أنت الآن تقرأ في قسم: أديان, شاطئ الإستنارة

أوشو: رسالة بوذا الدينية ومعنى التأمّل الصحيح

أوشو: رسالة بوذا الدينية ومعنى التأمّل الصحيح

 

 

 

طائرٌ مُحَلِّقٌ أنا في سماوات محبّتي لبوذا، إذ يتوهّجُ رمزاً جليلاً داخل محراب كياني يرمز لجوهر الدّين الأساسيّ ولبَّه الحقيقيّ. في قلبي أغنيةٌ تتغنّى بمحبّتي لبوذا الذي لم يؤسّس البوذية لأنّ البوذيّة كانت نتاجاً لا دخل له فيه. أما بوذا فهو مَن بدأ نوعاً مختلفاً تماماً من الدّين لم يشهد العالَم ما يُماثِله من قبل. بوذا هو مؤسِّس الدين الذي لا دين له.

مع بوذا عطَّر عبيرُ التديّن أرجاء العالَم وزواياه وكلّ ركنٍ فيه. تديّنٌ لا دين له. وهذا تحوُّلٌ مَهيب في تاريخ الوعي البشري.

إزدهرت الأديان قبل بوذا لكنّ التديّن النّقي الصّافي كان خجولاً غائباً لا حضور له يُذكَر. قبل بوذا ما كان الإنسان قد بلغَ النّضجَ الكافي. مع بوذا، دخلَت البشرية عهد نضجٍ حقيقيّ. صحيحٌ أنّ البشر اليوم لم تبلغ هذا النّضج بعد وما اقتربَت من محرابه الجليل حتّى، ولكنّ بوذا مَهَّد الطّريق وبَشَّرَ بوجودِ دربٍ ليس كغيره من الدروب. قد فتحَ بوذا بوّابة الأبدية التي لا أبواب لها. والبشرُ تحتاجُ وقتاً طويلاً حتى تعي وتفهمَ هكذا رسالة عميقة.

ورسالة بوذا هي  أعمق الرّسائل الدينية التي تجسَّدَت على وجه هذه الأرض. ما قامَ أحد بإحضار ما أحضره بوذا معه من الشاطىء المجهول. وما استخدمَ أحد الطريقة التي استخدمها بوذا في التّعبير عن الحقيقة الأبديّة الغامضة. ما كان أحدٌ رسولاً لأريجِ عِطْر شواطىء الأبديّة النقيّ مثلما كان بوذا.

لقد جامل كثُر من المستنيرين والأنبياء الذين أسَّسوا للعديد من الأديان. قد جاملوا عقول الحشود التي تُصغي إليهم. أما بوذا فلم يجامل أحداً لذا بقيَت رسالته شديدة الصّفاء فما لامسَت عواصف العقول العاتية  نقاءَ الوعي الروحيّ المَهيب فيها. بوذا لا يهتمّ ما الذي سوف تفهمه من كلامه. بوذا يهتمّ بالحقيقة المُطْلَقة فقط. بوذا ينطِقُ ويُسِرُّ بما يُعبِّر عن هذه الحقيقة دون أدنى اعتبار ودون أي اهتمام بما قد تفهمه أنت وما قد لا تفهمه. قد يبدو أسلوبه قاسياً من جهة. ومن جهة أخرى فإنّ أسلوبه قد تكَلَّلَ برحمةٍ عظيمة.

يجب النّطق بالحقيقة المُطْلَقة والإسرار بها كما هي. إنك وفي اللحظة التي تجاملُ فيها وتنزل بالحقيقة المُطْلَقة إلى مستوى الوعي البشري العادي… في اللحظة التي تتقَوْلَب فيها الحقيقة داخل منهج يُخاطِب الحشود على قدْر مستوى وعيهم العاديّ، فإنها تفقِدُ روحها وتصبحُ سطحيّة بل وتغدو جثّة ميْتة لا حياة فيها. لن تقْدِر على أن تقارب بين الحقيقة المُطْلَقة وبين مستوى البشر. لن تتمكّن من النّزول بها إلى مستوى عقولهم. بل على العكس: على البشر أن يرتحلوا قاصدين مستوى الحقيقة المُطْلَقة، لا أن تنزل الحقيقة إلى مستواهم هُم. هذا هو عمل بوذا العظيم.

 

عند فَجْر يوم مثل هذا اليوم وُلِدَت الآية التي سأحدّثكم عنها اليوم. مئتان وخمسون من الرّهبان كانوا حاضرين في تلك اللّحظة. هذه الآية وُلِدَت في مدينة Sravasti. كانت مدينةٌ عظيمةٌ في تلك الأيام. كلمة Sravasti تعني مدينة المَجد. قد كانت واحدةً من المدن المجيدة المَهيبة في الهند القديمة. مدينةٌ حوَت تسعمائة ألف عائلة بداخلها. أما اليوم فقد اختفت هذه المدينة تماماً. ما بقيَ سوى قرية صغيرة جداً جداً. لن تجدوا اسم المدينة حتّى على أيّ خريطة. حتّى الاسم قد اختفى. اليوم تُدعى بSahetMahet. يستحيل التصديق بأنّ هكذا مدينة عظيمة قد وُجِدَت على وجه الأرض في أحد الأيام. لكنها الحياة… كلّ شيءٍ مستمرّ في تغيُّرٍ مُستمرّ. المدنُ تنقلبُ مقابر، والمقابر تنقلب مُدُناً… هكذا هي الحياة.

هذه الآية – الآية الماسِيّة – وُلِدَت في مدينة Sravasti أيضاً. اسم هذه الآية السّنسكريتي هو آية Vajrachchedika Prajnaparamita. وهي تعني كَمَال الحكمة التي تخترق كما الصّاعقة. بوذا قادرٌ على قتْلِكَ حتّى تولَد وتُبعَث من جديد.

دوماً ما يكون بوذا كِلا القاتل والأمّ. تراه يقتُلُكَ كما أنت، كما كنت من جهة، ومن جهةٍ أخرى يُحيي جوهرك الحقيقيّ الذي فيك… يبعَثُ الكيانَ الجديد. والكيان الجديد لا يستيقظ إلّا بعد سَحْق القديم. على أنقاض وأطلال الكيان القديم، يُبعَث الجديد ويولَد. يُبعَثُ الكيان الجديد ويولَد من بين رماد الكيان القديم. الإنسان كالعنقاء. إنّ طائر العنقاء الأسطوري ليس مجرد أسطورة، بل إستعارة. إنه يرمز للإنسان. لا وجود للعنقاء سوى بداخل الإنسان. الإنسان هو الكيان الذي عليه أن يموت داخلياً حتى يولد ويُبعَث من جديد.

هذا ما قاله يسوع لنيقوديموس. قد كان نيقوديموس شخصية مرموقة مُتَعلِّمة. كان باحثاً وعضواً في المجلس الذي سيطر على معبد القدس العظيم. أتى إلى يسوع حتى يلقاه في إحدى الليالي المظلمة. لم يتمتّع بالشجاعة الكافية حتى يزوره في ضوء النهار فقد كان خائفاً ممّا قد تقوله الناس عنه. قد كان محترماً في مجتمعه. كان غاية في الإحترام. ماذا سيقولون عنه إذا ذهب إلى معلِّمٍ متشرّد؟ كيف سيذهب لشخصٍ مكروه من قِبَل جميع الحاخامات والمتعلمين؟ كيف سيذهب لشخصٍ يتنقّل برفقة السّكارى وبائعات الهوى؟ لكنّ شيئاً ما كان يهمس له من داخله راغباً وبشدّة بلقاء يسوع. لعلّه لمح يسوع وهو يمشي أو يزور المعبد. لا بدّ وأنه شعر لحظتها بشيءٍ عميق يتنفّس داخل لا وعيه، فلم يتمكّن من رَدْع نفْسه.

وفي إحدى الليالي، عندما نام الجميع بمن فيهم الطلّاب، زار يسوع وسأله عمّا يجب عليه فعله حتّى يدخل ملكوت الله. فقال له يسوع بأنه وإذا لم يمُتْ كما هو الآن، فلن يحدث شيء. بأنّ كيانه الداخليّ إذا مات كما هو الآن، عندها فقط سيكون بإمكانه أن يدخل ملكوت الله. عندها فقط سوف يولد كيانه الداخليّ الحقيقيّ.

على الأنا أن تموت لأجل ولادة جوهرك الحقيقيّ: كيانك الوجوديّ. هذا معنى Vajrachchedika Prajnaparamita. هي حكمة قاطعة كما الصاعقة. هي قادرة على تحطيمك بضربةٍ واحدة. هذه واحدة من أعظم آيات بوذا.

سأبوح ببضعة أشياءٍ من شأنها أن تساعدكم على فَهم الآية قبل الدخول بها. لقد مهّدَ بوذا دربَ المسير في حدائق روحانيّة لم يُزْرَع الكبت والعقيدة في أرضها. وهذه ظاهرة نادرة جداً لأنّ النوع السائد من الروحانيات مليء بشتّى أنواع الكبت: الكبت الشّديد. بل هو يعتمد على الكبت. هكذا روحانيات لا تُحَوِّل الإنسان، بل تجعله مشلولاً عاجزاً. هكذا روحانيات لا تُحَرِّر الإنسان، بل تستعبده وتقيّده. إنها قمعيّة لذا فهي قبيحة.

اصغوا إلى كلمات توما الكمبيسي، مؤلف كتاب محاكاة المسيح. يقول في إحدى كتاباته: “كلّما ارتكَبْتَ مزيداً من العنف في حقّ نفسك، كلّما عَظمَ نموّ نعمتك. لا طريقة أخرى للخلاص من عار الشهوات اليومية. إنّ احتقار الإنسان لنفْسه هو النّصيحة الأفضل والأكثر مثالية”. يوجد الآلاف من القديسين على مرّ العصور الذين يوافقون توما الكمبيسي. وتوما الكمبيسي كان بائساً ومريضاً نفسياً.

أو اصغوا للكاهن الفرنسي جاك بينين بوسويه يقول: “اللعنة على الأرض! اللعنة على الأرض! اللعنة على الأرض ألف مرة”. لماذا؟ لماذا يجب أن تُلعَن الأرض؟ لماذا على الحياة أن تُلعَن؟ تفكير هؤلاء البشر مُصَمَّم وكأنّ الله يقف ضدّ الحياة… وكأنّ الحياة تقفُ ضدّ الله. الحياة هي الله ولا وجود لعدائيّة بينهما. لا وجود لأي انفصال بينهما. الله والحياة ليسا بشيئين مختلفيْن. الله والحياة اسمان لحقيقةٍ واحدة.

تذكّروا هذا: بوذا ضدّ الكبت، وإذا وجدْتُم رهباناً بوذيين مكبوتين ويؤيّدون الكبت، فلتعلموا بأنهم لم يفهموا بوذا على الإطلاق. قد زَجّوا ببؤسهم وأمراضهم النفسيّة داخل تعاليم بوذا. وبوذا لا عقيدة لديه. بوذا لا يمنح الإنسان أيّ عقيدة لأنّ جميع العقائد مكانها العقل. وإذا كان العقل هو مكان العقائد ومَصْنَعها، فالعقائد عاجزة عن التحليق بكم خارج العقل وأبعد من حدوده الضيّقة. جميع العقائد عاجزة عن أن تكون جسراً يصلُكم بالأبعد من العقل. يجب التخلّي عن جميع العقائد، عندها فقط يتم التخلي عن العقل وتجاوزه.

بوذا لا يؤمن بالمُثُل العليا كذلك، لأنّ جميع المُثُل العُليا تخلقُ توتّراً وصراعاً داخل الإنسان. المثُل العُليا تسلبُكَ حقيقة مَن تكون لتغريك حتى تكون شخصاً آخر. بينك أنت وبين مثلك الأعلى، تغدو أنت في حال من التمزّق. المثُل العُليا تخلق البؤس وانفصام الشخصية. كلّما ازدادت المثُل العليا في المجتمع، كلّما أصيبَت البشر بانفصام في الشخصية. وحده الوعي اللاعقائدي قادر على حماية الإنسان من التمزّق والتشتّت ومن الحيرة بداخله. إنسانٌ حائرٌ بين وهم حضور مثاله الأعلى وبين غياب إحساسه بالرّضى عن نفسه، كيف له أن يهتديَ إلى السّعادة ويتذوّق طَعمها؟ كيف له أن ينعمَ بلحظاتِ صمتٍ وسَكينة؟ كيف سيحظى بهدوءٍ وسلامٍ داخليّين؟

إنسان العقيدة لا يتوقّف عن محاربة نفْسه وقتالها. كل لحظة تمرّ عليه يحيا في داخله صراعاً. إنه يحيا في اضطرابٍ سببه عجزه عن اتّخاذه قرار مَن يكون: هل يكون حقيقته وما يشعره ويفكر به، أم يكون المِثال الأعلى؟ لا يستطيع أن يثقَ بنفْسه، بل هو يخشى نفسه ويخافها. والإنسان الذي يخاف من نفْسه يفقدُ كلّ الثّقة. وما إن يفقد الإنسان ثقته بنفْسه حتّى يخسر مَجده. عندها يصبح جاهزاً ليكون عَبْداً ولا يهُمّ لِمَن: لأيّ رجل دين، لأيّ سياسيّ. عندها يصبح جاهزاً للوقوع في أيِّ فخّ.

لماذا تتحوّل الناس إلى أتباع؟ لماذا تقَع الناس في هذا الفخّ؟ لماذا تقع الناس في فَخّ جوزيف ستالين أو أدولف هتلر أو ماو تسي تونغ؟ لقد بلغ الإهتزاز مرحلة شديدة بداخلهم. اهتزازٌ سببه اضطراب عقائديّ أصاب جذورهم فارتعشَت. الآن يعجزون عن الوقوف بأنفسهم لأجل أنفسهم دون الإعتماد على أحد. الآن يحتاجون أحداً يتّكلون عليه. هُم لا يعرفون أنفسهم لذا يحتاجون مَن يُخبِرُهم أنهم هذا أو ذاك. يحتاجون هويّةً دينيّة سياسيّة وإجتماعية. لقد نسوا أنفسهم وهجروا طبيعتهم.

لن يخلوَ العالَم أبداً من جوزيف ستالين وأدولف هتلر وماو تسي تونغ إلى أن يرمي الإنسان جميع العقائد والإيديولوجيات والمذاهب. وتذكّروا بأنني عندما أقول عقائد وإيديولوجيات ومذاهب فأنا أعنيها جميعها، لأني لا أفرّق بين إيديولوجيات سامية نبيلة وبين إيديولوجيات عادية. جميع الإيديولوجيات والعقائد والمذاهب خطيرة. والنبيلة منها أخطر من العادية لأنها تمتلك قوّة مُغرية. إنها أكثر قدرة على الإغواء. الإيديولوجية/العقيدة/المذهب بحدّ ذاتها هي مرض لأنها تقسمك إلى اثنيْن: المِثال الأعلى المقدّس، وأنت. وأنت الذي هو طبيعتك، يبقى مُداناً لا يمتدحه أحد ولا يرحّب به أحد. أنت الآن في مشكلة. عاجلاً أم آجلاً سوف تُصاب بالعُصاب أو بأيّ مرضٍ نفسيّ.

بوذا قدّم أسلوباً لعيْش الحياة لا يعرف عن الكبت شيئاً. أسلوبٌ لا علاقة له بالعقائد والإيديولوجيات. هذا هو السبب الذي جعل بوذا لا يتحدّث عن الله أبداً. لا يتحدث عن الجنة ولا عن أيّ مستقبل. بوذا لا يمنحك شيئاً تتمسّك به. بوذا يسلبُكَ كلّ شيء. بوذا يسلبُكَ نفْسَك حتّى. ويستمر بسَلْبِك كلّ شيء وبتجريدك من كلّ شيء، إلى أن يسلبك في نهاية المطاف حتّى فكرتك عن الذات والنفْس: الأنا. لا يترك لك سوى صفاء النّقاء الخالي من أيّ محتوى. وهذا أمر شديد الصّعوبة.

بوذا يسلبُكَ مثُلَك العُليا أجمع. يسلبك المستقبل، وفي نهاية المطاف يسلبك ما تقاوم ببأسٍ شديدٍ حتّى لا تفقده: نفْسك/ذاتك، تاركاً صفاءً شديد النّقاء. صفاءٌ تحيا في محرابه البراءة. صفاءٌ ما رأتْه عيْن وما زاره إنسانٌ قبلك.  هذا الصّفاء الخالي من كلِّ مُحتوى هو ما يُسَمّى بالإستنارة. الإستنارةُ ليست بهدف: إنها صفاؤك الخالي من كلّ محتوى، حتّى منكَ أنت.

يقول Hakuin: “منذ البداية، وجميع الكيانات مستنيرة”. إستنارتك ومنذ البداية التي لا بداية لها، موجودة. أنت مَن يجمع ويختَزِن ويملأ داخله بشتّى أنواع الظّواهر والمعتقدات والفلسفات والإهتمامات والتعلّقات. نفاياتُكَ تمنعك من رؤية استنارتك.

بوذا لا يصوِّرُ الإستنارة لك مِثالاً أعلى عليْك أن تبلغه. بوذا يُحَرِّرُكَ بدلاً من أن يُكبِّلك. بوذا يعلّمك فَنّ عيْش الحياة لا لأجل هدفٍ ولا لأجل تحقيق أيّ شيء، وإنما لأجل أن تحيا في نعمةٍ مَهيبةٍ جليلة الآن وهنا. بوذا يعلّمك فنّ الوعي المَهيب.

وبوذا لا يعلّمك كذلك أيّ تعاليم تقودك للتعلّق بعوالِمٍ أخرى. يجب أن تفهموا هذا الأمر. الناس تعشق هذه الدنيا، بينما رجال الدين يتحدّثون عن الآخرة ويرغّبون النّاس فيها محاولين بثّ الكراهية في نفوسهم اتجاه الدّنيا. تلك الآخرة، ذلك العالَم الآخر عاجزٌ عن أن يكون عالماً آخراً بحَق، ولا يمكنه أن يكون لأنه تصميم مُعَدَّل إلى درجة تساوي المثالية عن هذا العالَم. من أين لكَ أن تخلقَ العالَم الآخر؟ أنت لا تعرف سوى هذا العالَم. جُلّ ما بإمكانك أن تفعله هو أن تُحَسِّن في بناء ديكور العالَم الآخر جاعلاً إيّاه أفضل وأجمل، حاذفاً أيّ قبحٍ يوجَد في هذا العالَم لتستبدله بما تظنّه جميلاً مُغرياً. لكن تبقى الآخرة ظاهرة خُلِقَت من قلب اختبار هذا العالَم. لذا لن يكون عالمك الآخر مختلفاً ولا يمكنه أن يكون. إنه استمرارية لعالَمك هذا. عالمُك الآخر بعد الموت وُلِدَ من باطن عقلك: إنه لعبة المخيّلة. لسوف تحظى بنساءٍ فاتناتٍ فيه. نساءٌ أجمل من نساء هذه الأرض بكلِّ تأكيد. وسوف تنعَم بذات الملذّات الموجودة هنا على الأرض، مع اختلاف أنها ستكون أبديّة في عالمك الآخر، لا تتبدّل ولا تتكدّر، لكنها تبقى ذات الملذّات الموجودة هنا. سوف تتذوّق طعاماً فاخراً، وتسكن قصوراً لربّما صُنِعَت من الذهب. لكنها تبقى قصوراً. أنت تعيد تجربة الحياة الدّنيا من جديد.

قُم بجولة داخل نصوصك المقدسة وانظُر لأسلوب وصف الجنة ولسوف تجد ذات عالَم الدّنيا مع بعض التّعديلات والتّحسينات. لمساتٌ من هنا وأخرى من هناك، لكنّ هذه الجنة لا تنتمي لعالَمٍ آخر، أبداً. لذا أقول دوماً بأنّ عالَم الأديان بعد الموت ليس بعالَمٍ آخر لأنه ذات هذا العالَم مع إسقاطٍ مُكَبَّر تعكسه مرآة المستقبل. ذاك عالَم مولود من قلب تجربة هذا العالَم. لن يحوي الفقر والبؤس والمرض والشّلل والعمى والصَّمَم. ما تكرهه هنا لا وجود له هناك، وما تعشقه هنا لسوف يفيض عليك هناك. لكن لا شيء جديد.

العقل عاجزٌ تماماً عن إدراك أيّ جديد. العقل يحيا في القديم: العقل هو القديم. أمّا الجديد المَجهول فلا يتحقّق عبر العقل أبداً. هذا الجديد المجهول لا يتجسّد إلا عندما يتمّ تجاوُز العقل فيخسر تحكّمه وسيطرته على الإنسان.

لكن جميع نصوصك الدينية تتحدث عن الجنة – الجنة أو الفردوس أو النّعيم – ولا شيء جديد فيها: إنها القصّة ذاتها. لعلّها تُطبَعُ على صفحاتٍ ثمينة أو تُكتَبُ بحبرٍ أفضل، أو يتمّ إخراجها في كتابٍ مزخرف ثمين فيه الكثير من الشّرح والتفسير، لكن القصة تبقى هي نفْسها، ولن تكون سوى ذات الحكاية القديمة.

بوذا لا يتحدث عن آخرة أو عوالِم أخرى. بوذا يعلّمك كيف تحيا في هذا العالَم واعياً يقِظاً ومنتبِهاً، بعقلٍ خالٍ من الأفكار حتى لا يتكدّر نقاء الصّفاء المَهيب بداخلك… حتى تعيش في هذا العالَم دون أن تنتميَ إليه أو تتعلّق به.

لا بدّ وأن تكون الروحانيات التي تروي وتحكي عن العوالِم الأخرى… لا بدّ وأن تكون قمعيّة ومدمِّرة مليئة بالسادية: بتعذيب النّفس وبتعذيب الآخرين. لا بدّ وأن تكون بائسة مريضة. روحانية بوذا تمتلك مذاقاً مختلفاً: مذاقٌ خالٍ من المُثل والمثاليات والمستقبل والعوالِم الأخرى. هي زهرة تُزهر هنا في مكانها. يفوح عطرها دون مقابل ودون وعود. كلّ شيءٍ من البداية موجود.

رسالةُ بوذا تتلخّص في أن تكون واعياً مُتجَاوِزاً للعقل تماماً. لا هدف من هذا الوعي ولا سبب. الوعي هو الهدف نفْسه. الوعي يُعرِّف الكيان. الوعي يخلِقُكَ وكأنك تدخلُ الأرض لأوّل مرّة. يخلِقُكَ الوعي فتكون مختلفاً تماماً عن “أنت” الذي كنتَه من قبل. مختلفٌ إلى درجة لن تستطيع أن تتخيّلها. يخلِقُكَ الوعي وأناك غائبة وقد اختفت واختفت معها أيّ فكرة عن النّفْس أو الذات… لا شيء يحُدُّك ولا شيء يُعَرِّفُك. صفاءٌ خالي من المحتويات وغاية في النّقاء… أبديّة لا منتهى لها… حضورٌ عَذْبٌ لا يحوي شيئاً ولا يحُدّه أيّ شيء.

هذا ما يُسَمّيه بوذا بحال “التأمل” الحقيقي الصّحيح. عندما تكون وحْدك تماماً لكنك لن تكون وحيداً. لن تكون وحيداً لأنّك في حال التأمل هذا ستغدو واحداً والوجود بكلِّ ما فيه. ستكون واحداً والحقيقة المُطْلَقة. لن تشتاق للآخرين ولن تفتقدهم. والسبب ليس نسيانك لهم أو أنك لا تحتاجهم أو لا تكترث لأمرهم. لا… السّبب هو أنك أصبحتَ واحداً معهم. جميع الفروقات والحدود التي تفصل بين الفَرد وكلّ موجود، تتلاشى وتسقط.

يقول بوذا بأنّ Sammasamadhi هو حال توحُّدك بالكلّ. التأمل الصحيح هو أن تغدو وحدك تماماً فتبلغ مستوى تتوحّد فيه بكلّ الوجود. دعني أشرح لك. إذا أصبح داخلك خالياً من جميع المحتويات كالأفكار والعواطف والذكريات والتعلّقات، إلخ… عندها تسقط حدودك التي تعرِّفُك وتحدُّك خالقةً الفَصل والمسافة بينك وبين الآخرين، فلا يعود لها وجود. الصّفاء الخالي من المحتويات لا يملكُ حدوداً. الصّفاء الخالي من المحتويات لا يحدّه شيء، ولا بدّ وأن يكون أبدياً لا متناهياً. هكذا صفاء هو الفراغ النقيّ المتوهّج بحضورٍ لا وَزن له ولا لون ولا اسم ولا شكل. عندما تبلغ هذا النّقاء، هذه الطّهارة خالياً من كلّ محتوى، كيف ستفرّق بينك وبين الآخرين؟ لا لون لك ولا عرق ولا اسم ولا شكل: لا حدود لك ولا هوية. من أين ستأتي بالفروقات؟ سوف تذوب في قلب وأصل ومصدر الوجود، ولسوف يُمزَجُ الوجود فيك. أنت واحد والكلّ. أنت قارة من الكيان الكلّي بلا بداية أو نهاية، بلا حدود.

تتلخّص رسالة بوذا وتتركّز في هذه الكلمة: sammasamadhi، أي التأمّل الصحيح. ما هو التأمل الصحيح وما هو التأمل الخاطىء؟ إذا بقيَ المتأمل موجوداً، فهو التأمل الخاطىء إذاً. أما إذا غاب المتأمل واختفى على درب التأمل تماماً وما بقي بداخله اسم أو أنا أو هوية أو محتوى، فهو التأمل الصحيح إذاً. التأمل الصحيح يُهديكَ صفاءً نقياً خالياً من المحتويات، ويُهديكَ وِحدةً تتوحّد بين أحضانها بالكلّ المُطْلَق.

الآية التي سوف نشرحها تتركز بكاملها على كيفية بلوغ حال الصّفاء الداخلي النقي الخالي من جميع المحتويات. إنها هديّة للعالَم أجمع.

أوشو المستنير الحبيب عن جوهر رسالة بوذا الإلهية

احتفال من قلب وحال بشار عبدالله



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech