أنت الآن تقرأ في قسم: إنسان, جسد / فكر

أوشو، داخل أسرار العقل

أوشو، داخل أسرار العقل

أول شيء يحتاج الإنسان إلى فهمه هو أن العقل ليس عن الجسد بمختلف

ليس عن الجسد بجزيرة معزولة منفصلة … العقل جزء من الجسد … إنه الجسد اللامرئي، ذلك الجزء البعيد العميق المختبىء هناك في أعماق الجسد.

لا يمكنك الإمساك بالعقل، لكن باستطاعتك أن تؤثر فيه من خلال الجسد. أحدهم يتعاطى المخدرات أو الكحول مثلاً… وفجأة تجد العقل تأثر واستجاب. تدخل العقاقير في الجسد لكنها تؤثر على العقل لأنه الوجه الشفاف للجسد.

والعكس صحيح أيضاً

إن استطعْت أن تؤثر في العقل، فسوف يستجيب لك الجسد. هذا ما يحدث خلال التنويم المغناطيسي… إنسان ليس بإمكانه أن يمشي … إنسان يُعرّف عن نفسه بأنه مشلول … هذا الإنسان بإمكانه أن يمشي من جديد تحت تأثير التنويم المغناطيسي، أو بإمكانه أن يصبح مشلولاً تحت التأثير نفسه. فإن أخبرته خلال التنويم ب”أن جسدك الآن مشلول ولن يكون باستطاعتك المشي مجدداً”، فإنه لن يتمكن من المشي حقاً.

لكن ما هو السر؟

السر في أن علم التنويم المغناطيسي يدخل في أعماق العقل ويسبُر أغواره… ذلك الإقتراح عبر من يقوم بالتنويم، يدخل في العقل عميقاً. عندها يتبعه الجسد.

إذاً ليس العقل والجسد باثنين … العقل والجسد وحدة واحدة متكاملة. للجسد خمسة أعضاء أو آلات تقوم بالأفعال والأعمال اليومية، وللعقل خمسة حالات يعمل من خلالها.

لكن الحالات الخمس التي يعمل العقل من خلالها تقود الإنسان بطبيعتها نحو قلق وخوف عميق، نحو الشقاء.

فإن تمكّن الإنسان من استخدام حالات العقل هذه بوعي وسيادة، فإنها سوف تقوده نحو الصفاء.

كلمة صفاء هنا ليست ممرّ نعبر عليه بسرعة … لنتوقف لبرهة من الوقت ونتأمل ماذا أعني بالصفاء

لقد قلتُ أن استخدام العقل بوعي وسيادة يقود للصفاء، لكنني لم أقُل أنه يقود للنعمة الإلهية، للفناء

لا…

فالعقل إما يكون بوابة عبورك نحو الجحيم إن أسأت استخدامه وفقدتَ فنّ التعامل معه وكنت له عبداً تسمع وتطيع وتستجيب

والعقل إما يكون بوابة عبورك نحو النعيم إن أحسنت استخدامه وفقَهت فن التعامل معه وكنت عليه سيّداً تأمره وتنهيه فيستجيب

لكن في كلتا الحالتين، لن يقودك العقل نحو الجنة الإلهية، نحو الراحة الأخيرة في حضرة الهالات النورانية

                       

لماذا؟

لأن هذه الجنة والواحة والحضرة هي طبيعتك وفطرتك وأصلك أنت

كل ما أستطيع قوله هو أنه وفي حال النعيم الذي هو وليد حُسن استخدامك لعقلك … رويداً رويداً سوف يُرفع لك الستار عن حالك وطبيعتك وأصلك… عن الجنة الإلهية، عن الفناء … أي أن العقل سيكون النافذة التي تنظر من خلالها لأصلك ونورك وشمسك الساطعة في السماء

مشكلة الإنسان هي أنه أصبح المخلوق الوحيد المتمرّس في استخدام عقله لأجل أن يكون الشقاء حصاده

إنه يعلم ويُتقن فنّ خلق الشقاء وإبداعه

ربما لا يكون الإنسان واعياً لأفعاله، لكنها حقيقة… فكلّ ما تمسّه أيادي البشر على وجه هذه الأرض، يتحوّل إلى مصدر تعاسة وشقاء

أرى أناساً فقراء، وظاهر عليهم الشقاء

هم في شقاء لأن الحاجات الأساسية الضرورية في حياتهم تمّ إغفالها وعدم إشباعها… فهُم فقراء

أعود وألتقي أناساً أثرياء في منتهى الثراء… لكنهم أيضاً تعساء ويحيون الشقاء

هؤلاء الأثرياء يظنون أن الثروة أوالثراء لا يقود إلى أي مكان ولا يملك مفتاحاً للهناء

وهذا ليس صحيحاً

بإمكان الثروة أن تقود صاحبها نحو الإحتفال إن كان يملك عقلاً يعرف معنى الإحتفال

فقراء الناس تعساء، وأغنياء الناس تعساء… فمجرد لمسهم الأشياء كفيل بتحويلها لمصدر شقاء

المشكلة في العقل

الإنسان بعقله الحالي لا يعرف سوى أن يخلق جحيماً حوله أينما كان… حتى ولو تمّت دعوته للجنة… سوف يدخلها لكنه لن يجدها لأن الجحيم بداخله حقيقة سوف يجسّدها… الإنسان بعقله الحالي يحمل جحيماً بداخله يأخذ ناره معه ويُشعلها حوله أينما حلّ

قصص الحكمة جميعها تخبرنا بأن الجنة والجحيم هما أماكن نفسية لا جغرافية… إنهما مواقف بشرية… ولا أحد يدخل الجنة أو الجحيم، لكنه يدخل ومعه إما الجنة وإما الجحيم فهو يحمل إحداهما بداخله… أينما رحل، يحمل بداخله انعكاساً يجسّده حوله سواء عن الجحيم أو النعيم

والآن…. ماهي حالات العقل الخمسة؟

إنها المعرفة الصحيحة والمعرفة الخاطئة والمخيِّلة والنوم والذاكرة

سنبدأ معاً مع حال العقل الأول… المعرفة الصحيحة

يقول الحكماء بأن العقل يحمل بداخله بذرة وإمكانية وقابلية إن تمّ استخدامها بعلم ووعي ومسؤولية، فكل ما سيعرفه العقل ويتعرف عليه حينها سوف يكون صحيحاً، حقيقياً. لكن هذه القدرة لاتزال إلى الآن مجهولة منبوذة ولم يستعلمها أحد لأن أحداً لم يعلمنا كيف نستخدمها. الأمر كأنك تدخل غرفة مظلمة ورغم أنك تحمل مصباحاً في يدك إلا أنك تجهل كيفية إضاءته، فتظلّ الغرفة أسيرة للظلام وأنت تتخبط وترتطم بالطاولات والكراسي والجدران رغم أنك تحمل مفتاح النور معك.

العقل يملك القدرة على المعرفة الصحيحة، على الحكمة. ومتى ما تعلّم الإنسان كيف يفتح باب هذه القدرة ويروي بذرتها لتنمو، فأينما ذهب وحلّ بنوره هذا، لن تتكشّف له سوى المعرفة الصحيحة الحكيمة. بدون هذه القدرة، مهما عرفت وتعرّفت فكل ما تعرفه سيكون خاطئاً.

والعقل يحمل بداخله قدرة على الحال الثاني، على المعرفة الخاطئة. إن معنى المعرفة الخاطئة في السنسكريتية هو المزيف، الواهم. جميعنا بداخله هذه القدرة.

ماذا يحدث عندما تتناول المخدِّر أو الكحول؟ يتحوّل العالم أجمع إلى وهم وزيف، وتبدأ برؤية أشياء لا وجود لها.

ما الذي حدث؟ فالكحول ليس بإمكانها اختراع وابتكار هذه الأشياء والأوهام، لكنها تقوم بفعل شيء داخل جسدك ودماغك. تبدأ بتنشيط وتفعيل المركز الموجود فينا الذي يسميه الحكماء بمركز الوهم أو الزيف (فيباريايا). يملك العقل مركزاً قادراً على تحريف أيّ شيء، ومجرد أن يبدأ هذا المركز بالعمل، تتحرّف الأشياء وتظهر بغير حقيقتها. المعرفة الخاطئة هي مركز التحريف.

يعاكس مركز المعرفة الخاطئة فينا، مركز الجهل البريء، مركز (أنا لا أعرف شيء). بإمكان الإنسان تنشيط وتفعيل هذا المركز بالتأمل العميق وعند حلول الصمت البليغ داخل كيانه. إنه مركز المعرفة الصحيحة الذي تحدثت عنه سابقاً (برامان).

إن ما يعرفه الإنسان ليس بمهمّ … ما يهمّ هو من أيّ مصدر داخل الكيان عرِف وتعرّف هذا الإنسان

 

لهذا نجد الأديان جميعها اتّخذت موقفاً معادياً من الكحول… لماذا؟ لا علاقة للأخلاقيات بالموضوع وليست سبباً في رفض الأديان للكحول. الحقيقة أن الأديان رفضت الكحول لأنها تنشِّط وتفعِّل مركز التحريف فينا الذي يلوي ويحرّف أي شيء نراه ونعرفه حولنا. وكل دين تراه للتأمل نصير وحليف، لأن التأمل يعني خلق مزيد من المساحات الصافية الخالية النقية الهادئة داخل كيان وعقل وقلب الإنسان. الكحول تفعل العكس. الكحول تجعلك أكثر حماسة وأكثر التهاباً واضطراباً ودون وعي تكون مقداماً. من هنا يترجم الجسد حالة العقل الكحولي برعشة ورجفة وخلل في ميزان الطاقة وسط الجسد الذي يوازن الأنثى والذكر داخل معبد الجسد، لدرجة أن السكران ليس بإمكانه أن يمشي باتّزان. ضاع التوازن وأصابه الخلل فاختلّ الميزان. لم يختلّ توازن وميزان الجسد فقط، بل توازن وميزان العقل أيضاً.

التأمل يعني استعادة الميزان الداخلي. وحين تستعيد توازنك الداخلي وترحل الرعشة منك وتغادرك إلى غير رجعة، حين يدخل الجسد والعقل في حال من الهدوء والسلام، عندها فقط يبدأ مركز المعرفة الصحيحة بالعمل. وأيّاً ما تعرفه من خلال هذا المركز فهو صحيح، هو الحقيقة.

من أنت الآن؟

لست بسكّير ولست بمتأمل، فلا بدّ لك إذاً من أن تكون في مكان وسط بين كلا الحالين. لست متمركز في أي مركز، بل تتأرجح تارة على ضفاف شواطىء المعرفة الصحيحة وتارة أخرى على ضفاف شواطىء المعرفة الخاطئة. هذا التأرجح يخلق الإضطراب، وجميع الناس يشعرون ويحيون الإضطراب.

أحياناً تُفتح النوافذ وتأتيك لمحات ونفحات. تكون قد مِلت قليلاً نحو ضفّة المعرفة الصحيحة فتأتيك منها نسائم ونفحات. بعدها تميل نحو ضفة المعرفة الخاطئة فتنحرف الأمور أمامك وينحرف فهمك ورؤيتك لما حولك، فتنحرف معها وتختلط عليك الأمور وتعُمّ بداخلك الفوضى. أنت بين نعيم وجحيم، بين نور ونار.

وهناك حقيقة خطيرة ولابدّ من قولها وكشفها والبوح بها…

إن وجود الإنسان في مركز من المراكز يُريح أكثر من التأرجح بينهما، فالتأرجح لفترة طويلة عذاب… هو مطلوب في البداية لكن ما لم يستقرّ الإنسان على ضفة المعرفة الصحيحة فالأمر سيتحول لعذاب كلما زاد الإضطراب… لكن الأمر هو أنه حتى وإن استقرّ البعض على ضفة المعرفة الخاطئة فسوف يشعر بارتياح مقارنةً مع عذابه في الميل بين الضفتين. طبعاً لن يكون استقراره راحة وجودية ولن يعترف الوجود باستقراره لأنه في المعرفة الخاطئة وبالتالي سيهبط مقامه كونياً ومنزلته عند الله وسيعاني في عوالم أخرى، لكنني هنا أتحدث عن أحوال عقل الإنسان. فبالنسبة للعقل يُعد الإستقرار على أيّ ضفة من الضفتين مكسباً بدلاً من التأرجح المستمر وعدم الإستقرار على شيء. لكن هذا بالنسبة للعقل، أما نحن فلا ملاذ لنا ولا تطور روحي سوى بالإستقرار على ضفة المعرفة الصحيحة، لذا لننتبه… لننتبه لأن العقل سيرتاح حتى ولو استقرّ على ضفة المعرفة الخاطئة. وكثُر هم المتمركزون اليوم في اللاوعي والكحول والحانات والدعارات والجهل إن لم يكُن العالم أجمع أصبح هكذا، وتجدهم مرتاحين لحالهم لا يسعون للتغيير، لماذا؟ لأن عقولهم ارتاحت حين وجدت مركزاً ولم تهتم كونه المركز الخطأ. إن التمركز في مركز حتى ولو المركز الخطأ هو أمر يمنح العقل سعادة، لذا تجد تعلق الناس بالمشروبات الكحولية وانجذاب الكثير لها.

لقد حاربت الحكومات والقوانين موضوع الكحول والمخدرات لقرون. وتم وضع قوانين ومحظورات وتحذيرات بخصوصها ولم ينفع شيء في منعها. ولن ينفع شيء في منعها والتخلص منها، لماذا؟ لأنه ما لم تكون البشرية متأمِّلة، تحيا حال التأمل والسلام الداخلي فلن يفلح ولن ينفع شيء. ستظل البشر تحاول إيجاد أي شيء والبحث عن أي شيء يجعلها مُخدَّرة بعيدة عن همومها وشقائها. لن يتمكن أحد من ردعهم، وكلما ازدادت محاولات الردع، كلما اتخذت الممنوعات والمحظورات جاذبية كبيرة مثيرة وتم اللجوء لها في السرّ.

ما لم يتغير الإنسان ويتحوّل داخلياً فمنعه عن هذه الأشياء أمر مستحيل، لأن الناس عندها سوف تُجَنّ. وهذه الممنوعات بالنسبة لهم هي وسيلتهم للبقاء قدر الإمكان من الجنون في أمان. لساعات قليلة معدودة، يثمل هذا الشخص أو ذاك أو يشاهد فيلما إباحياً أو يدخّن السيجار أو المخدِّر أو يمارس الدعارة الجنسية أو أي شيء، فيشعر أنه في هذه الساعات بخير، في سعادة. طبعاً العقل هو الذي يشعر، وأنا هنا لا أروّج لهذه الأشياء فحذاري من الفهم الخاطىء. لساعات معدودة يشعر أن كل شيء على ما يرام ويخرج من دائرة الشقاء والمعاناة التي يواجهها في مجتمعه يومياً. سيعود الشقاء ليأتي من جديد، وسوف تعود المعاناة لتداهم كيانه من جديد، لكنه على الأقل قد ساهم في تأجيلها لبضع ساعات. في الصباح سيعود الشقاء كما كان، لكنه وعند المساء سيحاول من جديد التأجيل وسوف يشرب كأساً أو يفعل شيئاً آخر لأجل الهرب من المواجهة.

لذا نجد الإصرار الشديد من الأديان الشرقية القديمة على التأمل… التأمل يقوم بمعجزة كونية، فهو يساعد الإنسان على إنارة النور داخله فيعمل مركز المعرفة الصحيحة فيه. عندها يرى ويعرف الحقيقة. عندها يصبح الإنسان متدين حقاً.

الإنسان لا يصبح متديناً إذا ذهب إلى الجامع والمجسد والكنيسة والمعبد وقام بأداء بعض الشعائر والطقوس والعبادات. نعم هذه طرق ومفاتيح علم جميلة وكبيرة لكن بمعزل عن فهم جوهرها وعلومها فأنت لست متدين إن كنت تؤديها وتمثّلها دون أن تفهمها. التدين الحقيقي يكون بالتمركز في مركز المعرفة الصحيحة.

الحال الثاني للعقل كما تحدثت سابقاً هو المعرفة الخاطئة. والإنسان المتمركز في هذا المركز سيكون مخطئاً مهما قال وخاطياً مهما فعل. كل ما يقوله ويفعله ويقرره ويختاره بل ويقرأه سيكون خاطئاً، وللأسف هذا حال الجميع في يومنا هذا.

ونصل إلى ثالث حال من أحوال العقل وهو المخيّلة. كل عقل يمتلك قدرة على التخيّل، والتخيُّل أمرٌ جيّد وجميل إذ أن كل إبداع وجمال كان نسيم هبَّ من عوالم المخيّلة فلامس وأحيا قلوب البشر. الفنون والرقص والموسيقى وكل ما هو راقي وبديع أتى من المخيّلة، من خيال الإنسان. لكن المشكلة تكمن في أن كل ما هو قبيح إنما يأتي من المخيّلة أيضاً. إن هتلر وماو وموسوليني، جميعهم كانوا نتاج المخيّلة.

لقد تخيّل هتلر عالماً مليئاً بالبشر الخارقين وآمن بفريدريك نيتشيه الذي قال “إقضوا على كل الضعفاء … إقضوا على من هُم ليسوا من المتفوقين. ولا تتركوا سوى الخارقين على وجه الأرض”. لقد قام هتلر بالقضاء على البشر. إنها المخيّلة المريضة التي تهيِّء لصاحبها كما هيّأت لهتلر بأنه وبمجرد القضاء على الضعفاء والذين يعانون جسدياً، فسوف يكون العالم جميلاً. لكن التدمير.. لكن الحروب والدمار هي الشيء الأقبح والأسوء في العالم أجمع.

لكن هتلر كانت تقوده مخيّلته لمرحلة وصل معها إلى حافة الجنون، حيث أنه حاول تدمير العالم بأكمله.

إذاً بإمكان المخيّلة أن تمنَحَك الشعر والموسيقى والفن، وبإمكانها أن تمنَحَك الجنون. الأمر يعتمد عليك، كيف تستخدم مخيّلتك. لقد توصّل العالم إلى جميع الإكتشافات العلمية العظيمة من خلال المخيّلة، من خلال أناس يملكون المقدرة على التخيّل، تخيُّل المستحيل. الآن بإمكاننا أن نطير في الهواء ونصل إلى القمر. لطالما كان هذا حلم الإنسان منذ قرون، أن يحلّق في السماء ويصل إلى القمر. كل طفل يولد وبداخله رغبة في الذهاب إلى القمر، في الإمساك بالقمر. وها قد وصل الإنسان، فالمخيّلة تولِّد الإبداع إن تم استخدامها بالطريقة الصحيحة، لكنها أيضاً تولِّد الدمار إن تم استخدامها بالطريقة الخاطئة.

وإحدى أهم طرق استخدام المخيّلة في الطريق الصحيح هي تقنيات التأمل التي تعتمد على التخيُّل. إن أغلب تقنيات التأمل (الهادئة) تبدأ بالتخيُّل، من المخيّلة ومع الوقت تصبح هذه المخيّلة شفافة رقيقة ناعمة لدرجة كبيرة إلى أن يأتي يوم ويتجاوزها الإنسان كلياً فيواجه الحقيقة وجهاً لوجه.

إن جميع تقنيات التأمل سواء في علوم الإسلام (الصوفية) أو المسيحية وغيرها، مبنيّة في أساسها على المخيّلة. في البداية عليك أن تتخيّل شيء معين، وتستمر بتخيّله مرة بعد مرة إلى أن تقوم بخلق جو ذبذبي أثيري من حولك يناغم الأمر الذي كنت تتخيّله في صفائه وجماله وروحانيته.

لقد ساعدَ إيميلي كووي وهو واحد من أهم علماء النفْس في الغرب، ملايين الناس في التخلص من أمراضهم والشفاء منها تماماً، عبر المخيّلة فقط. وقد كان أسلوبه بسيطاً. كان يقول للمريض “إبدأ بالشعور بأنك على خير ما يرام. كرِّر داخل عقلك بأنك في صحة جيدة وأن صحتك تستمر بالتحسن، واستمر في تكرير هذا… كل يوم أتحسن عن اليوم الذي قبله… وعند المساء حين تذهب إلى النوم، إستمر بالتفكير بأنك على خير ما يرام، وأن صحّتك تتحسّن في كل لحظة، وسوف تجد نفسك الإنسان الأكثر صحّة عند الصباح. إستمر في التخيُّل”. وقد ساعد ملايين الناس عبر طريقته هذه في الشفاء، حتى من أمراض يستعصي معها الشفاء. لقد بدا الأمر وكأنه معجزة، لكنه ليس كذلك.

إنه قانون بسيط: العقل يتبع المخيّلة، والجسد يتبع العقل… إنتهى              

هذا هو الطريق الصحيح لاستخدام المخيّلة.. أما الطريق الخاطىء فسوف يقود صاحبه للأوهام والأحلام والتهيّآت. LSD وغيره من المخدرات والعقاقير، جميعها تعمل على هذا المركز في الإنسان. فأيّاً ما كانت قدرات الإنسان بداخله، فسوف تساعده هذه العقاقير على تطويرها. ولا شيء أكيد، فإن كان الإنسان يملك مخيّلات جميلة سعيدة فسوف تكون رحلته مع العقاقير سعيدة، ومن هنا أتى التعبير بأنه في مزاج عالي. أما إن كان بداخله تخيلات مظلمة وتعيسة وبائسة وأشياء في اللاوعي مظلمة لا يعرف عنها شيئاً فسوف تكون رحلته كابوس مظلم، تخيّلات رهيبة.

ولهذا السبب كانت ردود فعل الناس على تجربة LSD مختلفة وتناقض بعضها. ففي حين نجد Huxley يقول بأن ال LSD بإمكانه أن يصبح باباً للعبور إلى الجنة، نجد Rheiner يقول بأنه الجحيم المطلق. طبعا أنا أتحدث هنا علمياً لا وجودياً، لأن متعاطي المخدِّر وجودياً سيظل وعيه في الأسفل ولن يعرف الحقيقة المطلقة أبداً، لذا حذاري مرة أخرى من الفهم الخاطىء ومحاولة الإقدام على تناول هذه الأشياء.

تُرى هل تعلمون ما الذي حدث للمجانين الذين يوضعون في بيوت المجانين حول العالم؟

لقد استخدموا جميعهم مخيّلاتهم، واستخدموها بطريقة غمرَتهم وحاوَطتهم فقتَلَتهم. قد يكون الشخص المجنون جالساً وحده، لكنه يتحدث مع آخر بصوت عالي. هو لا يتحدث فقط بل يُجيب نفسه. يسأل ويُجيب ويتحدث بلسان الحاضر الغائب الذي يُفترَض أنه معه. أنتم تعتقدون أنه مجنون، لكنه يتحدث مع شخص حقيقي، فالشخص الذي يتحدث معه حيّ في مخيّلته يحيا هناك، وهذا من نسميه بالمجنون لم يعُد بإمكانه الحُكم والتفريق والتمييز بين ما هو تخيُّلي وبين ما هو حقيقي.

حين يدخل الناس في التأمل، فإن أشياء كثيرة تحدث من خلال مخيّلاتهم. يبدأ الناس الذين يدخلون التأمل برؤية أنوار وألوان ورؤى وحضرات للأنبياء والحكماء والمستنيرين. جميع هذه الأشياء هي أشياء تخيُّليّة تُثبت أن المتأمل يتذبذب عالياً على ترددات عليا في مخيّلته وهذا جيد، لكن على المتأمل أن يتذكر دائماً بأن هذه الإختبارات هي من عمل المخيّلة. بإمكاننا الإستمتاع بهذه الأشياء كما نريد فلا شيء خطأ في ذلك، لكن لا تبدأ بالإعتقاد بأنها الحقيقة المطلقة وأنك وصلت وأنك تعرف كل شيء وتتحوّل إلى واعظ يدّعي أنه اتصل بالمصدر الحقيقي وأن عليه تقييم الآخرين. لا تقع في هذا الفخ.

على المتأمل أن يتذكر أن الوعي الكوني، أن الشاهِد الذي فيه هو الحقيقة الوحيدة في الوجود. أياً ما يحدث من تجارب روحية سيكون جميلاً ومفيداً جداً وليستمتع به، لكن ليتذكر بأن كل هذا من فعل المخيّلة. فإن ضاع وسط هذه الرؤى والتجارب فهو عندها في خطر. العديد من المتدينين يعيشون في مخيّلاتهم ويضيّعون حياتهم.

ورابع حال من أحوال العقل هو النوم…

النوم هنا يعني اللاوعي… نام العقل وتوقف عن العمل تماماً. النوم هو توقف العقل عن العمل. فإن كان الإنسان يحلم فهو ليس بنائم، بل هو في الوسط تماماً، بين الصحو والنوم. لقد ترك الصحو ولم يدخل النوم بعد، إنه في الوسط.

النوم هو حال فارغ من أي محتوى، لا فعل ولا نشاط ولا حركة من جانب العقل. هذا النوم جميل، يمنح الإنسان الحيوية والنشاط. وبالإمكان استخدام النوم بأسلوب صحيح، فاستخدامه بطريقة صحيحة يتحوّل جسراً يمشي عليه الإنسان حتى يصل للإستنارة، فالإستنارة لا تختلف عن النوم كثيراً. الفرق الوحيد بينهما هو أنك في الإستنارة ستكون واعياً شاهِداً على كل شيء. عدا ذلك فلا اختلاف… الإختلاف هو أنك في النوم لست واعٍ ولست شاهد على فراغك من كل محتوى، على نقائك وصفائك وفنائك.

إن من يتمرّن كيف يصبح واعياً أو كيف يدخل في النوم بوعي دون أن يدع وعيه يغادره لحظة نوم الجسد سيصل للحظة ينام فيها الجسد دون أن ينام هو، فيظلّ صاحياً شاهِداً على الجسد النائم. جميع الحكماء والأنبياء والمستنيرون والمتأملون وممارسوا اليوغا المتمرسون، يظلون في حال صحوة ومشاهدة وأجسادهم نائمة يراقبونها ويقفون بجانبها. سيتحوّل النوم هنا إلى تطوّر روحي، سيحوّل إلى نشوة روحية.

وخامس وآخر أحوال العقل هي الذاكرة. وبالإمكان إساءة استخدام الذاكرة أو استخدامها في مكانها الصحيح. إساءة استخدامها تؤدي إلى الإضطراب. هناك من قد يذكُر شيئاً ما حدث معه منذ مدة، لكنه قد لا يذكر ما إذا كان قد حدث بالطريقة التي يذكرها أم أن هناك بعض الأمور التي حدثت حينها وهو الآن من ذاكرته يفقدها. ذاكرته لا يُعتمد عليها، فقد يضيف على ما حدث أموراً فتبدأ مخيلته بالعمل. أو أنه قد يحذف مما حدث أشياء.

الجميع يقول بأنه يحنّ لعهد الطفولة والصبا، وأن طفولته كانت جنته والعهد الذي لن يعود أبداً. لكن أنظر إلى الأطفال… إنهم يعانون الآن وحياتهم ليست مثالية، لكنهم حين يكبرون سيخبرون الجميع بأن طفولتهم كانت الجنة. كل طفل يرغب بالوصول لسنّ البلوغ وأن يصبح كبيراً مسؤولاً عن نفسه. كل طفل يظنّ أن الكبار يستمتعون بحياتهم حقاً ويعيشونها كما يجب أن تُعاش. لكنهم سوف يكبرون ويعلمون أنهم استعجلوا الكِبر فرحلت الطفولة سريعاً ولم يشعروا بها، وسوف يعودون بذاكرتهم لطفولتهم وذكراهم يرافقها الحنين فيلوّنها بلونٍ جميل بديع فيقولون أن طفولتهم كانت جنّتهم.

الذاكرة ليست محلّ ثقة إذاً، إن نظرنا إليها من هذا الجانب النفسي داخل الإنسان، ذلك الجانب الذي يهوى تلوين الأمور بريشته وألوانه. الجميع يتخيّل ويخلق ماضيه بيديه. الجميع يختار ما يريد بقائه في ماضيه ويحذف منه ما عانى منه في أيامه ولياليه.

الذاكرة الصحيحة هي أن ننظر إلى ماضينا كما هو دون حذف أو إضافة أو تعديل، كما هو مهما كان قاسياً. كل شاب يكره والده بطريقة أو بأخرى، لكنك وإن سألت أحدهم فسوف يقول: “أنا أحب والدي فهو عندي بالدنيا وفوق رأسي ” وهذه النوعية من الكلام. كل إمرأة تكره والدتها بطريقة أو بأخرى، لكن إسأل أي واحدة وسوف تجيب: “أمي رائعة عظيمة”… هذه هي الذاكرة الخاطئة.

لدى جبران خليل جبران حكاية يخبرنا فيها عن أم وابنتها تصحيان فجأة على صوت ضجة. كلا الأم وابنتها كانتا تمشيا أثناء نومهما، وحين حدثت الضجة، كانت كلاهما تمشيان وسط الحديقة نائمتين.

قالت الأم لابنتها أثناء نومها: “لقد ضاع عمري وشبابي بسببك أيتها الشقية. والآن فإن كل من يزور منزلنا ينظر إليك أنتِ، ولا أحد ينظر إليّ.” هذه الغيرة العميقة تنتاب كل أم حين تصبح ابنتها شابة وجميلة. إنها تحدث لكل أم، لكنها أحاسيس مخفية بعيداً عميقاً في ظلمات اللاوعي.

وكانت الإبنة تجيبها: “أيتها الشمطاء، بسببك أنا لا أستطيع الإستمتاع بحياتي. أنتِ في وجهي عائق، إذ ليس بإمكاني أن أحِب وأستمتع…”

وفجأة استيقظَت كلاهما بسبب الضجة. فقالت الأم لابنتها: “آه يا طفلتي ما الذي تفعلينه هنا؟ قد يصيبك البرد… تعالي وادخلي”.

وقالت لها الإبنة: “وما الذي تفعلينه أنتِ في الخارج؟ الطقس بارد وأنت لستِ في صحة جيدة. تعالي يا أمي إلى السرير”.

الحوار الأول بين الام وابنتها كان آتياً من اللاوعي، اللاوعي كان مصدره. أما الآن وقد استيقظتا، فقد بدأتا بالإدعاء من جديد. الآن تنحّى اللاوعي وعاد إلى الوراء وأخذ مكانه الوعي، وبدأ النفاق.

وعينا جميعاً هو عبارة عن نفاق وادّعاء. ولكي يكون الإنسان صادقاً حقاً مع ذكرياته ويواجهها كما هي، عليه أن يمرّ بجهد كبير ومضني. عليك أن تكون صادقاً حقاً مهما كان الثمن. عليك أن تصارح نفسك كيف تفكر حقاً بوالدك ووالدتك وأخوك وأختك وزوجك وزوجتك والجميع… ومهما كان ماضيك فلا تغيّره، بل واجهه وسوف تتحرر منه، لكن لا تُجمِّله. عندها أنت واضح وصريح، عندها أنت كالسيف… عندها أنت تصل لوضوح عقلي لا مثيل له… هذا الوضوح يقود للتأمل فيصبح باباً للعبور نحو ما هو أبعد من الأبعاد.

من علوم أوشو في يوغا الروح، ترجمة من قلب بشارعبدالله 



المكتبة - إدعم الموقع Donate - دورات تعليمية - تنويه من القلب
Designed & Hosted by CoolesTech