أنت الآن تقرأ في قسم: أبعَد من الأبعاد, أكوان

ميتشيو كوتشي: عالَم الذّبذبات

ميتشيو كوتشي: عالَم الذّبذبات

إذا نشأ الجسد بسبب الروح، فهي معجزة. أما إذا نشأت الروح بسبب الجسد، فهي معجزة المعجزات“.

يسوع المسيح، إنجيل توما

من الأبديّة أتيْنا، فجسّدنا أنفسَنا عبْرَ سبع مراحل من التجسُّد والظّهور. وعند المحطّة الأخيرة لهذا الحدوث الانكماشي الدّائري تمّ استقبالُنا باستضافةٍ من خلايا والديْنا التّناسليّة: البويضة (يانغ) والسّائل المنوي (ين). إنّها بداية عودتنا إلى أصْلنا ومصدرنا: الكون الأبديّ الذي لا نهاية له. نقوم خلال رحلة العودة بفَكّ قيدنا مع جسدنا، بالانعتاق من التجسُّد والظّهور، فالارتقاء بالعودة إلى كَوْننا ذبذبةً لا مرئيّة، سالكين درب الصّعود التّمَدّدي.

أثناء العلاقة الجنسيّة بين والديْنا، يجتذب مركز محيط الطّاقة (الهارا) لدى الأمّ قوّة قادمة وقويّة فيُخلَق الاندماج والانصهار. تتولَّد السّخونة نتيجة الإيقاع الحركي المتناغم. وعند الذّروة، يتمّ تحرير شُحنة عالية من الطّاقة. شيءٌ شبيه بالرّعد والكهرباء.

فإنْ تمّ شَحن بويضة المرأة ومَنْي الرّجل بشكلٍ مناسب وفي الوقت المناسب، يحدث التّلقيح.

يضمّ الوعي البشري خمس أرواح. أوّلًا: عند لحظة التلَقّي، حيث تتآلف روح الأمّ وروح الأب فتجتمعان. في الشّرق الأقصى، تُعرَف الرّوح التي تُخلَق عادةً بSei-shi أو الإرادة. ثانيًا: عند التّلقيح والحَمْل، تبدأ روح الطّعام بالتّأثير في شكل الكائن الحيّ الجديد، مُكَوّنَةً المشيمة والأعضاء النّاشئة. ويُعرَف هذا بKon أو الرّوح. ثالثًا: بعد ثلاثة أشهر، تتشكّل أجهزة جنينيّة متعدّدة، ثمّ تزور شُحنَةٌ الجنين فتدخله، مُتَسَبّبة في جعل القلب ينبض، شاحِنَةً مراكز الطّاقة، أو ما يُسمّى بالشّاكرات. يُعرَف هذا بShin، أو الرّوح القدسيّة. إنّها تأتي من السّماوات، وتتسَبَّب طاقتها العالية جدًّا بتفعيل إيقاعات معيّنة للدّماغ، بما فيها مركز الذّاكرة. رابعًا: تدخل بعدها روحُ البيئة بما فيها الطّقس، الشّمس، وغيرها من الدّورات الجويّة المناخيّة. يُعرَفُ هذا بChi، أو روح الرّغبة والفَهم، ويشملُ روح الحَمْل – تفكير الأمّ – وروح مكان الولادة – أي الظّروف الفريدة التي وُلد فيها الطّفل. خامسًا: وفي الخطوة الأخيرة عند الولادة، يأخذ الطّفل النَّفَس فتدخل روح الهواء، أو Haku.

هذه الأرواح الخمس، أو الطّاقات، تُكَوّن الكائن البشري. هي تبدأ بالدّخول عند ولادتنا، واحدة تلوَ الأخرى، إلى أجسادنا وتشحنها. وعندما نموت، تبدأ بمغادرة الجسد الواحدة تلوَ الأخرى، عائدةً إلى مصدرها الأصليّ.

 

نعيشُ حياتنا الجنينيّة في عالَمٍ من الماء داخل رحم الأمّ الذي هو بمثابة عالَمٍ صغيرٍ ومُظلم. وفي هذا العالَم، نخلِقُ جسدنا المجبول/نشأتنا الأولى، أو الجبلة الأولى التي تكوّن جسدنا، أي الكائن الحيّ المؤلَّف من خلايا، من أجل تحضير أنفسنا للحياة القادمة اللَاحقة. قد ظهَرنا من الرّحم وتخلَّينا عن المشيمة والحبل السرّي الذي مَدَّنا بالغذاء، وانتقلنا إلى عالَمٍ جديد أحاطنا بالهواء. إنّه العالَم المُنير ذات المساحة الأكبر مقارنةً بعالَمِنا السّابق، والذي نعيش فيه طفولتنا ومراهقتنا وشبابنا. يتأرجح هذا العالَم بين النور والظلام، النّهار واللّيل، الصّيف والشّتاء. ونستمرّ في هذا العالَم بتطوير جسدنا أو الجبلة الأولى لفترة تقارب العشرين عام.

وعلى الرّغم من التوقّف الذي يحدث على الأغلب عند هذه النّقطة، إلّا أنّنا نستمرّ بالتطوّر دون توقّف على المستوى العاطفي والذّهني والاجتماعي والإيديولوجي، وعلى مستوى الوعي الكوني، مع تعديل مستمرّ لصفاتنا الجسديّة. نطوُّر أيضًا جسدنا الطّاقي أي بنية أجسامنا الكهرمغناطيسيّة التي تتعامَلُ مع ذبذبات ومَوجات الوعي.

يغذّي الطّعام ومعه الطّاقات التي نتلقّاها وتدخل أجسامنا، وعيَنا وروحنا. مثلما يغذّي صفار البيضة الصّوص الوَليد، يعمل الجسد كمشيمة بالنسبة لشجرة الحياة التي تنمو بداخلنا. السّماوات هي جذورنا ككائنات بشريّة. والKi أو الطاقة الكهرمغناطيسية التي تنفخ الحياة فينا تأتي في أصلها من أعلى عبر الشّاكرات قبل أن تتفرّع وتتوزّع على المسارات وبعدها على ترليونات من الخلايا. كلّ خليّة تملكُ روحًا، وتتغذّى دومًا بواسطة طاقات وذبذبات من السّماوات والأرض. ونحن نغدو في مستوى روحيّ نتجاوز معه أجسادنا عندما يتمّ تفعيل هذه الخلايا، فتشعّ القوّة الرّوحيّة منّا عندما نتكلّم ونتصرّف ونفكّر أو نلمس. لذا، من المهمّ أن نختارَ النّوع الصّحيح من الطّاقة الرّوحيّة الذّبذبيّة طوال الوقت. وبالإضافة إلى الطّعام المناسب، علينا أن نسعى للعيْش في البيئة ذات المستوى الطّاقيّ الأعلى، والمشاهِد الأجمل، والثّقافة الأرقى، والصُّحبة الأنقى.

عندما ينضج جسدنا الطّاقي، فإنّنا وبذات الطّريقة التي قمْنا من خلالها بتحويل أنفسنا ونَقْلها من عالَم الماء إلى عالَم الهواء، ننقُل حياتنا من عالَم الهواء إلى عالَم الذَّبذبات، تاركين جسدنا المادّي خلفنا عند الموت. عالَم الذّبذبات الذي ندخله أعظم بكثيرٍ من حيث المساحة وأكثر إشعاعًا ونورًا من عالَم الهواء. إنّ البُعد المكانيّ للعالَمِ الذّبذبيّ يشمل كامل مجال النّظام الشّمسي، ويتمّ اختباره كوحدة مفردة. لا وجود لظلام. يتابع الوعي رحلته في هذا العالَم الجديد، والذي يُدعى عادةً بالعالَم الرّوحيّ. التّواصل يتقدّم ويستمرّ ليس فقط في عالَم الرّوح، لكن أيضًا بين العالَم الذّبذبيّ والعالَم البشريّ.

عندما نغذّي أنفسنا بالغذاء المناسب في عالَم الهواء، ونُنَقّي ذبذبتنا الماديّة والذّهنيّة والرّوحيّة فنسمو بها إلى مستوى من النّضج مُلائم كي نولَد في العالَم التّالي، عالَم الذّبذبات، يكون موتنا طبيعيًّا وروحيًّا. فإنْ وُلِدْنا في العالَم التّالي عبر هكذا موت روحيّ، فسوف نستمتع ببُعدٍ شاسعٍ من الوعي الحرّ الذي ترافقه السّعادة الرّوحيّة. وأكثر من هذا، فإنّنا وبعد نُضج مستوانا الرّوحي في حياتنا الذّبذبيّة اللّاحقة،  سوف نتابع رحلتنا إلى مستوى كونيّ أعلى وأكثر كونيّة، فيتحلّل جسدنا الذّبذبيّ إلى مَوجاتٍ وأشعّة. هذا العالَم الكونيّ سيكون أكبر بكثيرٍ من العالَم الذّبذبيّ إذ يشمل أبعاد المجرّة بأكملها. من هذه المرحلة، تتابع حياتنا تطوُّرها، إلى أن نصبح في النّهاية، وبعد أن نقوم بتغيير أنفسنا على مستوى سرعة لامتناهية… نصبح واحدًا مع وعي الله الكونيّ أو الأبديّة.

يطوف العالَم الذّبذبي أو الرّوحي بطريقةٍ مُعاكِسة لعالَمنا، فيتمدّد بدلًا من أن يتقلَّص. وبينما نحن على الأرض، نكون في أغلب الأوقات عاجزين عن رؤية أو إدراك هذا البُعد بسبب الحدود التي تفرضها علينا حواسّنا الخمس. كلّ شيء نختبره يتحرّك في اتجاه يانغ، ونحن لا نملك أدواتٍ للاتّجاه الآخر. على الرّغم من أنّنا مُحاطون به، وعلى الرّغم من تداخله مع عالمنا، إلّا أنّنا لا نستطيع رؤية أو إدراك البُعد الكوني الين الأوسع. كلّ شيء في ذلك البُعد يتحرّك أسرع فأسرع. وإنّ سرعته المتمدّدة “الوغاريتميّة” الشّديدة هي ما تجعل اكتشافه أمرًا في غاية الصّعوبة. هذا باستثناء تجارب الأرواح والأحلام الحقيقيّة وتجارب الحواس الخارقة التي تتجاوز الحواس الخمس… عدا هذه التجارب، فإنّنا لا نستطيع رؤية أو الإحساس بعالَم الرّوح.

إنّ عالَم الذّبذبات أكبر بترليونات المرّات من عالمنا، ويشمل النّظام الشّمسي والمجرّة بأكملها. وفي حين أنّ حركتنا الأساسيّة على الأرض هي حركة أفقيّة، فإنها في ذلك العالَم عاموديّة. عالم الرّوح عالَمٌ مُشِعّ بالنّور مقارنةً بعالَمِنا الذي يتأرجح بين نصف النّور ونصف الظّلام. تحتاج الأشياء وقتًا حتى تتجسّد في عالمنا هنا، بينما تتجسّد في ذلك العالَم مباشرةً. هناك، يغدو ما نفكّر به حقيقة. فإنْ تخيَّلنا شيئًا تظهر صورته فورًا. إنّ عالمنا الأرضيّ في الحقيقة هو جزء من العالَم الذّبذبيّ الأكبر، بما أنّ الهواء هو ذبذبات. هنا، الفكر هو فعل أيضًا، لكنّنا عادةً لا نستطيع رؤية أيّ تأثيرات فوريّة، لذا نعتبره غير حقيقيّ.

عالِم الماكروبيوتيك الرّوحي الكبير ميتشيو كوتشي

احتفال من قلب وحال بشارعبدالله



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech