر، ولكن فقدان الحبّ هو أكثر أنواع التوتّر التي باستطاعتك فَهمها.

إنّك وإنْ كنتَ قادرًا على أن تُحِبَّ في قلب هذه اللّحظةِ بلا شروط أو خوف أو قيود، فسوف يخلقُ الجسد الأثيريّ حالةً من الاسترخاء الشّديد. لكنّك عاجزٌ عن أن تحبّ في قلبِ لحظةٍ تَفَلَّتَت وتسلَّلَتْ فهرَبَتْ من قيْد الطّلبات والواجبات، الشّروط والتوقُّعات. وجميع هذه القيود بالمستقبل مرتبطة.

الحاضر يتجاوز كلّ الألقاب والقوالِب والتّصنيفات. الحاضر موجودٌ كما هو، كما قُدِّر له أن يكون. أمّا أنت فتحملُ توقّعات المستقبل على كاهلِك:  كيف يجب الحبّ أن يكون… كيف لشكل العلاقة أن يكون… حتّى الحبّ تحوَّل واجبًا ترافقه القيود والشّروط. كلّ شيءٍ بات يتعلّق بكيف يجب أن يكون. ولكنّك لن تستطيع أن تكون مُحِبًّا في قلبِ اللّحظة الحاضرة حقًّا إلّا إذا فارق حُبُّكَ التوقُّعات وهجَرَ الطّلَبات وودَّع الشّروط والواجبات. عندها أنت تدخلُ عالَمَ الحبّ اللّامشروط السّاحر المُدهش الخَلّاب.

حتّى وإنْ وَجَّهْتَ حُبَّكَ تجاه شخصٍ بعيْنِه ومنَعْتَه من التوجُّه ليصُبَّ في بحورِ آخرين، سيكون حبّك عندها عاجزًا عن فرد أجنحته في قلب لحظته. حبُّ العلاقات يفتقدُ الوَصْلَ مع اللّحظة الحاضرة لأنّه حبُّ مَشروط واجبٌ عليه التوجُّه لأشخاص مُعَيَّنين… هو عند مستوى جدًّا شفّاف: حبّ مَحدود. أمّا الحبّ الذي أصبحَ حالةً تحتلُّ عقلك، وطيرًا يرفرف في ذهنك فوحده يملك مفاتيح اللّحظة الحاضرة. كيف لمحبّتي أن تظهر في حضورك بينما تمتنع عن الحضور في غيابك؟

والحبُّ ليس علاقةً بين شخصيْن. إنه حالة عقليّة ذهنيّة مُقيمة بداخلك أنت. فإنْ كنتَ مُحِبًّا سوف يتدفّقُ حبّك للجميع. لن يكتفي حبّك ببلوغ الأشخاص فقط، وإنّما الأشياء على حدّ سواء. حتّى عندما تكون وحدك فأنت تُحِبّ رغم أنّ الأشخاص مُتَغَيّبون عن الحضور.

وإنّ نوع الحبّ الذي خلَقَتْهُ البشريّة هو في غاية الخطورة. حتّى المرض ما خلقَ كَمًّا من الهراء كالهراء الذي خلقه هذا النّوع من الحبّ المزيّف المنافق. البشريّة جمعاء أصابها السَّقَم واعتلَّت من المرض بسبب هذا الحبّ الخاطىء.

وإنّك عندما تكون مُحِبًّا دون أن تُخَصّص حبّك لإنسانٍ بعيْنِه، سوف يتذوّق جسدك الثّاني طَعمَ الصحّة والعافية ويشعر بالاطمئنان والسّلام. هكذا تغيب الكوابيس عن مسارح لياليك. هكذا تتحوّلُ أحلامك قصائد شاعريّة. أحداثٌ منيرة تتوهّج في قلبِ جسدك الأثيريّ فيفوح عبيره ويُعَطّرُك ومَن يلتقيك ويقابلك. هكذا يسبِقُكَ عبيرُ حُبّك ويحُلُّ أينما حَلَلْتَ.

الأنا لا تلمس الحبّ الحقيقيّ بيدِها ولا تَقْرَبه. الأنا تبحث عن السّلطة، عن التملُّك دومًا. لذا فحتّى حين تُحبّ حُبّك المزيّف الذي تُسمّيه حُبًّا بينما هو جزءٌ من الأنا، فلا بدّ لحبّك أن يكون عنيفًا. متى ما أحبَبْنا كان حُبّنا عنيفًا وكأنّه نوع من أنواع الحرب. حبّ الوالد وابنه، حبّ الأمّ وابنتها، حبّ الزّوج وزوجته… جميعهم ليسوا بأحباب… جميعهم تحوَّلوا إلى أعداء. جميعهم في قتالٍ مستمرّ، وفي الأوقات التي لا يتقاتلون فيها ننظر إليهم وندّعي أنّهم يحبّون بعضهم. هذا تعريفٌ سلبيٌّ للحبّ. هوّةٌ هي، هُدنة بين معركتيْن، نُسَمّيها حُبًّا.

ولا مكان للسّلام بين حربيْن. وليس السّلام المزيّف الذي تحياه الشّعوب سوى تحضير لحربٍ قادمة. لا سلام بين الزّوج والزّوجة… لا حبّ بينهما. والهوّة التي نُسمّيها حبًّا هي تحضير لقتالٍ قادم.

يستحيلُ على الحبّ أن يولد من رحم علاقة بين شخصيْن. لا يولد الحبّ الحقيقيّ إلّا إذا كان حالةً ذهنيّة تسكنُ عقل الإنسان وتحتلّه. فإن زارك الحبّ حالةً عقليّة أقامت فيك وسكَنَت، عندها يشعرُ جسدك الثّاني، جسدك الأثيريّ بالطّمأنينة والسّلام. عندها يغيبُ التوتّر عنه ويسترخي في سلام.

يتبع…

أوشو المستنير الحبيب عن عِلم نفْس الحقائق الإيزوتيريكية الروحية

احتفال من قلب وحال بشارعبدالله



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech