أنت الآن تقرأ في قسم: أديان, شاطئ الإستنارة

أوشو: اللّا شيء هو حقيقة الدّين (سلسلة زِنْ: الوجه الحقيقي للدّين)

أوشو: اللّا شيء هو حقيقة الدّين (سلسلة زِنْ: الوجه الحقيقي للدّين)

أوشو الحبيب،

سأل الإمبراطور WU السيّد المستنير بودهيدارما: “ما هي أولى مبادىء التّعاليم المقدّسة؟”

أجابه بودهيدارما: “لا قداسة، بل مساحات صفاء خالية من كلّ محتوى”.

سأل الإمبراطور: “مَن هذا الذي يقفُ أمامي؟”

أجاب: “لا معرفة”.

لم يفهم الإمبراطور ما عناه. ثمّ أنّ بودهيدارما قام بعبور النهر قاصِداً أرض WEI.

في وقتٍ لاحقٍ تحدث الإمبراطور مع SHIKO الذي قال له: “هل تعلم مَن يكون هذا الشخص حقاً؟”

أجاب الإمبراطور: “لا معرفة”.

قال SHIKO: “هذا البوذاسف “أي الرحيم الذي يبتغي بدافع رحمته العظيمة أن يلاقي إستنارته لصالح جميع الكائنات الحية”، إنه حامل ختم قلب بوذا”.

ملأ النّدم الإمبراطور وأراد دعوة بودهيدارما من جديد، إلّا أنّ SHIKO قال: ” لا فائدة من  إرسالِ رسولٍ لإحضاره. حتى وإن أرسلْتَ الخَلقَ ليُحضِروه، فإنّه لن يعود”.

أما SETCHO فقد صاغَ الحكاية الحكيمة هكذا:

تعاليمٌ مقدّسة؟ “مساحات الصّفاء الخالية من كلّ محتوى”

ما السرّ هنا؟

من جديد: “مَن يقفُ أمامي؟”

“لا معرفة”

وكان أمراً محتوماً، فحاصرَت الأشواك والورود البريّة الأزهار الناعمة الطريّة،

وقد عبَر بودهيدارما النّهر في اللّيل سِرّاً

وعجزت جميع الناس عن إحضاره وإقناعه بالعودة من جديد

والآن، مرّت سنواتٌ عديدة

ولا يزال بودهيدارما يحتلّ عقلك، دون جدوى

توقّف عن التفكير به

نسيمٌ رقيقٌ سادَ الوجود

نظرَ السيّد المستنير وقال:

“هل الإمبراطور هنا؟ – أجل! أحضروه إليّ، ولسوف أسمح له أن يغسلَ قدميّ”.

أوشو،

تبدو هذه الآية وكأنّها تحوي لبّ وجوهر “الزّن Zen أصفى وأنقى مراتب الدّين”: “اللا معرفة”. هل هذا هو سبب تسميتك للزّن Zen بأنه الدين الحيّ الوحيد؟

قد سمِعَت الأشجارُ سؤالك قبل أن يغادر شفاهك.

 

عظيمٌ وغاية في الأهمية أن تُقيم هذه الذّكرى في قلوبكم: ذكرى أنّ الدين لا يكون حيّاً إلّا وهو بعيد عن العقيدة والمذاهب والفقه والتعاليم المنظّمة. بعيدٌ عن جميع أنظمة الإعتقاد، لا عقيدة ولا علم لاهوت. الدين حيٌّ فقط في رحابِ صمتٍ عذْبٍ بديع حيث الأشجار تتمايلُ وصديقها النّسيم العليل… رقصة الأشجار وعزف النّسيم الحنون الرّقيق تهمسُ لقلْبِكَ فيفتح أبوابه على كنزٍ دفين. هذا الكنز الدّفين الذي يلمعُ ذهبه في لحظات الحنين الهامس الرّقيق تلك، في لحظات الحنان الشّفافة الطّفوليّة تلك، هو دينك الحقيقيّ. هو دينُك الحقيقيّ الذي لم يُهرولْ إليكَ قادماً من واحدٍ من النّصوص الدينية. هو دينُكَ الحقيقيّ الذي يعجزُ أيّ كتاب أو إنسان أن يمنحك إيّاه فهو ليس بمعرفة أبداً.

إنّه الإختلافُ العظيم بين جميع الأديان وبين الزّن Zen أصفى وأنقى مراتب الدّين. جميع الأديان ميْتة عدَا الزّن. جميع الأديان أصبحت عقائداً مُتحَجّرة، وأنظمة فقهية فلسفية، تعاليم ومذاهب. هكذا احتَضَرَت على فراش موتها، وهكذا آنَسَت عُزلَتَها وأعلنت مَوتها، ونَسَت كيف تُحاكي الأشجار التي تتمايلُ على عَذْب لمَساتِ وأصواتِ النّسيم العليل. نسَت جميع هذه الأديان صَمْتاً حتّى الأشجار قادرة على أن تُصْغِيَ إليه مُرَحِّبة فاهِمة لما يبوح به من أسرارٍ رقيقة. جميع الأديان نَسَت إحساس الغِبطة الطّفوليّ الحرّ البريء… ذلك الإحساس الذي يهبُّ رياحاً عفوية طبيعية في قلب كلّ كائنٍ حيّ.

لحظةُ تحوُّلِ تجربة إختبار سرّ الحياة القدسيّ إلى شروحات وتعابير، هي لحظةٌ تختنقُ فيها التجربة وتُوَدِّعُ الهواء النقيّ فتلفظ آخرَ أنفاسها وتموت. حول العالَم أجمع، ترى النّاسَ تحملُ مذاهب وعقائد ميْتة غادرتها الحياة بدون أملٍ في الرّجوع.

وإنّي أُطْلِقُ على الزّن اسمَ الدّين الحيّ لأنه ليس بدينٍ على الإطلاق. زن هو التديّن ولا شيء سواه. التديّن غير الدّين. التديّن لا يحتاجُ عقيدةً ومذهباً وفقهاً وتشريعات. التديّن لا مُؤَسِّس له. التديّن لا يُبَشِّر به أحد. التديّن لا ماضي لديه. التديّن لا تعاليم لديه لذا لا يبتغي أن يعلِّمَك أيّ شيء. التديّن الحقيقيّ “زِن” هو أغرب ما مرّ على صفحات تاريخ البشرية، إذ يستمتع بمساحات صفاءٍ خالية من محتويات التاريخ نفسه، من الفكر والعواطف والإنفعال… إذ ينتشي ليُزهِرَ وروداً عبيرُها يُذيبُ القلوب الحسّاسة فتتناثرُ بتلاتها في جِنان الصّفاء. هو تديّنٌ تُعانقه البراءة وفي عناقه لها اكتفاء. هو تديّن لا يعرفُ شيئاً على الإطلاق. تديّنٌ لا فرق في مساحات صفائه بين دنيويٍّ وقدسيّ. تديّن يرى الكلّ مقدّساً.

الحياة مقدّسة في أيّ شكلٍ ظهرت وفي أيّ جسدٍ تجسَّدَت.

متى ما تنفّسَ شيء ودبَّت الحياة في أوصاله وجرى الهواء في عروقه ومساراته، فهو مقدّس.

وإننا اليوم سنبدأ رحلةً نشرحُ فيها بضعة أحداث وقعت في تاريخ الزّن الطّويل. أحداثٌ فريدة بديعة.

فإن فَهِمْتُم ما سيَرِدُ ذِكْره من أحداث، ستكون تلك الأحداث قادرة على فتحِ أبواب قلوبكم وعلى أن تقرَع على نوافذ بصائركم.

ما سأخبركم به هو قطرات ندى حوَت بداخلها المحيط كاملاً. فَهمُكم لقطرة النّدى يُساوي فهمَكم للمحيط نفْسه.

رجاءً… أدخلوا معبدَ الصّمت الدّاخليّ وأشعلوا قناديل الوعي واليقظة الآن.

قصدَ السيّد المستنير بودهيدارما الصّين منذ 1400 عام. وكان رجلاً فريداً من نوعه: كلماته وأفعاله وتصرفاته: جميعها حوَت جوهر الدّين النّقي. لم يكن مُعَلِّماً ولا مُبَشِّراً. كان رجلاً مُستعدّاً دوماً حتى يشاركك نقاء وصفاء كيانه بما يحويه من أنوار اللّا- شيء، أنوار الحقيقة المُطْلَقة الكاملة دون تحفّظات. والأمر متوقّفٌ عليك: هل أنت مستعدّ حتّى تتلقّى ما سوف يمنحك إياه أم أنك غير جاهز بعد.

أرسلَ إمبراطور الصّين Wu في طلبِ بودهيدارما، وكان من الطبيعيّ أن يسأله: ” ما هي أولى مبادىء التعاليم المقدّسة؟” كلامه هذا مُصاغٌ جرّاء ما سمعه من دروس ومواعظ وشروحات من قِبَل الرّهبان البوذيين. أمّا بودهيدارما فما كان راهباً بوذيّاً، بل ما كان له علاقة بالبوذيّة لا من قريب ولا من بعيد. بودهيدارما هو نفْسه كما هي. إنه لا ينتمي إلى أحد. لم يكن بوذيّاً لأنه كان سيّداً مستنيراً تجاوز كلّ هوية مزيّفة، وما قال يوماً أنه بوذيّ إذ مُحال أن ينطِقَ بهكذا مقولة غبيّة، لأنّ المستنير لا هويّة له ولا انتماء.

 

هذا سيّدٌ مستنيرٌ كان كالأسدِ في تصرّفاته وكانت كلماته تغادر فمه كأنها زئيرٌ يغادر فمَ أسد. هذا رجلٌ لا يهتمّ بالكلمات ولا باللغات ولا بالإمبراطور نفسه. ما حاز إهتمامه إلّا الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة المُطْلَقة. الحقيقة التي يجب أن تبقى بعيدة عن أيّ تلوّثٍ يلحَقُ بها بسبب الشّرح والتّفسير. الحقيقة التي يجب أن تبقى في غاية النّقاء والصفاء.

أجاب بودهيدارما: “لا قداسة، بل مساحات صفاء خالية من كلّ محتوى”.

إجابة غاية في الإختصار. قد سأله الإمبراطور Wu عن المبدأ الأول في التعاليم المقدسة فأجابه بأنّ مساحات الصفاء هي المبدأ الأول، لكن لا تدعوها بالقداسة. لا شيء مقدس. لا قداسة. عندما يكون كلّ موجود في الوجود مقدّساً، فما الدّاعي من نعتِ شيءٍ معيّن بأنه مقدّس؟ لا تغدو التصنيفات ممكنة إلّا في حضور الغير مقدّس إلى الوجود.

في قلبِ الصّفاء الذي تتوهّجُ به تجربة السيّد المستنير لا وجود سوى لمساحات الصّفاء الخالية من كلّ محتوى… مساحاتٌ غاية في النّقاء. مساحاتٌ ترفرفُ في نقائها أطياف المحبّة التي لا شكل لها، ويُزَيِّنُ الجمالُ الذي لا يُرى بالعيْن باحات الفناء فيها.

صعبٌ جداً نعتها بالمقدّسة إذ تمّ تخريب هذه الكلمة الجميلة بواسطة الأديان، وذلك عندما خلقت كياناً أسطورياً وهو: الإثم / الدّناسة. سعيُها كان مصبوباً من أجل تبجيل فردٍ وإلباسِهِ أسمى أثواب القداسة، فحوّلت على دروب سعيها باقي البشرِ إلى آثمين.

أما الحقيقة الوجودية فتبوح بما يلي: لا وجود لقديسين ولا وجود لآثمين. لا وجود سوى لبَشَرٍ تغطُّ في نومها وما استيْقَظَت بَعد، وبشر استيقظَت من نومها ولاقت عيونها ضياء الفجر وسحره. وإنّ الفرقَ بينهما جداً صغير لا يتطلّبُ أكثر من ماءٍ باردٍ يُرمى فوق الوجوه حتّى يستيقظ النّيام من غفوتهم فلا يجد الإختلاف لنفْسه مكان.

“لا قداسة، بل مساحات صفاء خالية من كلّ محتوى”.

والإمبراطور Wu كان واحداً من أعظم أباطرة الصين. كان رجلاً مثقّفاً مُتحضِّراً. كان جواب بودهيدارما بمثابة صفعةٍ على وجهه. لم يتوقّع يوماً أن يُسيء أحدهم التصرّف في حضرته أبداً. وهذا المستنير لم يُلقِ عليه التحيّة المتعارف عليها فما قال له جلالتك ولا سموّك ولا قداستك. هو حتى ما وجّه له الكلام.

اتّقَدت نيران الغضب بداخل الإمبراطور، وهذا طبيعيّ فقد انتظر اللقاء لثلاث سنوات. ورغم شعور الإمبراطور بالإهانة إلا أنه حافظ على هدوئه وكان التحضّر سيّد تصرّفه، وسأله من جديد: ” مَن هذا الذي يقفُ أمامي إذاً؟ إذا كان المبدأ الأول للوجود هو الصّفاء ولا وجود لشيءٍ مقدّس، فمَن أنت إذاً؟”، “مَن هذا الذي يقف أمامي؟”

عظيمٌ هو بودهيدارما. وإنّي لا أرى أحداً بإمكانه أن يُجيبَ كما أجاب في هذا السّياق. إجاباتٌ مصدرها عمق تجربته وأبعادها الصّادقة. لم يهتمّ لشعور الإمبراطور بالإهانة، بل أهانه أكثر. لكنّ ما يقوله لا يُفترض أن يكون إهانةً لأنه يبوح بحقيقةٍ عظيمةٍ مَهيبة ولا دخل له إن كان تُهين السّامع.

ولكن الحقيقة دائماً ما تهين السّامعين.

لذا تسعى البشر إلى صلب الحقيقة دوماً.

أجابه: لا معرفة.

هو حتّى لم يستخدم كلمة أنا، فلم يقل “أنا لا أعرف”. جمالُه لا متناهي إذ لا يهمّه ما إذا فهِمَ الحاضرون كلامه أم لم يفهموا. وفاؤه للحقيقة لا حدود له. ولاؤه للحقيقة وليس للإمبراطور.

أودُّ عند هذه النقطة القول بأنّنا نحتاج الكثير من بودهيدارما في العالم. نحتاج أشخاصاً تحيا وحدةً داخلية ولا تساوم أو تجامل بتاتاً، ولا تخشى أحداً ومخلصة وفيّة للحقيقة ولا شيء غير الحقيقة. حقيقته صادقة شفافة لدرجة أنه لا يعرف من الذي يقف أمام الإمبراطور. لقد باحَ بما قاله سقراط في أيامه الأخيرة: “أنا لا أعرف شيئاً”. ومع هذا فقد استخدم سقراط كلمة “أنا”، لذا فهو ليس من نوع بودهيدارما.

الأنا البريئة التي لا تعرف تتساقط وتتناثر فناءً منثوراً لدى بودهيدارما. كلّ شيء يكوّن شخصيّة فكرية عقائدية أو عاطفية أو يمنح هويّة يتساقط  ويهوي تماماً عند حال ومقام بودهيدارما. لقد باح للإمبراطور بأنّ الواقف أمامك هو اللّا – عارف… هي البراءة بجلال صفائها ونقائها.

لم يفهم الإمبراطور ما عناه.

لن يفهم أحدٌ من عناه. ثمّ أنّ بودهيدارما عندما وجد أنّ المعنى لم يسكن قلب الإمبراطور، قام بعبور النهر قاصِداً أرض WEI. وهي أرضٌ خارجة عن حكم الإمبراطور.

في وقتٍ لاحقٍ تحدث الإمبراطور مع SHIKO (سيّدٌ مستنير آخر)، الذي قال له: “هل تعلم مَن يكون هذا الشخص حقاً؟”

أجاب الإمبراطور: “لا معرفة”.

قال SHIKO: “هذا البوذاسف “أي الرحيم الذي يبتغي بدافع رحمته العظيمة أن يلاقي إستنارته لصالح جميع الكائنات الحية”، إنه حامل ختم قلب بوذا”.

ملأ النّدم الإمبراطور وأراد دعوة بودهيدارما من جديد، إلّا أنّ SHIKO قال: ” لا فائدة من إرسالِ رسولٍ لإحضاره. حتى وإن أرسلْتَ الخَلقَ ليُحضِروه، فإنّه لن يعود”.

إنسانٌ مثل بودهيدارما لا يُدير ظهره إلى الخلف ولا يعود إلى ما مضى وفات حتّى وإن كان ما مضى قد مضى منذ بضعة ساعات أو حتى دقائق معدودات. أضعْتَ فرصتك… إذاً ما باليد حيلة.

بعدها قام مُعَلِّمُ زِن (ليس بسيِّدٍ مستنير)، بصياغة الحكاية بالطريقة الآتية:

تعاليمٌ مقدّسة؟ “مساحات الصّفاء الخالية من كلّ محتوى”

ما السرّ هنا؟

من جديد: “مَن يقفُ أمامي؟”

“لا معرفة”

وكان أمراً محتوماً، فحاصرَت الأشواك والورود البريّة الأزهار الناعمة الطريّة،

وقد عبَر بودهيدارما النّهر في اللّيل سِرّاً

وعجزت جميع الناس عن إحضاره وإقناعه بالعودة من جديد

والآن، مرّت سنواتٌ عديدة

ولا يزال بودهيدارما يحتلّ عقلك، دون جدوى

توقّف عن التفكير به

نسيمٌ رقيقٌ سادَ الوجود

نظرَ السيّد المستنير وقال:

“هل الإمبراطور هنا؟ – أجل! أحضروه إليّ، ولسوف أسمح له أن يغسلَ قدميّ”.

الآن يحاول هذا المعلّم الإدّعاء بأنه يفهم جوهر الزّن. كما ويصوغ جملة غريبة: ” أحضروه إليّ، ولسوف أسمح له أن يغسلَ قدميّ”.

هذا قبح. إنّ المُدَوِّنين الذين يتّبعون أساليب منهجية تحليلية فكرية لا يجب أن يقتربوا من مساحات الحقيقة المُطْلَقة. عالَمُهم يتألّف من معلومات مُستعارة وصغيرة يقومون بنقْلها. لا يجب أن يتحدّثوا وكأنهم أسود، لأنهم ليسوا كذلك.

يبوح بودهيدارما من خلال ما قاله للإمبراطور بأنّ كل ما هو موجود في الوجود إنّما هو مساحات صفاء ونقاء: لا شيء موجود على الإطلاق، وما لم تخترق هذا النّقاء الخالي من كلّ محتوى وتسترخي في محرابه فإنك لن تعي ولن تفهم شيئاً عن الحياة وخوافيها. ولا شيء في الحياة مقدّس، لذا لا تضيّعوا أوقاتكم محاولين أن تصبحوا قديسين، أو أن تقوموا بتدريب أنفسكم لتناسبوا أفكاراً مثالية معينة، أو أن تقوموا بهذا التطبيق أو ذاك.

أدخلوا فقط فيكم أنتم

أبعد من أفكاركم وبرمجاتكم ومعتقداتكم وعواطفكم … هناك في محراب القلب الصّامت حيث لا شيء ينقصكم

القديس يدّعي ليس أكثر لأنّ الحقيقة موجودة أصلاً ولا تحتاجُ تدريباً أو طقساً أو قداسة

ما تحتاجه الحقيقة هو الصّحوة ولا شيء أكثر

استيقظ فقط وابحث عن الذي يسكن فيك أبعد من جميع المحتويات التي تظهر وكأنها تحيا فيك

هذا لا يعني أنك ستبلغ مقاماً تمتلك على قمم جباله معرفةً عظيمة، ولا يعني أنك سوف تبلغ حالاً تعرف بين أحضانه مَن أنت حقاً. هذا يعني أنك سوف تعي أن لا وجود سوى لبراءةٍ نقيّةٍ عَذبة. هذا هو جوهرك الحقيقيّ، ولا شيء مقدّس داخل هذا الجوهر.

زهرةٌ جمالها أخّاذ وسط الحقول. هل من وجود لأزهارٍ قدّيسة وأزهار آثمة؟ التصنيفات والأحكام لا وجود لها في الوجود عدا في عالم الإنسان حيث سيطر رجال الدين وأفسدوا البشرية جمعاء.

وأنت عندما تدخل محرابك الصّامت الخالي من محتويات الفكر والعواطف والمعلومات وكلّ الأشياء، عليك أن تترك فكرة ال”أنا” في الخارج: خارج محراب الصّمت، وإلّا لن تتمكن من دخول نفْسك أبداً.

أنت يعني أناك. “أنا” هي أناك. إنها العائق والحاجز وليست الجسر.

لهذا السبب وبدلاً من أن يجيب بودهيدارما ب”إنني لا أعرف” أو حتى “لا أعرف” والتي ستكون صياغة لغوية أفضل من صياغة إجابته، أجاب ب”لا معرفة”. إنّ رجلاً مثل بودهيدارما لا يهتم بقواعد اللغة. وهل تظنّونني أهتمّ لقواعد اللغة؟

يقول بودهيدارما “لا معرفة”، وفي هذه الإجابة قال كلّ ما يمكن قوله.

تذكّرتُ الآن قصّة…

كان بوذا مارّاً في غابةٍ. الفصل هو فصل الخريف وأوراق الأشجار اليابسة تتساقط مُصدِرَةً أصواتاً مُزعجة وهي تتراقص وسط الريح وتتناثر في كلّ مكان. سأله “أناندا”: “من عادتي أن لا أتدخل لأنني دوماً ما أجدُ أحدهم يطرح عليكَ سؤالاً، لكني اليوم وحدي معك. وهذه فرصةٌ عظيمة. أريد سؤالك عن شيءٍ واحد كنت أقاوم السّؤال عنه ولكنّي الآن لا أستطيع المقاومة. أريد أن أسألك هل أخبرتَنا بكلِّ ما تعرفه، أم أنك أخبرتَنا من معرفتك القليل؟”

إنحنى بوذا والتقطَ بضعة أوراق يابسة في يديه وقال: “أناندا، هل ترى هذه الأوراق اليابسة في يدي؟ قد أخبرتكم هذا القدْر مما أعرفه. الآن أنظر إلى الأوراق اليابسة المتناثرة في جميع أنحاء الغابة: لم أخبركم قدْر هذه الأوراق ممّا أعرفه. لستم بقادرين على فهم هذا القدر اليسير الذي أحمله في يدي حتى. سيضيع وقتٌ عظيم في الحديث عن جميع الأوراق في هذه الغابة. معرفتي لا متناهية، ولكنني منَحْتُكم منها رشفة لتتذوّقوها”.

لكن وإن طُرِح هذا السّؤال على بودهيدارما لأجاب بطريقةٍ تناقضُ جواب بوذا تماماً. لأجاب: “قد قلْتُ كلّ ما بالإمكان قوْله ولم يبقَ شيء”. وهذا سبب صعوبة فهمه. كلماته تحمَلُ بمعانٍ كثيفة عميقة لدرجة أنّ كلمتيْن مثل “لا معرفة” قادرتان على أن تحوِيا آلاف النّصوص الدينية، ومع هذا لن يفهم أحد.

سبب تفرّد بودهيدارما وتميّزه هو عدم اكتراثه لأيّ شيءٍ آخر. إنه لا يضع أحداً في الإعتبار فلا يُلوّن الكلام ولا يزيّنه ولا يخاطب السّامع على قدْر عقله وفَهمه. رجلٌ واحدٌ سوف يوافقه الرأي وهو جورج غوردجيف. وحده جورج غوردجيف في تاريخ الأسياد المستنيرة العظيمة، كان يعلّم مُريدي الحقّ: لا تكترثوا. لا تُساوموا ولا تجاملوا. دعوا الحقيقة تكون كما هي. لا تحاولوا تحسينها وتلطيفها. لا تحاولوا تلوينها وتزيينها وجعلها تُراعي السّامعين. لا تحاولوا جعلها مفهومة بإعطائها ألوان وتعابير لا تمتّ لها بِصِلة.

مَن يختبر ويكتشف هذه الحقيقة بداخله تغدو عيناه سماءً صافية لا محتوى فيها. يداه تصبحان كقبضتين تُمسكان الفراغ الصافي النقي في دلالةٍ على عدم وجود أحد في الداخل، على وجود لا أحد في الداخل، على وجود الصّفاء النقي الخالي من المحتوى.

لكنّ هذا الصّفاء النقيّ الخالي من المحتوى، حيّ يملك قلباً ينبض. صفاءٌ يُزهِرُ في قلبِ آلاف الأزهار وفي قلب قوس قزح. صفاءٌ يرقص في الطواويس، ويغنّي في العصافير. صفاءٌ يزئرُ في المحيطات. صفاءٌ صامتٌ في كيان المتأمل.

هذا الصّفاء، هذا الفراغ، هذا اللا – شيء لا يعني ما تفهمونه أنتم عن الفراغ وعن اللا- شيء. لنقسِم الكلمة نصفين: لا – شيء. أنتم كيانات حية ولستم بأشياء. هكذا يغدو المعنى أقرب.

كلمة الفراغ واللا – شيء في قاموس الأسياد المستنيرة لا تعني ما تحمله العقول من معانٍ سلبية اتجاهها.

فراغ وصفاء ولا شيء بودهيدارما، جميعها مليئة بزَخَم الحضور. وإنكاره للمعرفة هو تأكيد للبراءة. أمرٌ عجيبٌ مدهش هو أنه كشفَ بكملتين صغيرتين لبّ قلب التديّن.

أوشو المستنير الحبيب عن الّزن Zen: أنقى وأصفى مراتب الدين، بل التديّن

احتفال من قلب وحال بشار عبدالله



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech