أنت الآن تقرأ في قسم: إنسان, جسد / فكر

لا وعي سوى بالخروج من العقل

لا وعي سوى بالخروج من العقل

الباحثُ عن الحقيقةِ بصِدق هو مَن يَعي سبب بحثه عن الحقيقة في المقام الأول. لا يمكن للبحث عن الحقيقي أن يبدأ إلّا بعد العيْش وسْط الزّائف المُحاط بقيودٍ وسلاسِلَ من ذَهَب. ولأنّ المزيّف يكون نقطة انطلاق هذا البحث عن الحقيقيّ المجهول، فلا بدّ من الإعلان عن زَيْفِه وبالتالي هَجره حتى ينطلق الباحث في رحلته بلا حِمْلٍ فوق كتِفَيْه يعرقل مسيره، وبلا نظّارات خادِعة يضعها على عينيْه فتُلَبِّد الرّؤية أو تلوّنها بألوانها الخاصّة. كلّ هذا يحتاج جرأة. جرأة للتخلّي عن مَخزن الزّيف وراعيه وحارسه وحاميه: العقل. العقل من صُنع المجتمع إذ في الحقيقة لا وجود لشيء اسمه عقل. هناك ذبذبات يستقبلها الدّماغ ويحوّلها صوراً وأشكالاً ورموزاً وأفكاراً (لكنها تُقَوْلَب وتُشَفَّر إذ تتمّ تهيئة مركز الاستقبال لفك شيفرتها بالطّريقة الجماعية المُتَّفق عليها في مجتمع معيّن، فتصل لصاحبها مشوَّهة محرَّفة خالية من أي حقيقة وجودية. هكذا يُخلَق العقل).

 

العقل هو صمّام الأمان الذي يحمي المجتمع من تمرّد أبنائه فيبقيهم أتباعًا. كما ويحرص المجتمع على تصميم برامج مذهلة تخلق رباطاً بينها وبين صاحب العقل فتولَد العاطفة. والعاطفة وهي ارتباط متين ينشأ جرّاء تكرار مشاهد البَرمجة ومرورها على شاشة العقل. هذه العاطفة هي انفعال وظيفته أيضاً الدّفاع عن محتويات تمرّ على شاشة العقل. من هذه البرامج المذهلة التي تولّد حقلًا من العواطف الانفعالية العنيفة: القوميّة والوطنية، العادات والتقاليد الاجتماعية، والأقوى والأخطر هو الدّين.

 

 

والدين لا علاقة له بالعقل. لكنه أصبح كذلك: برنامج مذهل يتم تصميمه من قبل العقل الجماعي. 
لماذا تبدأ رحلة البحث عن الحقيقي؟ الزيف هو الدافع. اكتشاف زيف كل ما يحيط بالفرد هو الدافع. زيف الأوطان والأمم والأديان والعلاقات والعادات وغيرها. 
كيف ستبدأ رحلة البحث وأنا أحمل مقدّسات ومعتقدات وعادات ولا أريد التحرر منها؟ لا أريد اكتشاف ما هو أبعد منها؟ أيّ رحلة هذه؟ هل هي رحلة إثبات ما أؤمن به سلفًا وما عنايْت من زيفه ونفاقه قبلًا أم رحلة فكّ القيود والتحرّر من المعروف والبحث عن المجهول؟

هنا نلاحظ كيف حظَت الأديان المكتوبة والمدوَّنة والتي تعتمد الشروط والأحكام والأقسام والكلام، بأهمية بالغة بينما تمّ هَجر الدين الحقيقي الذي لا يُكتَب ولا يُقال ولا يُدَوَّن بل يُختَبَر بين أحضان صمتٍ مَهيب.
التجربة الكليّة الصامتة الواعية الخالية من حضور العقل ومحتواه، خطيرة على المجتمع. بينما الكتب والكلمات والمعتقدات آمنة لأنها تُؤَوَّل وتُفَسَّر وتخلق اختلافات وتكهّنات وجميعها رحلات داخل العقول لكن التجربة معدومة: والدين هو تلك التجربة. هذا هو الأمر المضحك المُبكي.
زِن أو مساحات الصّفاء الخالية من المحتويات هو الدين الحقيقي. رؤية واضحة ولقاء مع مصدرك وحقيقتك التي هي حقيقة الوجود ومصدره، وجهًا لوجه.

بالنسبة لي هذا هو التدين وهذا هو درب البحث عن الحقيقي.

 

لا تستغربوا بعدها من مقالات قد تصدم العقل الذي يحمله البعض، ولا تتعبوا أنفسكم بتقديم تبريرات للانفعالات بأنّ الدين يقول كذا والأخلاق والمجتمع والفطرة والطبيعة هُم كذا وتعريفهم كذا: لا أقوال ولا تعريفات! . بالنسبة لي لا أحد يعي حقيقة الفطرة والطبيعة ولا حقيقة الدين ما لم يدخل فناء ومحراب الصّمت الخالي من كلّ محتوى: صِه! لا عقل، لا كلام، لا شروط ولا أحكام. صِه! واسمَع… لا صوت، لا شيء، لا أحد. إذاً أنظُر فأنت لأول مرّة تنظر. أنت لأول مرة ترى بحق. إذاً أنت تسمع للمرة الأولى. أنت موجود كوجود وليس كعقل: للمرة الأولى.

 

هذا هو الله، هذه هي الحقيقة، هذا هو الدين. أو لا شيء من هذه التسميات الفارغة. هذا ما هو هذا ولا شيء سواه. هذا هو …..

من قلب بشار



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech