أنت الآن تقرأ في قسم: إنسان, جسد / فكر

لغة المتأمِّل الواعي وتعامله مع برمَجة المجتمع

لغة المتأمِّل الواعي وتعامله مع برمَجة المجتمع

تحدّثْتُ سابقًا عن أنّ الباحث عن الحقيقة يكون الزّيفُ الذي يحياه هو نقطة الانطلاق التي تخلقُ منه رحّالًا توّاقًا يدفعه الحنين حتّى يُلاقي المَجهول علّه يجدُ على صدْرِ هذا المجهولِ راحةً فيغفو بين يديْه وكأنّه وسط محرابٍ تُحيطُ به كيانات وأطياف الصّفاء التي لا تحكُم ولا تَدين ولا تتحدّث من صفحات ماضٍ عقيم، بل تحتضن وتفهَم وتُحِبّ.

 

 

وبينما الإنسان يرتحلُ من فكرةٍ إلى أخرى، من بحْثٍ ذهنيّ إلى آخر حِسيّ، ومن تجربة مادية إلى أخرى ذهنية فروحية، يكتشفُ أنّ الخوف هو المسرح الكبير العريض الذي أُجْبِرَ كما أجبِرَ غيره على أن يؤدّيَ دورَه فوق خشبته.

 

 

الخوف هو الخوف من كلّ شيء. هو الخوف المُقَنَّع الذي لا يكشف عن نفْسه، بل ويخدع صاحبه الذي قد يظنّ نفْسه أنه يتّسم بالشّجاعة والبطولة وغيرها من الصّفات التي تساعد الأنا على ترسيخ وجودها فتَبسِط وَهمها وتمنع صاحبها من خَلع القناع عن وجه الخوف حتى يراه ويلقاه وجهاً لوجه.

 

 

هو في البداية خوفٌ من مواجهة ما يختبىء عميقاً في قلب النّفس البشرية من ميول ورغبات، من جروح وذكريات… من همسات يهمس بها الجسد يحاول السّامع أن يتجاهلها لأنها مُحَرَّمة في مجتمعه أو لأنها تذكّره بأنه في أصله حيوان وُجِدَ عند مقامٍ حيوانيّ يليه مقامان آخران حيوانيّان. وهو الذي ربّوه في المدرسة ووسط أهله على أنه العقل والطموح والتّحصيل العلمي والمكانة والمَنْصِب واللّقب. فكيف يعترف بأنّ جُزءً منه حيوانيّ وله حاجاته التي لربّما تعرّض مَظهره المزيّف في مجتمعه إلى خطر تلَقّي نظرات استهزاء أو استخفاف أو حتى احتقار. نظرات يُوَجِّهها له أشخاص هم أنفسهم يسمعون ذات الهمسات ويشعرون بنفْس الاحتياجات لكنهم ينكرون أو يمارسون ما يمارسونه خلف الأبواب المغلقة لأنّ المجتمع الذي لا يُعَرّي طبيعته وفطرته ويخجل منها ومن المشاكل التي تولد في تربتها، لا بدّ وأن يكون مجتمعاً مُدَّعياً مُنافقاً.

 

 

ثمّ أنه خوفٌ من الآخر. الآخر الذي لا يختلف في كتاب الطبيعة والفطرة عنه في شيء. ورغم هذا تبدأ المؤسّسات التي تنعت نفْسها بمؤسسات الرقيّ والعلم والثقافة والأخلاق، بخَلق الاختلافات المؤذية القبيحة تستُرها بالعناوين البرّاقة التي تُلصَق فوق واجهات العقول حاجِبَةً الوَعي الفطري الطبيعي عن رؤية الزيف الذي بدأ بالتمدّد والانتشار. العناوين الصاخبة التي لها وقْعَ السّحر على العقول هي: الوطن، القوميّة، العرق، الدين من طائفة لمذهب لمعتقد، العائلة والأقارب، المكانة الاجتماعية، وغيرها. جميع هذه العناوين تُعتَبَرُ أساساً يقوم عليه المجتمع وأرضاً صلبة يمشي عليها الجميع، ويكاد حامل هذه العناوين إن وجّهتَ نقداً لواحدةٍ منها أو أكثر أن يشعر بأنّ الأرض تهتزّ من تحته وكأنك تحاربه هو فيبدأ بالهجوم عليك.

 

 

هذه العناوين التي تبثّ برامجَ عميقة تُزرَع في أعمق أعماق العقل اللا واعي، تحاول الاعتداء على الطّبيعة والفطرة التي لا شكّ وأنّ لها مشاكلها الخاصة بها، أو بمعنى أصحّ تعبيراتها التي تعبّر بها عن أحوالها المختلفة. تقوم تلك البرامج بتفسير كلّ شيء وجودي بحسب المفهوم الجماعي الذي يتّفق عليه مَن يقوم بوضع القوانين والأعراف والتّشريعات لأمّةٍ من الأمم. قوانين وأعراف وشرائع ومصطلحات في الأخلاق وطرُق العيْش لا تعرف الطبيعة ولا الفطرة عنها أيّ شيء.

 

وبسبب هذه البرامج التي لا لقاء بينها وبين الطبيعة والفطرة الوجودية، يُخلق شرخ أو فجوة بين الإنسان الذي زُرِع برنامجًا ما بداخله، وبين طبيعته وفطرته التي يحاربها هذا البرنامج.

 

مهما تعدّدت واختلفت أسباب نشوء هذه البرمجات، سواء مؤامرة أو محاولات للسيطرة على البشر أو مخططات لسلْب البشر قواهم الروحية الفطرية الكونية أو مصالح مَن يتحكّم بالعالَم وبعدها مصالح مَن يتحكّم بمجتمع ما وبأمّة ما… لا يهمّ. ما يهمّ هو أنّ سيْلًا من البرمجات يؤدي في نهاية المطاف إلى خصامٍ تامّ بين الإنسان وفطرته وطبيعته.

 

عندها وفقط عندها تولد أعظم المشاكل وتبدأ الخلافات وتُفتَح أبواب الجحيم.

عندها وعندها فقط تبدأ طاقات الإنسان بالتبدُّل بالتحوُّل فتعبِّر الطبيعة عنها بأشكال وأساليب مختلفة ما هي إلا عوارض تشير لوجود خلَل في علاقة الإنسان الأصليّة بطبيعته وفطرته الوجوديّة.

 

 

هذه الطبيعة بالمناسبة هي كتاب الإنسان الحقيقي، وهي مَرجعه وهي آياته وهي محرابه وهي نقطة انطلاقه ليتعرّف على الحيواني الذي فيه والذي يشكّل أساس بُنيانه، تساعده كلما غاص بها وفهمها واستوعب علمها وسرّها على رؤية جناحيْه اللذان يستخدمهما فيما بعد للتحليق إلى قمم وعيه التي سُمّيت بالله. لكن عدم تسمية قمم الوعي أفضل إذ حتى كلمة الله أصبحت برنامجاً للتشفير.

 

 

وهو أيضاً خوف من التحرُّر من قيْد البَرمَجة. خوف من فَهم هذه البرمجة وتعرية محتوياتها بل ومعالجة تَبعاتها.

هناك أنواع خوف أخرى لا مجال لذكرها الآن. ولكن النقطة التي أريد الوصول لها هي أنّ الخوف هو سلاح العقل الذي يستخدمه لأجل أن يبرّر ردة فعله العنيفة البربرية التي لا تمتّ للوعي بصِلة.

 

 

خلف هذه البرمجات ووراء هذه الأقنعة: جميعنا واحد. الأرض واحدة. جميعنا وأرضنا عبارة عن: طبيعة/فطرة، ووعي. انتهى.

 

لماذا نخاف أشكال التعبير المختلفة عن الذات؟ لماذا نخشى من اختار أن يمشي درباً غير الدرب الذي نمشيه؟ لماذا نهجم ونحقد على مَن ينتقد محتوى داخل برمجتنا؟ ألا نفكّر بأنّ برمجتنا نفسها تحوي نظامًا لحفظ البرنامج نفسه من الاختراق، وأنّ هذا النظام هو عبارة عن ردة الفعل العنيفة والانفعال التي تمنعنا من الفهم والرؤية العميقة الحكيمة؟

 

 

لماذا التأمل هو العلم الأهم في الوجود؟ لأنه العلم الوحيد الذي هو ليس بعلمٍ نظريّ فلسفيّ وفي الوقت ذاته قادر على فكّ شيفرة هذه البرمجات جميعًا. لأنّ التأمل قادر على إصابة جميع هذه البرامج في مَقْتَل، فتسقط الأقنعة وتهوي الصّروح المزيفة وتغرق جميع المدن الفكرية والقارات الذهنية التي فصلت البشر وقسّمتهم لتستقرّ في محيطٍ واحد. التأمل يعيد الإنسان إلى وجهه الحقيقي: طبيعته وفطرته العارية كما هي.

 

 

لكن مَن يدخل التأمل؟ الخائف؟ ذاك الذي لا يزال يخشى من فقدانه لإحدى برامجه المزروعة بداخله؟ ذاك الذي يريد أن يراعي كل منطق تبثّه برمجته الدينية والاجتماعية والأخلاقية والعاطفية بداخله؟ حقًا، كلّ شيء ليس بتجربة حيّة يلاقيها الإنسان وجهًا لوجه ويكتشفها بنفسه، إنما هو برمجة لا أكثر ولا أقل. من هنا الدين برمجة والأخلاق برمجة والعلاقات برمجة والثقافة برمجة وأدوارنا في المجتمع برمجة.

 

 

كلا.. لا يدخل التأمل إلا مَن فاض به الكيْل واحتدم التمرّد جيْشًا جريئًا مِقْدامًا داخل نفْسه، فقرّر أن ينسلّ من الخوف، من جميع أنواع البرمجات شيئًا فشيئًا وليَقَع المعبد فوق رؤوس أصحابه. وهذا قرار ليس بالقرار السّهل. قد يحتاج الإنسان صولات وجولات يقضيها في تأرجح وذهاب وإياب حتى يبلغ نقطة اللا عودة، نقطة اللا رجوع.

 

 

 

يدخل الإنسان التأمل ليكتشف حيوانيته التي تمّ كبتها وقمعها. ليكتشفها بوعي وعلم وحرية ومسؤولية. فلا يخجل منها ويعانقها. والمقصود بالحيوانية هنا هو الحيوانية البريئة التي لا تعتدي ولا تؤذي: حيوانية الجسد وحاجاته. هذه الحيوانية هي نفسها التي إذا كُبِتَت ودُمِّرَت تتحوّل بربريّة وعُنفاً.

سيجد البعض حيوانيته تقوده لعلاقات في شكلٍ معين، والبعض الآخر تقوده لعلاقات في شكلٍ آخر وأقصد هنا مثليّي الجنس. لا مشكلة. لا بدّ وأنّ الانسجام قد تعكّر صفوه في قلب حقول طاقاتهم، والسّبب؟ البرمجات القديمة. هذا لا يعني أنّ الغير مثليّين ينعمون بانسجامٍ تام في حقول طاقاتهم. لا. لكن اللا انسجام بداخلهم يعبّر عن نفْسه في زوايا ونواحٍ مختلفة.

 

 

لكن لكل من رأى عارضًا يشير لغياب انسجام معيّن في حقلٍ معيّن من حقول طاقته، فالتقبّل هو البداية. التقبّل وعيْش الحال بفرح واحتفال ثمّ رؤية الحلّ للتجاوز والعبور.

 

 

هكذا يصبح دور التأمل وتقنياته الصحيحة أقوى وأهمّ.

هكذا يحيا المثليّ حاجته ويفقه أي برمجة سبَّبتها، وهكذا يحيا الغير مثلي حاجته ومشكلته التي تجلّت في مكانٍ أو شكلٍ آخر ويفقه أيّ برمجة سبّبتها. لربّما يكون يهوى جمع المال، أو الألقاب، لربّما يكون مستكبرًا. كثيرة هي عوارض البرمجات.

 

 

ثم تمشي بهما التقنية دربًا يقود المثليّ لتجاوز علاقته المثليّة فيتجه لعلاقة مع الجنس الآخر، حتى يتجاوز الجنس والجسد تمامًا. ويقود الغير مثلي إلى تجاوز مشكلته النفسية أو أيّ مشكلة أخرى، حتى يتجاوزها ويتجاوز علاقاته الجنسية أيضًا لأجل بلوغ الاستنارة.

 

 

هذه لغة الوعي.

هذا هو التحضّر الحقيقيّ. قبولنا بعضنا على أننا واحدٌ تختلف أشكال التعبير عنه لا أكثر ولا أقلّ.

 

نمشي سويًّا يدًا بيَد. طبيعتنا واحدة وفطرتنا واحدة: من الحيوانية للألوهية. وبينهما منعطفات وطرقات وصواعد وهوابط، لا مشكلة. لغة المحبّة توحّد وتجمع وتفقه السبب وتسعى لنتيجة.

 

 

لغة الوعي لا تعرف إدانة أو أحكام. لغة الوعي لا تنصِّب نفسها عالِمة فتُعرِّف ظواهر الوجود والطبيعة بتعريفاتِ بَرمجاتها القبيحة المزروعة في رأسها. لغة الوعي لا تستعير كلمات ولا ثقافات ولا معتقدات ولا أحكام فجميعها برمجات.

 

هكذا نعلَم المتأمل مَن يكون. هو مَن ينطق بلغة الوعي. الوعي لا لغة له لأنه الصّمت المُحبّ بلا شروط. الصّمت الذي لا يعرف سوى براءة الأطفال ومتعة الفرح والاحتفال.

من قلب بشار



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech