أنت الآن تقرأ في قسم: أديان, شاطئ الإستنارة

أوشو: عبور الأجساد السّبعة حتّى تختفي الحقيقة والأوهام (أسرار إيزوتيريكية)

أوشو: عبور الأجساد السّبعة حتّى تختفي الحقيقة والأوهام (أسرار إيزوتيريكية)

قبل قراءة هذا المقال يُرجى قراءة مقال “أحلام الأجساد السّبعة” أوّلاً: 

هنا

 

لكلِّ جسد من الأجساد السّبعة إذاً، أحلامه الخاصّة. ولكنّ أبعاد الأحلام السّبعة هذه بإمكانها التحوُّل عقَبة في وَجْه التعرُّف على أنواع الحقائق الوجوديّة السّبعة.

 

لجسدك الماديّ أسلوبه في معرفة الحقيقي وطريقته في أن يحلُمَ به. تناوُلك طعامك هو حقيقة، لكنّ حُلمك بأنك تتناول الطّعام ليس بحقيقة. الحُلم تعويضٌ عن الطّعام الحقيقي. لذا فالجسد الماديّ يمتلكُ حقيقته الخاصّة به وطريقته الخاصة في الحُلم. هاتان طريقتان مختلفتان من حيث أسلوب عمَل الجسد المادي، وتفصلُ بين هاتين الطّريقتيْن مسافة شاسعة.

 

 

 

كلّما توَجَّهْتَ داخل حقيقتك السّاكنة بداخلك… مركز وجودك الحقيقيّ الذي تدور حوله جميع الأوهام والتجسّدات والأحلام… أي كلّما توجَّهْتَ في حال صعودٍ تردّديٍّ كونيّ باتّجاه جسدٍ أعلى من أجسادك السّبعة، كلّما اقتربَت المسافة بين الحُلم والحقيقة وأصبحا إلى بعضهما أقرب. تماماً مثلما تقتربُ الخطوط المرسومة عند سطحِ الدائرة الخارجيّ من بعضها البعض، كلّما اقترَبَت من المركز… بينما تبتعد عن بعضها البعض كلّما توجّهت باتّجاه السّطح الخارجيّ. هكذا الأحلام والحقيقة يقتربان من بعضهما أكثر فأكثر كلّما اقترَبْتَ أنتَ من مركز حقيقتك الكونيّ بداخلك، بينما يبتعدان عن بعضهما أكثر وأكثر كلّما تمركزَت حياتك عند سطحك الخارجيّ (عالَمك الخارجيّ). لذا، فالمسافة جداً شاسعة وكبيرة بين الحلم والحقيقة على مستوى الجسد المادي. المسافة بينهما عظيمة مَهولة. الأحلام على مستوى الجسد المادي هي مجرد خيال.

 

 

هذه المسافة ليست بذات الحَجم على مستوى الجسد الأثيري. سوف يصبح الحلم والحقيقة أقرب من بعضهما. ومع هذا الإقتراب يغدو تمييز ومعرفة الفرْق بين الحقيقي والحلم أكثر صعوبة. ومع هذا، يبقى التمييز بينهما أمراً في متناول اليد. إذا كان سفرك الأثيري سفَراً حقيقياً، فسوف يحدث عندما تكون مستيقظاً. يكون سفرك الأثيريّ حُلماً إذا حدثَ وأنت نائم. لأجل أن تعرف الفرق، عليك أن تكون يقِظاً شاهداً في الجسد الأثيري.

 

وهناك طرق حتى تكون مستيقظاً واعياً داخل، وعلى مستوى وتردُّد جسدك الأثيريّ. جميغ طرق وتقنيات العالم الداخلي مثل ترديد مانترا معيّنة أو صوت معيّن، تقوم بفَصْلِكَ عن العالَم الخارجيّ. فإذا خلدْتَ للنّوم، يكون باستطاعة التّرديد المستمرّ للصوت أو المانترا أن يخلقَ نوماً أشبه بالتنويم المغناطيسيّ. عندها سوف تحلم. لكنّك وإنْ بقيتَ واعياً للصّوت أو المانترا التي ردَّدْتها وكرَّرْتَ ترديدها فإنها لن تخلق تأثيراً كالتنويم المغناطيسيّ فيك، فتتمكن من التعرّف على الحقيقيّ على مستوى الجسد الأثيري.

 

وتصبح معرفة الفرق بين الحلم والحقيقة أكثر صعوبة على مستوى الجسد الثالث، الجسد النجمي، إذ يقترب كلاهما من بعضهما أكثر. إنك وإذا تعرّفْتَ على جسدك النّجمي الحقيقي وليس مجرد الحلم النّجمي، فسوف تتجاوز خوفك من الموت. عند الجسد النجمي الحقيقي يتذوّق الفرد حقيقة خلوده. لكن إذا كانت التجربة النجمية مجرد حلم وليست باختبار حقيقي، عندها سوف يُهلِكك  الخوف من الموت. هذا هو المعيار لأجل التمييز: الخوف من الموت.

 

 

والفرد الذي يؤمن بأنّ الروح خالدة ولا يتوقّف عن تكرار هذه العبارة لأجل أن يقنع نفسه، لن يكون قادراً على التمييز بين ما هو حقيقي داخل الجسد النجمي وبين ما هو عبارة عن حلم نجمي. لا يجب على المرء أن يؤمن بالخلود، بل عليه أن يختبره. لكن وقبل معرفة الخلود واختباره، على المرء أن تساورَه الشكوك بشأنه. بعد أن تساورك الشكوك وتتخذ موقف الباحث الذي لا يعرف… بعدها فقط سوف تعي ما إذا كنتَ قد عرفتَ الخلود حقاً أو أنك قمْتَ بمجرد إسقاط. الأمر هو أنك إذا آمنْتَ بأنّ الروح خالدة، فقد يخترقُ إيمانُك واعتقادُك عقلَكَ النّجميّ. عندها سوف تبدأ بالحلم والإسقاط، ولن يكون سوى حلم. لكنك وإذا كنتَ خالياً من المعتقدات التي تؤمن بها، إذا لم تحمل بداخلك سوى عطش لأن تعرف وتبحث وتختبر بدون معرفة مُسبَقة عن ما يجب عليك فعْله، عن ما يجب عليك زَرْعه وما الذي سوف تجده وتحصده… بدون أيّ توقّعات أو مفاهيم واستنتاجات مُسبَقة… إذا كنتَ كمَن يبحث في العدَم، في الفراغ… عندها سوف تعي الفرق. لذا قد يكون الناس الذين يؤمنون بخلود الروح وبالحيوات الماضية ويحملون جميع هذه الأشياء بداخلهم كمعتقد ومبدأ… قد يكونون مجرّد أناس تحلُم وتقوم بإسقاط أحلامها في العالَم النّجميّ دون أن يعرفوا ما هو الحقيقيّ.

 

 

 

يصبح الحلم والحقيقة جاريْن على مستوى الجسد الرابع: الجسد الذهني. وجهاهما مُتشابهان لدرجة يُحكَمُ من خلالها على أحدهم بأنّه الآخر. باستطاعة الجسد الذهني أن يحظى بأحلامٍ حقيقية كما الحقيقة تماماً. وهناك طرق وتقنيات من أجل خَلق هكذا أحلام: طرق في اليوغا والتانترا وغيرها. المرء الذي يدخل في حال صيام ووِحدة مع نفْسه، في مكانٍ مُظلم، قادر على أن يخلقَ النوع الرابع من الأحلام: الأحلام الذهنية. سوف تكون هذه الأحلام حقيقيّة للغاية، بل أكثر واقعية من الحقيقيّ الذي يُحيط بنا.

 

يصبحُ العقلُ مبدعاً خَلّاقاً بشكلٍ تام على مستوى الجسد الرابع، حُرّاً من قيود الحدود الخارجية والمادية. الآن يصبح العقلُ حُرّاً لأجل أن يخلق. الرسّامون والشعراء، جميعهم يحيون داخل النوع الرابع من الحلم. الفنّ بجميع أنواعه وأطيافه هو نتاج النوع الرابع من الحلم. بإمكان الشخص القادر على أن يحلم في العالَم الرابع أن يصبحَ فنّاناً عظيماً، لكن ليس عارفاً للحقيقة المُطْلَقة.

 

 

على المرء أن يكون واعياً على مستوى الجسد الرابع لأيّ نوعٍ من الخَلق الذهنيّ. ويتوجّب عليه أن لا يقوم بإسقاط أيّ شيء، وإلا فأيّ شيء يقوم بإسقاطه سوف يُسقَط ويظهر له. كما ويتوجّب عليه أن لا يتمنّى أيّ شيء، وإلّا فهناك إمكانية كبيرة لأن تتحقّق الأمنية. ليس فقط داخلياً، بل بإمكان الأمنية أن تتحقق حتى في العالَم الخارجي. العقل يغدو قويّاً للغاية عند الجسد الرابع. يصبح نقيّاً واضحاً كالبلّور لأنّ الجسد الرابع هو المنزل الأخير الذي يسكنه العقل. بعد الجسد الرابع وأبعد منه، تبدأ رحلة اللا-عقل، أي يتمّ تجاوز العقل.

 

 

الجسد الرابع هو المصدر الأصليّ للعقل، لذا بإمكانك أن تخلقَ أيّ شيء. على المرء أن يكون واعياً باستمرار أنه لا يمتلك أيّ أمنية أو مخيّلة أو صورة أو إله أو مُرشد ومعلّم. وإلّا فسوف يُخلقون جميعاً بواسطتك. ستكون أنت خالقهم! نعمةٌ عظيمة تُسدَل عليك عندما تراهم لذا يتوق المرء لخَلْقِهِم. هذا هو العائق الأخير في وجه الباحث الحقيقيّ. فإذا عبَر المرء هذا العائق فإنه لن يواجه أيّ عائق أعظم منه. إذا كنتَ واعياً فقط… إذا كنتَ مجرّد شاهد في الجسد الرابع، عندها سوف تعي وتختبر وتكتشف الحقيقيّ. وإلا فسوف تستمر بالأحلام. ولا وجود لحقيقة تُضاهي هذه الأحلام. سوف تكون أحلام نشوة ينتشي المرء بين أحضانها نشوةً لا تُقارَن بأيّ نشوة أخرى. لذا على المرء أن يحذر عند هذا الجسد من النشوة والسّعادة والنعمة… عليه أن يحذر من أيّ نوع من أنواع الصّور. في اللحظة التي ترى فيها أيّة صورة يبدأ العقل الرابع بالإنسياب داخل حلم. وصورةٌ تقودك إلى صورةٍ أخرى وتستمرّ أنت بالحلم.

 

 

فقط إذا كنتَ شاهداً تتمكّن من مَنع النوع الرابع من الأحلام. أن تكون شاهداً مراقِباً هو الأمر الذي سوف يصنَع الفرق، إذ أنك وبدون مراقبة واعية فسوف تُحَدِّد هويّتك بالحلم وتصبح واحداً معه. ما إن تحدّد نفْسك بما تراه عند الجسد الرابع حتى يبدأ الحلم. الوعي والعقل الشاهد كلاهما في الجسد الرابع الطريق باتجاه الحقيقي.

 

 

 

عند الجسد الخامس يغدو الحلم والحقيقة كياناً واحداً. لا وجود لأيّ نوع من الثنائية. ولا سؤال عن الوعي الآن لأنك وإنْ لم تكُن واعياً فسوف تعي عدم وعيك هذا. الآن يصبحُ الحلم مجرد إنعكاس للحقيقي. يوجد إختلاف ولكن لا يوجد فَرق. إذا رأيتُ نفسي في المرآة فلا فرق بيني وبين الإنعكاس، لكن هناك اختلاف. أنا الحقيقيّ وما انعكَسَ ليس بحقيقيّ.

 

 

إذا قام العقل الخامس بتطوير مفاهيم مختلفة، فقد يُخلَق بداخله وَهمُ معرفته لذاته لأنه رأى نفْسه معكوساً في المرآة. ستكون معرفة للذات لكن ليست الذات كما هي، بل كما انعكست. هذا هو الإختلاف الوحيد. لكنه خطير بطريقةٍ أو بأخرى. يتمثّل الخطر في أنك قد ترضى بالإنعكاس وتُسَلِّم بأنّ صورة المرآة هي الحقيقة.

 

على مستوى الجسد الخامس، لا خطر حقيقي في حدوث مثل هذا الأمر. لكن الخطر سيكون موجوداً إذا حدث هكذا أمر على مستوى الجسد السادس. إنْ كنتَ قد سلّمتَ بأنك مَن رأيته في المرآة، عندها سوف تعجز عن عبور حدود الجسد الخامس وصولاً إلى السادس. لا عبور للحدود عبر مرآة. لذا هناك أفراد بقوا على مستوى الجسد الخامس. أولئك الذين يقولون بوجود أرواح لا متناهية وأنّ لكلِّ روحٍ فرديّتها: هؤلاء بقوا على مستوى الجسد الخامس. قد عرفوا أنفسهم لكن ليس مباشرةً، ليس وجهاً لوجه، وإنما من خلال وسيط وهو المرآة.

 

 

من أين تأتي المرآة؟ إنها تتشكّل نتيجة تطوير المفاهيم وتشكيلها كثقافة: “أنا الروح. أنا أبديّ. روحي خالدة تتجاوز الموت والولادة”. أن يُسَلِّم المرء بأنه الروح دون أن يختبرها ويتعرف عليها وجهاً لوجه يعني أنه خلق مرآة. عندها سوف تعرف نفسك كما أنت، لكن أنت الذي انعكس أو الذي تمّ إسقاطه من خلال مفاهيمك وثقافتك. الإختلاف الوحيد هو التالي: إذا كانت المعرفة وليدة المرآة فهي حلم، وإذا كانت مباشِرة بدون أيّ مرآة، فهي حقيقية. هذا إختلاف وحيد وعظيم. إختلاف لا علاقة له بالأجساد التي تجاوزْتها وعبَرْتَها، لكنه على علاقة بالأجساد التي لا يزال عليك إختراقها.

 

 

كيف للمرء أن يكون واعياً ما إذا كان يحلم في الجسد الخامس أو أنه يحيا الحقيقي؟ طريقة وحيدة ممكنة: أن تتخلّى عن أيّ نوع من أنواع النصوص الدينية، وأن تهجر كلّ نوع من أنواع الفلسفة. الآن لا يجب أن يوجَد أيّ معلّم أو مرشد روحي، وإلّا سيكون هو المرآة. عند هذه النقطة فصاعداً، أنت وحدك. لا يجب أن تهتدي بأيّ أحد كمُرشِد أو دليل وإلا سيكون مرآة.

 

من الآن فصاعداً أنت وحدك تماماً. وحدك لكنك لست وحيداً.

الآن عليك أن تكون وحدك داخل كلّ بُعْدٍ من هذه الأبعاد: كلمات، مفاهيم، نظريات، عقائد، فلسفات، معلمّون، مستنيرون، نصوص دينية، مسيحية، إسلام، هندوسية، بوذا، يسوع، كريشنا، ماهافيرا… وغيرهم. الآن أنت وحدك وإلا فأيّ شيء: أيّ صورة أو رمز يحضر بداخلك سوف يصبح مرآة. قد يصبح بوذا مرآتك… جميل جداً ولكنه أمر خطير جداً.

 

إذا كنتَ وحدك تماماً ولا يوجد بداخلك أيّ شيء يرافقك فلن يبقى ما يُمكن أن يكون انعكاساً. لذا التأمل هو الكلمة المناسبة للجسد الخامس. كلمة تعني أن تكون وحدك تماماً، حُرّاً من أي نوع من أنواع النشاط العقلي. كلمة تعني أن تكون خارج العقل: لا عقل. فإن حضَر أيّ نوع من أنواع العقل فيك سيكون مرآة وسوف تكون أنت الإنعكاس. عليك الآن أن تكون لا-عقل، لا-فكر ولا تحليل.

 

 

لا وجود لمرآة في الجسد السادس. الآن لا وجود سوى للكونيّ. أنت الآن تتلاشى وتفنى. ما عاد لك وجود: الحالِم ما عاد له وجود. لكن الحلم قادر على أن يبقى بدون الحالِم. وعندما يتواجد الحلم بدون الحالِم فإنه يبدو وكأنه حقيقة صادقة واقعية. لا وجود للعقل، لا وجود لأحدٍ يفكّر، لذا فكلّ ما سيُعرَف سوف يُعرَف. سيصبح معرفتك. قد تزورك أساطير الخَلق وتمرّ وتطفو بجانبك. أنت غير موجود، والأشياء تطفو وتمرّ بجانبك. لا أحد موجود لكي يحكُم. لا أحد موجود لكي يحلُم.

 

والعقل الذي ما عاد عقلاً، لا يزال موجوداً. العقل الذي دخل حال الفناء لا يزال له بقاء. لكنه لن يبقى كعقل فردي بل ككُلّ كوني. أنت غير موجود، ولكن الرّوح الكليّة موجودة (البراهما). لذا يُقال أنّ العالَم بأكمله هو حُلم الكُلّ المُطْلَق (البراهما). هذا العالم بأكمله هو حُلم، هو وهم. ليس حُلم أيّ فرد ولكنه حُلم الكلّ المُطْلَق. أنت لا وجود لك ولا تحلُم الآن، ولكنّ الكُلّ المُطْلَق يحلُم.

 

الفارق الوحيد الآن هو ما إذا كان الحلم إيجابياً. فإنْ كان إيجابياً كان وهمياً، كان حُلماً، لأنّ السّلبي وحده هو ما يُعادل المُطْلَق فقط. عندما يغدو كلّ شيء جزءً من ما لا شكل له، وعندما يعود كلّ شيء إلى مصدره الأصليّ… عندها يكون كلّ شيء موجوداً وفي الوقت نفسه غير موجود. الإيجابي هو العنصر الوحيد المتبقّي. يجب القفز عنه وتجاوزه.

 

إذاً، وإذا تلاشى الإيجابي عند الجسد السادس، فسوف تخترق الجسد السابع. الحقيقي عند مستوى الجسد السادس هو الباب للعبور إلى السابع. إذا تلاشى وجود كلّ إيجابي: صورة أو أسطورة، عندها فقد تلاشى الحلم واختفى. عندها ما بقيَ إلا ما هو موجود حقاً: حقيقة وأصل الوجود: ما هو كائن يكون. الآن لا وجود لشيء سوى للوجود. الأشياء غير موجودة ولكن المصدر موجود. الأشجار غير موجودة ولكنّ البذور موجودة.

 

أطلق العارفون بهذه الأسرار على هذا النوع من العقل اسم إستنارة تحملُ بذرةً. كلّ شيء اختفى وعاد إلى المصدر الأصليّ للوجود، إلى البذرة الكونيّة. الشجرة لا وجود لها ولكنّ البذرة موجودة. إلّا أنّ انبعاث الحلم من البذرة لا يزال ممكناً. لذا، فالبذرة أيضاً يجب أن تتلاشى وتفنى.

 

 

 

في الجسد السابع، لا وجود لا لحُلم ولا لحقيقة. ليس بإمكانك أن ترى شيئاً حقيقياً إلّا إذا كان الحلم ممكناً. لذا فأنت ترى الحقيقي طالما حدوث الحلم لا يزال ممكناً. عندما تختفي الأحلام، يفنى كِلا الواهِم والحقيقي ولا يعود لهما وجود. الجسد السابع هو المركز. الحلم والحقيقة الآن أصبحا واحداً. لا إختلاف. إمّا أن تحلم باللا-شيء أو أن تعرف اللا-شيء، ولكن اللا-شيء يبقى كما هو.

 

إذا حلَمْتُ بك فحُلمي هو وَهم. وإذا رأيْتُك أمامي فرؤيتي لك حقيقية. لكني إذا حلَمْتُ بغيابك أو رأيتُ غيابك، فلا إختلاف. حُلمك بغياب شيء من الأشياء يساوي الغياب نفسه ويماثله. الحقيقي لا يكون مختلفاً إلا في سياق شيءٍ إيجابيّ. لذا يتواجد الإختلاف حتى الجسد السادس. ولا يبقى إلا اللا-شيء عند الجسد السابع. حتى البذرة تغدو في غياب. هذه هي الإستنارة التي لا بذور لها. الآن يفنى الحلم وتختفي معه أيّ إمكانية لأن يحلم المرء.

 

 

إذاً… توجد سبعة أنواع للأحلام وسبعة أنواع للحقائق الوجودية. جميعهم يتداخلون ويخترقون بعضهم البعض. وبسبب هذا التداخل والإختراق يولدُ الكثير من الإضطراب. لكن التفرقة الواضحة بين السبعة سوف تساعدك كثيراً. علم النفس لا يزال بعيد جداً عن فَهم حقيقة الأحلام. علم النّفس لا يعلم إلا بخصوص الأحلام المادية الفسيولوجية، وأحياناً يعلم بشأن الأحلام الأثيرية. لكنه يفسّر الأثيري على أنه فسيولوجي.

 

 

قد غاص كارل يونغ أعمق من سيغموند فرويد بقليل. إلّا أنّ تحليله للعقل البشري قد تمّ التعامل معه على أنه شيء ميثولوجي ديني. ومع هذا فكارل يملك البذرة. وإذا أراد علم النفْس الغربي أن يتطور فالباب هو يونغ وليس فرويد. فرويد كان الرائد في هذا المجال، لكن كلّ رائد يتحوّل عقَبَة في وجه مزيد من التطور إن انقلبَ تعلّقه بإنجازاته هوَساً. ولا يزال طب النّفْس الغربي مهووساً ببدايته مع فرويد على الرغم من كوْن فرويد قد أصبح اليوم منتهي الصلاحية. يجب أن يصبح فرويد جزءً من التاريخ اليوم. وعلى علم النّفْس أن يتقدّم أكثر وأكثر.

 

 

يحاولون في أمريكا معرفة المزيد عن الأحلام من خلال طرق مخبَريّة. توجد الكثير من المختبرات المختصّة بالأحلام، ولكن الطرق التي يتّبعونها متخصصة بالمستوى الفسيولوجي فقط. يجب إدخال تقنيات اليوغا والتانترا إذا أرادوا التعرف على عالم الأحلام بكامله. كلّ نوع من الأحلام لديه حقيقة وجودية موازية له، وإذا لم يتمّ التعرّف على عالم الأوهام بكامله فسوف تغدو معرفة الحقيقيّ المُطْلَق مُستحيلة. الوهم هو الباب الوحيد لمعرفة الحقيقي.

 

 

لكن لا تأخذ كلامي على أنه نظرية أو نظام. فليكُن كلامي نقطة إنطلاق. إبدأ واحلم بعقلٍ واعٍ. فقط عندما تصبح واعياً داخل أحلامك يغدو بإمكانك معرفة الحقيقي.

 

نحن لسنا حتّى بواعين لأجسادنا المادية. لا نعي الجسد المادي ولا ننتبه له إلا إذا أصاب المرض أحد أعضائه. على المرء أن يصبح واعياً تماماً لجسده وهو في حال الصحة: كيف يعمل، ما هي مشاعره الشفافة، إيقاعه وصمته. أحياناً يكون الجسد صامتاً وأحياناً يكون صاخباً وأحياناً مسترخياً. أحاسيسه مختلفة في كثير من الحالات والسياقات وأمر مؤسف أننا لسنا بواعين له. تغيّرات شفّافة تحدث لجسدك عندما تذهب للنوم. تغيّرات جديدة تزور جسدك عندما تستيقظ من النوم. على المرء أن يكون واعياً لهذه التغيرات. لا تفتح عينيْك مباشرةً لدى استيقاظك في الصباح. دَع وعيَك يتمدّد ليشمل انتهاء نومك وإحساسك بجسدك. لا تفتح عينيْك بَعد. راقب التغيّر العظيم الذي يحدث بداخلك. النوم يغادرك والصحوة تزورك. قد شاهدْتَ الشّمس تُشرق لكنك ما شاهدْتَ جسدك يُشرق ويصحو. شروق الجسد له جماله الخاص. الصباح موجود داخل جسدك وكذلك المساء. إنها لحظة التحوُّل، لحظة التغيُّر.

 

 

شاهِد بصمت ما الذي يحدث عندما تذهب للنوم. سوف يأتي النوم ويزورك: كُن واعياً! عندها فقط ستمتلك قدرة أن تعي جسدك المادي حقاً. وفي اللحظة التي تعي فيها جسدك المادي سوف تعرف ما هو الحلم الفسيولوجي المادي. ولسوف تتذكر عند الصباح ما كان حلماً فسيولوجياً وما لم يكُن. إذا كنتَ عارفاً بالمشاعر الداخلية، بالإحتياجات الداخلية، بإيقاع الجسد الداخلي، فسوف تعرف لغتهم عندما تنعكس جميع هذه الأشياء في أحلامك.

 

 

نحن لم نفهم لغة أجسادنا. للجسد حكمته الخاصة به. للجسد خبرة عمرها آلاف وآلاف من السنين. جسدي يمتلك خبرة وتجربة والدي ووالدتي وآبائهم وأجدادهم وهكذا… قرون وقرون تطوّرت عبرها بذرة جسدي حتى وصلت لما هي عليه. للجسد لغته الخاصة به. على المرء أن يفهم لغة جسده أولاً. فهمك لغة جسدك هو بوابتك لمعرفة ماهية الحلم الفسيولوجي. عند الصباح سوف تكون قادراً على تمييز الأحلام الفسيولوجية من غيرها.

 

هكذا تفتح لك احتمالية جديدة باباً لها: أن تكون واعياً لجسدك الأثيري، وليس قبلاً. يجب أن تصبحَ شفافاً حساساً حتى تستشعر جسدك الأثيري. ستكون قادراً على اختبار مستويات أكثر شفافية للأصوات والعطور والأنوار. بعدها… وعندما تمشي سوف تعلم أن جسدك المادي هو الذي يمشي: الجسد الأثيري لا يمشي. الفرق واضح وضوح الشمس. أنت تأكل: جسدك المادي هو الذي يأكل وليس الأثيري. يوجد عطشٌ أثيريّ وجوع أثيريّ وتوقٌ أثيريّ، لكن هذه الأشياء لا تُدرَك ولا تُرى إلا بعد التعرف على الجسد المادي حقّ المعرفة. بعدها يبدأ التعرف على باقي الأجساد، الجسد تلو الآخر.

 

 

الأحلام موضوع من أعظم المواضيع. موضوعٌ لم يُكتَشَف بَعد. موضوعٌ لا يزال مَخفيّاً مجهولاً. إنه جزء من المعرفة السرية. لكن الوقت قد حان لكي يُصبح كلّ سرّ موضوعاً علَنيّاً. كلّ ما تم إخفاؤه يجب كَشفه للعامة وإلا سيكون خطيراً.

 

 

كان من الضروري أن تبقى بعض العلوم سرية في الماضي، لأن المعرفة بين أيدي الجهلاء تكون خطيرة. هذا ما يحدث مع المعرفة العلمية في الغرب. العلماء اليوم يعرفون حجم المشكلة ويرغبون بخَلق علوم سرية. ما كان يجب أن يعلم السياسيون بأمر الأسلحة النووية. على الإكتشافات الحديثة أن تبقى سرية. يجب الإنتظار حتى يصبح الإنسان ناضجاً فتكون المعرفة مُشاعة إلى العلَن ولا تتحول لخطر.

 

وهذا ما حدث في عالم الروحانيات. الشرق القديم عرف الكثير والكثير من الأسرار الروحية. لكنها كانت لتصبح خطيرة إنْ وقَعَت بين أيدي الجهلاء، لذا بقيَ المفتاح مخفيّاً. وأصبحت المعرفة الروحية سرية، إيزوتيريكية. وتمّ تمريرها من شخص إلى شخص بالتدرّج الدقيق. لكن اليوم وبسبب التطور العلمي، فقد آن الأوان لتصبح المعرفة الروحية علنية. سوف يكون العلم خطيراً إذا بقيَت الحقائق الإيزوتيريكية الروحية مجهولة وغير معروفة. يجب أن تصبح علنية حتى تتمكن المعرفة الروحية من مجاراة المعرفة العلمية.

 

 

الأحلام هي واحدة من أعظم عوالِم الإيزوتيريك. لقد أخبرتكم بضعة أشياء عن الأحلام لأجل أن تبدأوا رحلة الوعي، ولكني لم أخبركم بالعلم كاملاً. لن يساعدكم وليس ضرورياً. لقد تركت مساحات ما أخبرتكم عنها. فإن بدأتم رحلتكم الداخلية فسوف تمتلىء هذه المساحات من تلقاء نفسها. ما أخبرتكم به هو بكل بساطة الطبقة الخارجية أو المستوى الخارجي. هذا المستوى ليس كافياً حتى يكون أساساً تَبنون عليه نظرية، لكنه يكفي لأجل أن تبدأوا رحلتكم.

 

 

أوشو المستنير الحبيب عن عِلم نفْس الحقائق الإيزوتيريكية الروحية

احتفال من قلب وحال بشارعبدالله



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech