أنت الآن تقرأ في قسم: أديان, شاطئ الإستنارة

أوشو: توتُّر الأجساد السّبعة واسترخاؤها

أوشو: توتُّر الأجساد السّبعة واسترخاؤها

أوشو،

هَلّا أخبرْتَنا شيئًا عن توتُّر الأجساد السّبعة واسترخائها؟

أن تكون في المستقبل فَرْدًا لا تعرفُهُ في حاضرك، هو المصدر الأصليّ لكلّ نوعٍ من أنواع التوتّر. كلّ إنسانٍ يجري ويسعى حتّى يكون أحدًا آخر غير نفْسه.. حتّى يكون لقَبًا أو مهنةً أو مكانةً أو صيتًا ذائعًا مرموقًا، ولا أحد يشعرُ بالرّاحة مع نفْسه كما هي الآن في حاضره. كيانُك كما أنت مُدان وغير مقبول، وعليك أن تتقيّد وتحتذي بالمثال وتسعى جاهدًا حتّى تكون مثله. هذا هو جذْر التوتّر الأساسيّ: تمزّقك بين ما أنت عليه وبين ما تتوق لأن تكونه.

ولا فرق لما تريد أن تكونَه، سواء أردْتَ أن تكون ثريًّا أم صاحب سلطة أم مشهورًا، أو حتّى إنْ أردْتَ أن تكون حرًّا تحلّق في سماوات القدسيّ الأبديّ… حتّى وإن ابتغيْتَ الخلاص من قيد الأوهام، فالتوتّر سوف يكون زائرك على الدّوام.

كلّ ما ترغب أن تكونَه في المستقبل ويُعادي كينونتك كما هي الآن في حاضرك أو يناقضها، سوف يخلق التوتّر. وكلّما كان مثالُك الذي تحتذي به وتبتغي بلوغه مثاليًّا مُستحيلًا الوصول إليه، كلّما ازداد التوتّر فيك.

التوتّر هو الهُوّة، هو المسافة بين ما أنت عليه اليوم وما تريد أن تكونَه غدًا. كلّما عظُمَت المسافة عَظُمَ التوتّر، وكلّما صغُرَت المسافة قَلَّ التوتّر. وإذا اختفت المسافة اختفى التوتّر لأنّ اختفاء المسافة يعني رضاكَ عن حالِكَ كما أنت الآن. أنت لا تتوق لأن تكون أحدًا غيرك. هكذا يحيا عقلك في قلب لحظته فلا تتوتّر بشأنِ مستقبلٍ أو كينونة. وفي رأيي، فإنّ اختفاء الهوّة والمسافة يعني أنك متديّن حقًّا. أنت في قلب القناعة… أنت في سلام… أنت في قلب الله.

وقد تحوي هذه الهُوّة طبقاتٍ ومستوياتٍ عديدة. فإنْ كان التّوق مُتّجهًا لما هو مادّيّ، فسوف يُصيبُ التوتّرُ الماديَّ الذي فيك. سوف يُصيبُ التوتّر جسدك الماديّ إن كنتَ تطلبُ جسدًا أو شكلًا غير جسدك وشكلك الحاليّين. يبتغي الإنسانُ أن يكون جسده أكثر جمالًا. سوف يصيبُ التوتّر جسدك الماديّ. يبدأ التوتّر من جسدك الأوّل، الجسد الفسيولوجي، ولكنّه إذا استمرّ وأصرَّ على الاستمرار ولم يفارق الجسد الماديّ فقد ينتشر أعمق منه ويتمدَّد لمستوياتٍ وطبقاتٍ أخرى داخل كيانك.

وإنْ كنتَ تتوقُ لقوى روحيّة فسوف يبدأ التوتّر عند مستوى روحي نفسي ثمّ ينتشر. وانتشار التوتّر شبيهٌ بحجرٍ ترميه في بحيرة. يسقط الحجر ويخلقُ تموّجات تتمدّد وتنتشر وتستمرّ بالتمدُّد والانتشار. لذا فقد يبدأ التوتّر عند أيّ جسد من أجسادك السّبعة، ولكنّ المصدر الأصليّ لهذا التوتّر يبقى نفْسه: الهُوّة بين حالةٍ تحياها وحالة تتوق بلوغها.

وإنّ قبول الحال كما هو لهو معجزة المعجزات. تقبُّل الحال والذّات تمامًا كما هما في رضى تام هو المعجزة الوحيدة في الحياة. أمرٌ مفاجىءٌ بل مذهل أن تجدَ شخصًا تقبَّلَ نفسه تمامًا كما هي.

الوجود نفسه لا توتّر فيه. لا يُخلَق التوتّر إلّا بسبب الاحتمالات النظريّة الافتراضيّة اللّا وجوديّة. الحاضرُ لا يحملُ توتُّرًا. المستقبل هو المكان الذي يهرول التوتّر منه نحوك مُبتغيًا زيارتك. التوتّر يأتي من المخيّلة. بإمكانك أن تتخيّلَ نفْسكَ شخصًا آخر يحيا حالاً يُناقض حالَك الآن. هذه الافتراض الذي تخيَّلتَه سوف يخلق توتُّرًا. لذا، فكلّما امتلكَ الإنسان مخيّلة أقوى كلّما كان قادرًا على خلق مزيد من التوتّر لنفْسه. عندها تصبحُ المخيّلة مُدَمِّرة.

والمخيّلة قادرة على أن تكون بنّاءة مُبدعة أيضًا. فإن قمْتَ بتركيز قدرتك على التخيُّل بكاملها في الحاضر، في اللحظة وليس في المستقبل، فسوف تبدأ برؤية وجودك وكأنه قصيدة شاعريّة بديعة. مُخيّلتك لا تخلقُ تَوقًا ورغبةً، ولكنّها تُستَخدَمُ لأجل عيْش الحياة. وعيْش اللّحظة يتجاوز التوتّر ويتخطّاه.

لا توتّر في حياة الحيوانات أو الأشجار لأنهم لا يمتلكون مقدرةً على التخيُّل. إنّهم يحيون أدنى من التخيُّل وليس أعلى أو أبعد منه. توتُّرهم هو بذرتهم التي لم تُزهِر بعد. توتّرهم هو قدرتهم التي لم تتحوّل واقعًا بعد. إنهم يتطوّرون. سوف تأتي لحظة ينفجر فيها التوتّر داخل كيانهم فيبدأون عندها بالتّوق إلى المستقبل. لا بدّ وأن يحدث هذا، وتصبح المخيّلة فعّالة.

أوّل ما تتفعّل المخيّلة حياله هو المستقبل. أنت تخلق صورًا، وبسبب عدم وجود حقائق موازية، فإنّك تمضي بخَلق المزيد والمزيد من الصّور. لكنّك لا تستطيع تصوُّر وجود علاقة بين المخيّلة والحاضر. كيف لك أن تتخيّل في الحاضر؟ عليكَ أن تفهم هذا الأمر.

إذا تمكَّنْتَ من أن تكون واعيًا يقِظًا في الحاضر فإنّك لن تحيا في مخيّلتك. عندها تصبح المخيّلة حرّة حتّى تخلق ما تشاء في قلب الحاضر نفْسه. لن تحتاج سوى للتّركيز الصّحيح. فإنْ تمّ توجيه المخيّلة كي تركّز على الحقيقيّ، فسوف تبدأ بالخَلق. وقد يأخذ هذا الخَلق أيّ شكل. إذا كنتَ شاعرًا فسوف يكون انفجارًا في إبداعك الشّعريّ. شِعرُك لن يكون توقًا للمستقبل بل سيكون تعبيرًا عن الحاضر.

أمرٌ آخر عليكَ فَهمه. إنّ هذا التّعبير عن الحاضر من خلال المخيّلة ليس تخيُّلًا للمستقبل ولا ردّة فعل تجاه الماضي. إنّه ليس تعبيرًا عن أيّ تجربة عرفتها. إنّه تجربة الاختبار، كما تعيشها، وكما تحدث في داخلك. ليس تجربة عشْتها، ولكنّه عمليّة حيّة من الاختبار.

هكذا لن تكون تجربتك وما اختبرته شيئيْن مختلفيْن. كلاهما واحد. أنت لسْت بخالِق. أنت الخَلق والإبداع. أنت طاقة حيّة. لسْت شاعِرًا. أنت الشّعر. التجربة ليست لأجل الماضي ولا لأجل المستقبل. هي ليست من الماضي ولا من المستقبل. اللحظة الحاضرة نفْسها أصبحت الأبديّة وكلّ شيءٍ يولَد من هذه الأبديّة اللحظيّة الحاضرة. إنه إزهارٌ حيّ.

لهذا الإزهار سبع طبقات مثلما للتوتّر سبع طبقات. هو موجود في كلّ جسد. إن حدث هذا الإزهار على سبيل المثال على مستوى الجسد الأوّل، المستوى الماديّ الفسيولوجي، فسوف تغدو جميلًا من منظارٍ جديد ومختلف. هو ليس جمال الشّكل، بل جمال ما لا شكل له. ليس جمالًا مرئيًّا بل جمال ما لا تراه العين. فإنْ شعرْتَ بلحظة الاسترخاء واللا توتّر هذه في جسدك، فسوف تنعم بصحّة لم تعرفها من قبل. سوف تنعم بصحّة إيجابيّة. والصحّة الإيجابيّة لا تعني غياب المرض فقط. إنّها تعني حضور الصحّة حقًّا.

لن ينعم جسدك بحال الاسترخاء واللا توتّر الحقيقيّ إلّا عندما تحيا وجودك لحظةً بلحظة. فإنْ كنتَ تتناول طعامك وأصبحت اللحظة أبديّةً لا نهاية لها، عندها يغيب المستقبل ويبتعد الحاضر حتى تُشَوَّش صورته. لا وجود للماضي ولا مستقبل، بل لعملية تناول الطّعام فقط لا غير. أنت لا تفعل شيء لأنك أصبحت فعل الأكل نفسه. أو إذا كنتَ في حالِ وَصْلٍ جنسيّ ولم يكن الجنس مجرّد وسيلة لتفريغ الطاقة. لم يكن توتّرًا جنسيًّا بل تعبيرًا عن الحبّ… واحتوَتْكَ اللحظةُ بكليّتها وأبديّتها، عندها سوف تعي حال صحّة إيجابيّ ينعم به جسدك.

يتبع…

أوشو المستنير الحبيب عن عِلم نفْس الحقائق الإيزوتيريكية الروحية

احتفال من قلب وحال بشارعبدالله



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech