أنت الآن تقرأ في قسم: إنسان, جسد / فكر

أوشو: الحقيقة المُطْلَقة تُهين البشر (تجربته في اليونان مع السّلطات الدينية والسّياسية)

أوشو: الحقيقة المُطْلَقة تُهين البشر (تجربته في اليونان مع السّلطات الدينية والسّياسية)

أوشو المستنير الحبيب في رَدٍّ على أحد الأسئلة، حيث توجّه السّائل بسؤالٍ عن سبب ردّة فعل العالَم العنيفة اتّجاه أوشو. كما ولَمَّحَ السّائل إلى ميْلٍ داخل نفْسِه لأن يفقد الأمل في نشر الحقيقة.

إنّ الطّريقة التي تصرّف بها العالَمُ معي هي طريقة طبيعيّة للغاية، ولا يجب أن تشعر بالإهانة إزاء ردّة فعل العالَم. لو أظهر العالمُ لي احتراماً وتفهُّماً ومحبّةً، لشكَّلَ الأمرُ صدمةً كبيرة. لطالما كانت ردّة فعلهم اتجاه ما أقوم به، متوقَّعة تماماً.

لا شيء خاطىء فيك، بل الخطأ متجذِّر في أساس وبُنية هذا المجتمع الذي ابتعدَ كثيراً عن هويّته الحقيقية وعَمّا يجب أن تكون عليه حياته. في الحقيقة لقد بدأ المجتمع بالإبتعاد عن حقيقته منذ ملايين السنين، ولا يزال يبتعد أكثر وأكثر حتى أصبحت المسافة التي بين الإنسان الحقيقي والإنسان الموجود حالياً على وجه الأرض، شاسعة واسعة يستحيل وَصْلها. البشرُ ابتعدت عن حقيقة مَن تكون بُعداً رهيباً، ونسَت سبيل العودة إلى بيتها.

البشرُ نسَت سبب وجودها على هذه الأرض. السبب الذي لأجله وُجِدَت على هذه الأرض.

توجدُ حكاية حكيمة قديمة عن ملكٍ حكيم أراد من إبنه – إبنه الوحيد الذي سوف يخلِفُه ويتولّى الحكم من بعده – أن يكون رجلاً حكيماً قبل أن يخلِفَه ويصبحَ ملكاً على مملكةٍ شاسعة. إختار الرّجل الطّاعن في السنّ طريقةً غاية في الغرابة: أبعدَ إبنه عن المملكة وأخبره بأنه قد تمّ نَفْيه وأنّ عليه أن ينسى تماماً أنه أمير، أو أنه خليفته.

سُلِبَ الإبنُ جميع الثياب والحُلي الجميلة. سُلِبَ منه كلّ شيء وأعطِيَ ثياب متسوِّل ثمّ أرسِلَ في عربة عند منتصف الليل ألقَت به خارج المملكة. وأصدرَ الملكُ أوامر صارمة تقضي بمنعِهِ من العودة إلى المملكة.

مرّت السّنون وقد أصبح الأمير متسوِّلاً حقاً. نسيَ أنه كان أميراً في يومٍ من الأيام. بدأ يتسوّل الثياب والطعام والمأوى وكان الرّضى حاله. وبعد سنواتٍ عديدة، وفي أحد الأيام حيث كان جالساً على باب خانٍ يتسوّل ثمن حذاء يقيه حرّ الأرض الحارقة في الصّيف وقد تشقَّقت قدماه، توقّفت عربة ذهبية أمام الخان، ونزل منها رجل. قال الرجل: “والدُكَ يطلبُ منك أن تعود إليه. لقد كبُرَ في السنّ وهو الآن يحتضر ويريدك أن تكون خليفته”.

في أقلِّ من لحظة اختفى المتسوّل وتغيَّر حالُ الإبن: وجهه وعيناه… كلّ شيء فيه تغيّر. إجتمع حوله حشدُ الناس الذين كان يتسوّل المال منهم، وبدأوا بالتودُّدِ والتقرُّبِ إليه. لكنه لم يُعِرْهُم أيّ انتباه. دخلَ العربة وجلس ثمّ قال للرجل التي أتى لإحضاره معه: “خذْني أولاً إلى مكانٍ أتمكّن فيه من الإستحمام. مكانٌ أجدُ فيه ثياباً تليقُ بي، لأنني لن أستطيع مقابلة الملك إلا إذا بدوْتُ كأمير”.

عاد إلى البيت كأمير وقال لوالده: “أريد أن أسألك سؤالاً واحداً: لِمَ تحتَّم عليّ أن أكون متسوّلاً كلّ هذه السّنوات؟ لقد نسيت أنني أمير بحَقّ. ولو أنك لم تطلب عودتي من جديد لَمِتُّ متسوّلاً لا يملك أيّ ذكرى عن ماضيه كأمير”.

أجابه والده: “هذا ما فعله والدي بي. لم أفعل ما فعَلت حتّى أؤذيك، بل لأمنحكَ فرصة اختبار الحياة بتناقضاتها المتطرفة: المتسوّل والملك. البشر أجمعين تحيا بين المتسوّل والملك. لقد أخبرتُك في ذلك اليوم بأن تنسى أنك أمير، واليوم أريدك أن تتذكّر أنّ المتسوّل والأمير هويّتان يتمَ منحهما لكَ عن طريق الناس لا أكثر ولا أقلّ. الهويّتان ليستا بحقيقتك. أنت لسْتَ المتسوّل ولست الملك. وفي اللحظة التي تعي فيها هذا الأمر، تتجاوز نظرة العالَم لك وفكرتهم عنك، وتتجاوز ما يبدو عليك من مظاهر في الظّاهر. لحظتها تفهم أنك شيء مُختبِىء عميقاً جداً بداخلك لا يستطيع أن يراه غيرك. في تلك اللحظة ستغدو حكيماً. تتنزّلُ الحكمة عليك عندما تستقرّ هذه المعرفة بداخلك.”

وتابع الوالد: “لقد غضِبْتُ من والدي وأعلم أنك غاضبٌ مني. لكن سامحني، إذ كان لا بدّ لي من دفعِكَ في هذا الإتّجاه حتى أوضح لك أمراً: لا تحدِّد هويّتك بالمَلِك ولا بالمتسوّل إذ تتغيّر الهويّات وتَهوي في جزء من اللحظة. أما أنت فلا تتغيّر. أنت أبديّ سرمديّ لا تتغيّر أبداً”.

قد ابتعدت البشر عن حقيقتها بُعداً شديداً. تذكيرك البشر بحقيقتها هو بمثابة جَرح لأناها. والطريقة التي يتعامل الناس بها معي هي تعبير عن قلوبهم المجروحة. لا أحد يريدُ رؤية هذه الجروح. لا أحد يريد أن يتمَّ تذكيره بأيِّ شيءٍ حاول جاهداً نسيانه. أحدُهُم إكتسبَ مكانةً محترمة في المجتمع ووجد لنفْسِهِ هويّةً إجتماعيةً صلبة، ثمّ يأتي رجلٌ مثلي ليُحَطِّم هذه المكانة ويُمزّق الهوية تماماً.

طبيعيٌّ أن يغضبوا مني. طبيعيٌّ أن يحاولوا رَجمي. طبيعيٌّ أن يفعلوا بي كلَّ شيءٍ فعلوه مع أمثالي على مرّ العصور. كلّ هذا لا يعني أن تفقدَ أنتَ الأمل وتسلّم نفْسك للتشاؤم وتتوقّف عن الحديث عنّي. أنت لا تساعدهم بهذه الطريقة، ولا تساعد نفسك أيضاً.

لا تكترثُ لتصرّفاتهم أبداً. جميعهم يغطّون في نومٍ عميق. ونحن ندخلُ تجربةً عظيمة تؤدّي ليقظةٍ مَهيبة تكشفُ لهم كسَلَهم واستسلامهم للنّوم، فنُقلِقُ منامَهم. طبيعيٌّ أن يقوموا بردّة فعل. لكن إلى متى سوف يستمرون بردّة فعلهم؟ هذا سؤال يُرَسِّخُ لتَحَدٍّ عظيم.

أن تخسرَ الأمل يعني أنك خسِرْتَ اللعبة.

وأنا لن أخسر اللعبة.

سوف أستمرُّ بفعْلِ ما أقومُ بفعْله إلى أنْ ألفِظَ أنفاسي الأخيرة، مهما كانت ردود أفعالهم. وحده إغواء ردود أفعالهم المختبئة عميقاً داخل لاوعيهم، حتّى تطفو على سطح عقولهم الواعية، يُبشِّرُ باحتمال حدوث أيّ تغيير لهم. سوف يستغرقُ الأمرُ وقتاً فقد مرّت عليهم ملايين السنين وهم يرتحلون في كلّ سنة بعيداً عن أنفسهم حتى باتت المسافة رهيبة. تحلَّ بالصّبر والرّحمة معهم.

سوف يعودون إلى ديارهم الحقيقية يوماً. هُم يبتغون العودة إلى الدّار الحقيقية، لكن طريق العودة يُعادي ويُعاكس أنواتهم. وأنواتهم تشعرُ بالذلّ والهوان إذا سلّمت لحقيقة أنهم ليسوا في ديارهم وأنهم لا يعرفون شيئاً عن الحقيقة الإلهية المُطْلَقة بَعد. أنواتهم تشعرُ بالإنكسار إذا اكتشفوا أنهم مزيّفون منافقون.

ولكنّ ردود أفعالهم، سواء قذفي بالحجارة أو بالسكاكين، أو وضعي في السّجن أو صَلبي، هي مَن ستقوم بتغييرهم. هذه الطريقة الوحيدة التي سوف تدعوهم للتفكير بما يفعلونه وما سبب شعورهم بالإهانة. إنّ الإنسان لا يشعر بالإهانة إلّا عندما تُعَرّى حقيقة أمر ما يخصّه وهو لا يريد مواجهة هذه الحقيقة في نفسه. الأكاذيب لا تهين الإنسان أبداً.

الحقيقة المُطْلَقة هي أعظم إهانة على الإطلاق.

القلق والإضطراب الذي أسببه لهم، وخوفهم من أني سوف أقضي على أخلاقهم وأقوم بإفساد الأجيال، وادّعاؤهم أنني أقوم بتدمير وتشويه أديانهم وسَحق عاداتهم وتقاليدهم… جميعها تُظهرُ أمراً واحداً: أنهم لا يملكون ديناً، لا يملكون أخلاقاً، ولا يملكون عادات وتقاليد. هُم يحاولون تصديق محاولة امتلاكهم جميع هذه الأمور، لكنه مجرد إعتقاد يسهُل تدميره، وإلّا فما الداعي لأن يحدث ما حدث في اليونان؟

لقد كنتُ سائحاً هناك لأربعة أسابيع وفي مدينة عمرها آلاف الأعوام. الكنيسة الإغريقية الأرثوذكسية هي الكنيسة الأقدم في العالم، حتى الفاتيكان ليس بهذا القِدَم. لقد تمّت ترجمة أقوال يسوع إلى الإغريقية أولاً: Greek ولهذا سُمّي بChrist وسُمّي أتباعه بChristians. هذه كلمات إغريقية.

هذه البلد التي تروِّجُ للمسيحية دوماً ومنذ ألفيّ عام، وتُقَوْلِب كلّ طفل منذ الصّغر، تخشى سائحاً لن يُقيم فيها سوى أربعة أسابيع. لقد إنزعجَ رئيس الأساقفة بشدّة لدرجة أنه هدَّد بحرق منزلي، وبأنني سوف أرجَم إنْ لم يتمّ إخراجي من البلد فوراً بحُجّة أنّ وجودي سوف يدمّر أخلاقيات المجتمع والدّين في البلد بأكملها. بحجّة أنّ وجودي سوف يدمّر العائلة والكنيسة والعادات والتقاليد: سوف يحدث كلّ هذا في أربعة أسابيع فقط!

لكنّي وإنْ نجَحْتُ في تدمير كلّ هذا في أربعة أسابيع، فلا بدّ وأن ما أقوم بتدميره يستحقّ التدمير. هذا أمر يعني وببساطة شديدة أنّ ما دُمِّرَ لم يكن سوى خُدعة، وأنّ الناس ما باتوا وحدةً واحدة مع ما تمّ تعليمهم إياه فكانوا ينافقون. وحدها الإدّعاءات قابلة للتدمير في أربعة أسابيع، أما الحقائق فلا يمكن تدميرها. ولكنّ رئيس أساقفة أقدم كنيسة في تاريخ المسيحية كان خائفاً للغاية، ورغم هذا يستمرّ بسَرد الأكاذيب.

وهذا ما لا أتوقّف عن إخبار الجميع به مراراً وتكراراً: أنّ جميع أديانكم مَبنيّة على أكاذيب، وهذا سبب خوف رجال الدين. كان رئيس الأساقفة يرسل برقيات لرئيس البلد، لرئيس الوزراء وغيره من الوزراء ليقول بأنني أرسِلْتُ من الجحيم خصِّيصاً لتدمير الكنيسة المسيحية الأرثوذكسية في اليونان. هل تصدّق بأنّ كلاماً مثل هذا الكلام يصدرُ عن رجلٍ عاقل؟ وهو يشغلُ المنصب الأعلى، لذا فحتّى الرئيس يخشاه، ورئيس الوزراء يخشاه، وجميعهم يرون أنه لا بدّ لهم وارتكاب عمل إجرامي لأنني قادر على تحريك الحشود ضدّهم.

ولكني استمتعتُ بالمسرحية كاملة لسببٍ بسيط وهو أنّ للحقيقة المُطْلَقة قوّة وبُنيان متين تقوم عليه من تلقاء نفسها. للحقيقة المُطلقة سُلطة لا تملكها الأكاذيب. لعلّك تُشَفِّر وتُقَوْلِب عقول الناس على هذه الأكاذيب لقرون، لكن مجرّد شعاع من نور، مجرد حقيقة بسيطة قادرة على تدمير صَرح الأكاذيب كاملاً.

لذا ما من داعٍ حتى تفقد الأمل. تحدّث مع الناس عن ما تختبره من حقيقة داخلية، فإن شعروا بالإهانة، إحتفل وامرَح. هذا يعني أنّ ما قلْتَهُ قد خلقَ اضطراباً داخل عقولهم المُبَرمجة، وأنهم يحاولون حماية عقلهم المبرمَج. لن تستطيع خلق اضطراب داخل إنسان حُرّ من جميع أنواع البرمجات. بإمكانك أن تقولَ أيّ شيءٍ عنه لكنك عاجز عن خلق اضطرابٍ بداخله.

الحقيقة بطبيعتها لا تعرف الكلَل. الحقيقة بطبيعتها عَصِيّة على الهزيمة. قد تأخذُ وقتاً حتى تنتشر. لا حاجة لنرى ثورة الحقيقة تنهض أمام أعيننا. يكفي أننا جزءٌ من حركةٍ غيّرت العالم، ويكفيك أنك لعبْتَ دورك في خدمة الحقيقة، وأنك سوف تكون جزءً من انتصار سوف يتحقّق في نهاية المطاف.

أوشو المستنير الحبيب

احتفال من قلب وحال بشارعبدالله



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech