أنت الآن تقرأ في قسم: أديان, شاطئ الإستنارة

أوشو: مِقْعَدٌ يجلسُ عليه “لا أحد”

أوشو: مِقْعَدٌ يجلسُ عليه “لا أحد”

أوشو الحبيب،

مِقْعَدٌ فارِغ

ومساحةٌ صامتة

دربٌ لمعرفة بوذا

يا لبلاغة التّعبير

يا لنُدرَة هكذا فرصة

نعم…

هي الطريقة الوحيدة حتى أفتح بينكم وبين بوذا الباب. الصّمت هو اللّغةُ الوحيدة حتى أحكي لكم عن بوذا وأجود. أمّا الكلمات… الكلمات لا تُناسِبه. الكلمات ملوّثة… الكلمات لا تطَاله ولا تعرفه. محدودةٌ عاجزة هي الكلمات. وحدها المساحة الخالية من المحتوى… وحده الصّمت الأزليّ العتيق… وحدها قادرة على استِحضار كيان بوذا.

في اليابان معبدٌ خالٍ من جميع المحتويات… معبدٌ خالٍ من كلِّ شيء حتّى من تمثالٍ لبوذا. هذا مَعبَدٌ مُهدَى لبوذا. عندما يأتي الزوّار وعن بوذا يسألون: أين هو بوذا في قلبِ معبدٍ كُرِّسَ للخشوع في حضرته؟ يضحك الكاهن ويجيب: “هذه المساحة الصّافية الخالية من المحتوى… هذا الصّمت… هذا هو بوذا”.

الحجارةُ عاجزة عن تمثيل بوذا، مثلما التماثيل عاجزة عن أن ترمزَ له. بوذا ليس حجَراً ولا تمثالاً. بوذا ليس شكلاً. بوذا عطرٌ فوّاحٌ لا شكلَ له. لذا أهدَيْتُكم عشرة أيّام من الصّمت قبل أن أحدِّثكم عن بوذا.

نعم، وحده مِقْعَدٌ لا أحد يجلسُ عليه، قادرٌ على أن يمثّلَ حضرة بوذا. هذا المقعد أمامكم يجلسُ عليه “لا أحد”. وهذا الرّجل الذي يحدّثكم عن بوذا هو أيضاً “لا أحد”. ومساحات الصّفاء الخالية من المحتويات تُسكَبُ مثل شلّالٍ يغسِلُ أرواحكم ويُنعِشُها. مساحات الصّفاء تمدّ يديْها لكم من خلال “لا أحدٍ” يسكن بداخلي… من خلال صمْتٍ يُقيم في محرابي.

ولأنكم لا تفهمون الصّمتَ بَعد، واجبٌ عليّ أن أحوِّلَه كلمات. لكن تذكّروا دوماً أن الحقيقة لا تُقال. تذكّروا أنّ أحداً لم ينطِق بسِرِّ الحقيقة المُطْلَقة أبداً. وتذكّروا بأنّ الحقيقة لن تُقال يوماً. جميع النصوص الدينيّة تتحدّث عن الحقيقة، ولا تتوقّف عن الحديث عن الحقيقة… عن  و عن الحقيقة. لكنّ جميع تلك النّصوص لم تُعَبِّر عن الحقيقة ولم تلامسها أبداً. لا الفيدا ولا الإنجيل ولا القرآن، لأنها طبيعة الحقيقة الأبديّة المُطْلَقة… طبيعتها التي تتجاوز العقل مُخترِع اللّغات ومُصَمِّم الكلمات.

المحبّةُ العظيمة الرّحيمة التي لا تعرفُ سَبَباً أو شرطاً… المحبّةُ التي تنظرُ لكَ وتحتضِنُكَ وفي عيْنيها نسائمُ الطّفولة البريئة المُريحة، هي التي تملِكُ للحقيقةِ المُطْلَقة إثباتاً. المحبّة العظيمة الرّحيمة تكسَبُ حيث يفشلُ المنطِق ويَخيب. الصّمتُ المَهيب العتيق يكسَبُ حيثُ تفشَلُ اللّغات وتَعجَز. وكيفُ أُثبِتها لكم؟ لا أستطيع، ولكنّ غياب “الأنا”… غياب الشّخص من داخلي قادرٌ على أن يكونَ دليلاً أكيداً جليلاً للحقيقة الصّامتة العتيقة. مَن يريد أن يفهَم بوذا حقّاً فليقتَرب من الفناء العميق السّحيق بداخلي… فليقترب من الصّمت العتيق المُقيم بداخلي وليشعر الحميمية تتراقصُ أطيافاً وَدودةً حتّى يَعي ال”لا أحد” الذي يُخاطبه.

أنا لستُ شخصاً. قد مات الشّخصُ منذ زمنٍ بعيد. إني حضور. إني غيابٌ وحضور. غيابُ الشّخص والفَرد، وحضور معْبَر النّور الخالي من المحتوى. إني حضورٌ يُشبه الخيزران الفارغ حيث يُصنَع النّاي. وحده الخيزران الفارغ يتحوّل ناياً يعزف على شفاه الغامض المجهول.

وإنّي سلَّمْتُ نفْسي لهذا الكلّ الغامض الأبديّ المجهول. والآن، ما شاء الأبديّ المَهيب أن يفعل من خلالي… فإن أراد الحديث من خلالي أكون مُتاحاً. وإنْ لم يُرِد الحديث من خلالي أكون متاحاً. إرادتُه هي الإرادة الوحيدة الآن. أما حضوري الخالي فلا إرادة لديه.

وهذا سبب امتلاء أقوالي بشتّى أنواع التناقضات. الله متناقِضٌ لأنّ الله هو تناقضات الحياة. الله يَحوي الأقطابَ المتناقضة: هو الظلام والنور، هو الصّيف والشتاء، هو الموت والحياة. أحياناً يتحدّث فيكون الحياة، وأحياناً يكون الموت فيتحدّث عن طريقه. أحياناً يزوركم على أنه الصّيف، وأحياناً يزوركم على أنه الشّتاء. لا حيلة لي.

إذا تدخَّلْت، سأكون لحُسْنِ التّمثيل والرّمز قد أسَأت. وإنْ لازَمْتُ الثّبات على معنى لا نقيض له، سأكون للزّيف صديقاً. صِدقي يتجلّى عندما أبقى متاحاً لما حواه الله من تناقضات.

هذا المِقْعَد الذي أمامكم لا يجلسُ عليه أحد. وإنكم سوف ترَوْنَني وتدخلون حميميّةً أعانقُ أرواحكم بين أحضانها في اطمئنانٍ وسلام في اليوم الذي تتمكّنون من رؤية أنّ المقعد لا يجلس عليه أحد، وأنّ جسدي لا يسكنه أحد، وأنّ كلّ كيان لا يخشع في محرابه أحد. هذه لحظة الحقيقة حيث يُلاقي الطّالب السيّد المستنير. لحظةُ تحلُّلٍ واختفاء… لحظةٌ تنزلقُ قطرةُ النّدى مِن على بتلات أزهارها لتختفيَ في جدولِ ماءٍ صافٍ عَذب. قطرةُ النّدى عانقَت جدول الماء وذابت فيه أم أنّ جدول الماء عانقَ قطرة النّدى وذاب فيها: الأمر سيّان. هكذا يختفي الطّالب في السيّد المستنير ويختفي السيّد المستنير في الطالب. لا يبقى بعدها إلّا الصّمت المهيب يُسدِلُ عَذبَ روْنَقه في كلّ مكان ويسكُبُ خَمْرَ نشوته في كلّ حضورٍ وغياب.

الحوار لا مكان له في قلب التديّن الحقيقي. وهذا هو سبب بلوغ الأديان الشرقيّة العتيقة، وبالأخص البوذية، ذروة أعلى من المسيحية واليهودية والإسلام. لأنّ الإسلام والمسيحية واليهودية بقيَت مُتمَسِّكة بفكرة الحوار. والحوار يفتح باب الثنائية. الإسلام والمسيحية واليهودية هي أديان الصّلاة. والصّلاة تقترحُ وجود إله مُنفَصِل عنك في مكانٍ ما تتوجّه له في صلاتك وتخاطبه.

ومهما كان الحوار جميلاً… مهما كانت المناجاة بديعة، يبقى الإنقسامُ موجوداً… تبقى المسافة الشاسعة موجودة: لا وحدة ولا تحلُّل ولا ذوبان. ما وصل النّهر البحر بَعد وما صَبّ فيه ليصبحا كياناً واحداً. لعلّه أصبح من البحر قريب، جداً قريب، لكنّه لا يزال يُمسِك نفْسه ويأبى القفزَ في قلبه.

التّأمّل دين مختلف تماماً عن الصّلاة: الصّلاة حوار بين اثنيْن، أما التأمل فهو الصّمت المَهيب الذي يتجلّى بعد انهيار الكلمات وتجاوُز العقل وما فيه من لغات. الصلاة تُوَجَّه لعنوانٍ يسكنُه كيانٌ ما حتّى وإن كان هذا العنوان في كلّ مكان… سواء أكان صاحب العنوان حقيقياً أم وهماً وخيالاً… لا يهمّ. ما يهمّ هو توجيهها إلى مكان، إلى صاحب العنوان. أما التأمل فلا يُوَجَّه لأحد ولا إلى أيّ مكان. ما على المتأمِّل سوى أن يغيب في قلب صمتٍ أبديٍّ عتيق… أن يغيبَ ويختفي في فناء اللا-شيء البديع. غياب الشّخص والفَرد هو للتأمل حضور.

وبوذا هو التأمل. التأمل طَعْمُه والصّمت مذاقه.

أوشو المستنير الحبيب عن حقيقة بوذا

احتفال من قلب وحال بشارعبدالله



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech