أنت الآن تقرأ في قسم: أديان, شاطئ الإستنارة

أوشو: لقاء الشّمس والقمر -1-

أوشو: لقاء الشّمس والقمر -1-

الإنسانُ نهرُ تطوُّرٍ يَنْهُر. نهرُ التطوُّر الجاري هذا لا يكتفي بأنْ يَنْهُر فيتطوّر، بل ترافقُهُ نسائِمٌ تُرشدُ التطوُّر نفْسه إلى العنوان… الإنسانُ هو الأداة التي يحدثُ التطوُّر من خلالها وبها. مسؤوليّةٌ عظيمةٌ هي. مسؤوليّةٌ تحملُ بين يديْها غبطَةً مَهولة فتُهديها للإنسان لأنّ هذا مَجده. لأنّ هذا فَخره. هي رحلةُ التطوّر الكونيّة تسيرُ فتتحوّلُ عبر الإنسان من المادّة إلى الله. المادّة هي البداية، والله هو النهاية. المادّة هي نقطة الألفا، والله نقطة الأوميغا. والإنسانُ هو الجسر بينهما. تعبُرُ المادّة عِبْرَ الإنسان وتتحوّلُ لتصبحَ الله. الله ليس شَخصاً، وليس أحداً ينتظرُ في مكانٍ ما. الله يتطوّر من خلالك… الله حدوثٌ يحدثُ من خلالك. أنتَ تُحَوِّلُ المادة لتصبحَ الله. أنت أعظم إختبار أهدَتْهُ الحقيقة الوجوديّة المُطْلَقة لنفْسِها. تفكَّر بهذا المَجد، وفَكِّر بالمسؤوليّة أيضاً.

الكثير يعتمدُ ويتوقَّفُ على الإنسان. لكنّك وإنْ اعتقدْتَ بأنّك أصبحتَ إنساناً أو بأنّك من البدايةِ إنسان بسبب حصولِكَ على شكلِ إنسان، فقد ضَلَلْتَ وأبعَدَكَ عقلُكَ عن الحقيقة. أنتَ لا تمْلِكُ سوى الشّكل فقط. أنت لا تزال احتمالاً. أنت لا تزال بذرة قد تنمو وتُزهِرُ إنساناً. لسْتَ إنساناً بَعد. الإنسانُ بالنّسبة لك طيفٌ يُلَوِّحُ بيدِهِ واقِفاً عند الأفق البعيد، ودوْرُكَ أن تناديه لتلتَقيه وتُرَحِّب به.

 

هذا هو سرُّ وعِلم اليوغا برُمّته: إنه مساعدتك على التوَجّه بطاقتك وقوّة حياتك الكونيّة في جسدك، في صعودٍ عاموديّ  باتّجاه نقطة الأوميغا حيث يتمُّ تَحرير طاقتك الكونيّة المَهولة من تلك النّقطة وتَحَوُّلها: المادّة كاملة تتحوّلُ بطبيعتها إلى ألوهية، إلى قداسةٍ إلهية. وضعَت اليوغا الخريطة كاملة لهذه الرّحلة، رحلةُ حَجّ الإنسان الحقيقيّة: من الجنس إلى الوَعي الإلهي الكوني المُطْلَق. من الجنس إلى الإستنارة. من أوّل المراكز إلى أعلاها… إلى قمّتها… إلى ذُروَة التطوّر الوجودي: المقام/المركز السّابع Sahasrar.

يجبُ فَهم هذه الأسرار قبل دخول آيات السيّد المستنير “بتانجالي” الّتي بين أيدينا اليوم.

تُقَسِّمُ اليوغا الإنسان إلى سَبع طبقات أو مستويات… سبْع خطوات… سبْعة مراكز. المركز الأوّل هو muladhar، مركز الجنس، مركز الشّمس. والأخير، المركز السّابع، هو sahasrar، مركز الله، نقطة الأوميغا.

تتوجّهُ الطّاقة بطبيعتها وجوهرها من خلال مركز الجنس، نزولاً فتكون عندها صِلَتَكَ بالمادّة، ما تُسَمّيه اليوغا بprakriti: الطّبيعة. مركز الجنس هو علاقتك بالطّبيعة، بالعالَم الذي تركتَه خلفك، بالماضي. لن تتطوّر ما دُمْتَ تَحُدُّ نفْسَك وتُحَدّد هويّتك بمركز الجنس. سوف تبقى مكانك حيث أنت. سوف تبقى في حالِ وَصْلٍ بماضيك، مَفْصولاً عن المستقبل. قد حَصَرْتَ نفْسك هناك. هكذا أصبح الإنسانُ عالِقا عند مركز الجنس.

يظنُّ النّاس أنهم يفهمون ويعرفون كلّ شيء عن الجنس. ما عُرِفَ شيءٌ ذات قيمة بَعد، على الأقلّ ليس في أذهان أولئك الذين يظنّون أنفسهم بأنّهم يعرفون: علماء النّفس. يظنُّ علماء النّفس أنهم يعرفون، لكنهم يتعثّرون عند خطوةٍ أساسيّة جوهرية: معرفة أنّ الجنس بإمكانه أن يغدوَ حركة صعودٍ عاموديّة متّجهة إلى سابع مركز ومقام. لا زالوا لا يعرفون أنْ لا ضرورة لاستمرار طاقة الجنس بالتحرّك والتوَجّه إلى أسفل. إنها تتحرّك نزولاً إلى أسفل لأنّ آليّة الحركة نزولاً موجودة في الإنسان من الأساس. وهي موجودة في الحيوانات أيضاً، وفي الأشجار. لا شيء مهمّ في وجود هذا الشّكل لحركة الطّاقة في الإنسان إذاً. أهميّة الإنسان وتفرُّده وتميّزه يكمنُ في وجودِ ما هو أكثر من ذلك داخل تصميمه… في وجود ما هو غير موجود بَعد في النباتات والطّيور والحيوانات. جميعُهم مُقَدَّر لهم أن تتّجه طاقة حياتهم نزولاً إذ لا يوجَدُ داخل تصميمهم سُلَّم صعودٍ كونيّ.

هذا ما نَعنيه بالمراكز السّبعة: سُلَّم التطوّر. سُلَّمٌ موجودٌ فيك. أنت قادرٌ على الصّعود عالياً وعلى التوجُّه العامودي لأعلى، إن اخترْتَ هذا. فإن لم تَختَر الصّعود فسوف تستمرّ بالوقوع والهبوط إلى أسفل.

التطوُّر الكوني على موعدٍ مع الوعي… سوف يغدو التطوّر الكونيّ واعياً مع الإنسان، بسبب الإنسان. وكلُّ ما حولك قدّم لكَ المساعدة. قد أمسَكَتِ الطّبيعةُ يدَكَ وأحضرتْكَ عند هذه النقطة. من الآن فصاعداً، عليكَ أن تتحمّل مسؤوليّتك بنفْسِك. قد بلغَ الإنسانُ مستوى من التطوّر وما عادت مسؤوليّة الطّبيعة أن تهتمَّ به وترعاه. لذا، فإنْ لم يتصرّف الإنسان ويحيا بوعيٍ… وإذا لم يبذُلَ جُهداً واعياً لأجل أن يتطوّر… إذا رفضَ تحمُّل المسؤولية، فسوف يبقى عالِقاً.

والإنسانُ عالِقٌ مُحاصَرٌ بسبب مركز الجنس، مركز الشّمس.

قد اعتَنَت بكَ الطّبيعة في هذا المقام وساعدَتْكَ وكانت بمثابة أمّ لك. لكنّك لم تعُدْ طفلاً، ولا يُمكنُ للطّبيعةِ أن تُبقي رأسك فوق صدرِها مانحةً إيّاك كلّ رعايةٍ واهتمام. توَجَّبَ عليْكَ أن ترفعَ رأسكَ وتقفَ على قدميْكَ وتمشي طريقك بنفْسِكَ. هذا نداءُ الطّبيعة التي دَعَتْكَ للرّحيل عن صدرها، لأن تعتمدَ على نفْسِكَ. لكنّك ما سَمِعْتَ النّداء. أمّا مَن سمعوا النّداء، فقد تحمّلوا مسؤوليّتهم وأصبحوا كياناتٍ إلهيّةٍ مستنيرة.

مركزُكَ الأوّل يمنحُكَ هذا الخَيَار. مركزُكَ الأوّل قادر على التحوُّلِ بوّابةً تعبُرُ منها فتتوجّه صعوداً. لذا أوّل شيء عليك فَهمه اليوم هو أن تعلَم أنك لا تعرف شيء عن حقيقة الجنس الكليّة. أنت لا تفهم ما هو الجنس.

وأوَدُّ أن أخبركَ بأن ما مِن أحد يعرفُ كلَّ شيءٍ عن الجنس بَعد. ما لم تكتشف الله وتختبره فإنّك لن تعرف عن الجنس أيّ شيء، لأنّ الله هو الإزهار الأخير، هو العطر الأخير للطاقة الجنسية… الله هو التحوُّل النّهائي المُطلَق للطّاقة الجنسيّة. ستبقى جاهلاً حقيقة الجنس ما لَم تعرف مَن تكون حقّاً. لن تعرف سوى جزء منه، جزء الشمس فقط. حتّى جزء القمر أنت لا تعرف عنه شيئاً بَعد. على عِلْم الطّاقة الأنثويّة أن يتطوّر إذ أنه لا يزال ثابتاً دون حِراك. كلّ ما قام به فرويد Freud و Jung و Adler وغيرهم، بقيَ مُتمركزاً حول الرّجل. وتبقى المرأة المساحة المجهولة التي لم يكتشفها أحد. مركز القمر لا يزال مجهولاً… حتى مركز القمر لم يصبح حقيقة معروفة بَعد.

قد زارت القليل من البشر بضعةُ لمَحات، مثل Jung، بينما بقيَ فرويد عالِقاً في مركز الشّمس تماماً. أمّا Jung فقد تقدّم باتّجاه القمر خطوات قليلة. تقدّم والتردُّد يُساوره بالطّبع لأنّ العقل مُدَرَّب على اتّباع المنهج العلميّ، والتوجُّه باتّجاه القمر يعني دخول عالَمٍ يختلفُ تماماً عن العِلْم. إنه دخولٌ لعالَم الأسطورة، ودخولٌ لعالَم الشّعر والخيال. إنه دخولٌ لعالَم اللّا منطق واللّا سبب.

سأخبِرُكَ بشيء. قد كان فرويد عالقاً في مركز الشّمس بينما مالَ Jung قليلاً نحو القمر، وهذا سبب غضب فرويد الشّديد من تلميذه Jung. جميع أتباع فرويد ينزعجون من Jung إذ يبدو الأمر وكأنه خانَ سيّده.

دائماً ما يشعرُ الشّخص المتجذّر في الشّمس بأنّ المتجذّر في القمر هو شخص خطير. يمتطي الشّخص المتجذّر في الشّمس حصان المنطق، بينما يبدأ المتجذّر في القمر بدخول المتاهات… يتجوّلُ في عوالِم فسيحة لا يحدّها منطق أو سبب. عوالِم لا استنتاجات ولا خلاصات فيها. كلُّ شيءٍ فيها حيّ، لكن لا استنتاج ولا خلاصة بشأن أيّ شيء.

والمرأة هي خوف الرّجل الأعظم. يشكُّ الرّجل أنّ الموت – بطريقةٍ أو بأخرى – سوف يأتي من خلال المرأة، لأنّ الحياة قد أتت منها أيضاً. كلّ إنسان وُلِدَ من إمرأة. عندما تكون المرأة مصدر الحياة، فلا بدّ للموت عندها أن يأتيَ منها بطريقةٍ أو بأخرى. دوماً ما تُلاقي النّهاية البداية. عندها فقط تكتملُ الدّائرة.

الميثولوجيا الهندية في الهند اكتشفت هذا السرّ. لا بدّ لكَ وأن رأيتَ صورَ أو تماثيل الأمّ Kali، التي ترمزُ للعقل الأنثوي. تبدو وهي ترقص على جسدِ زوجها شيفا Shiva. لقد رقصَت بشكلٍ فظيعٍ لدرجة أنّ شيفا مات بسبب الرّقصة. مات شيفا وهي مستمرّة في الرّقص. العقلُ الأنثويّ قتلَ العقلَ الذكريّ: هذا هو معنى الأسطورة.

ولماذا رُسِمَت باللّون الأسود؟ إنه سبب تسميتها بKali: Kali تعني الأسوَد. ولماذا هي في غاية الخطورة؟ تراها تحملُ في يدِها رأساً قُطِعَ لتوّه بينما تتدفّق منه الدّماء. إنه تشخيصٌ للموت. وهي ترقصُ بشغف وجموح فوق صدرِ زوجها. الزّوج ميت وهي تتابع رقصتها بنشوةٍ عظيمة. لماذا هي سوداء؟ لأنّ الموت يوقِظُ في الأذهان اللّون الأسود… الموتُ مطبوعٌ في الأذهان بلونٍ أسودٍ حالِك كظلام اللّيل.

ولماذا قتَلَت زوجها؟ القمرُ يقتلُ الشّمسَ دائماً. ما إنْ يستيقظُ القمر داخل كيانك حتّى يموت المنطق. لا يمكن للمنطق أن يبقى. لا يمكن للتّحليل العقلاني الفكري أن يبقى. قد بلغْتَ الآنَ بُعداً مختلفاً تماماً.

المنطق يخشى هذا البُعد دوماً. والرّجل يشعرُ بهذا الخوف بسبب تجذُّره في المنطق. ألم تلاحظ كم يجد الرّجل صعوبة في فَهم المرأة وعقل المرأة؟ الأمر نفْسه ينطبق على المرأة إذ تشعرُ بذات الشّيء. تشعرُ بأنها غير قادرة على فَهم الرّجل. هوّةٌ شاسعة موجودةٌ بينهما وكأنّهما لا ينتميان إلى بشريّةٍ واحدة.

الرّجلُ عاجزٌ عن فَهم المرأة، وكذلك المرأة عاجزة عن فَهم الرّجل: تماماً مثل الشّمس والقمر. حضورُ الشّمس يعني غياب القمر، وغياب الشّمس يعني حضور القمر. اللّقاء بينهما لا يتمّ. عندما يستيقظ حدسك، يغيب المنطق داخلك. حدسُ النّساء أقوى من حدس الرّجال. لا يمْلُكنَ تفسيراً لما يشعُرْن به، لكنّ حدسهنّ دائماً وفي أغلب الأوقات صحيح.

كثيرٌ من الرّجال أتوا إليّ قائلين: “هذا غريب، لأننا عندما نكون على علاقة مع نساء غير زوجاتنا، فإنهنّ يعْلَمْنَ بطريقةٍ أو بأخرى. لكننا لا نتمكّن أبداً من معرفة ما إذا كانت زوجاتنا تُقِمْنَ علاقاتٍ مع رجال آخرين أم لا.”

تحيا المرأة من خلال حدْسِها وما يخبُرها به قلبها. لن تستطيع أن تقدّم تحليلاً منطقيّاً لكنها وبكلّ بساطة تشعرُ بالأمور… تشعرُها وتحدُسها بعمقٍ شديد لدرجة تكاد تصبحُ حقيقةً في نظرها. لأجل هذا السبب يعجزُ الأزواج عن هزيمة زوجاتهم في الجدال. المرأة لن تصغي لنقاشك وجدلك وسوف تصرّ أنّ ما تشعرُ به حقيقيّ. وأنت تعلَم أيضاً أنه حقيقي، إلّا أنك تستمرّ بحماية أناك. وكلّما تماديْتَ في حمايةِ نفْسك والتسَتُّر على ما فعَلْت، كلّما تأكّدت المرأة من صدق إحساسها.

يجب أن يتطوّر علْم النّفس الأنثوي. لن يرتقي علْم النّفس مقامَ العِلْمِ حقاً ما لم يتمّ تطوير علم النّفْس القمري (المختصّ بطاقة القمر، طاقة الأنثى).

علْم النّفْس القمري سيكون جامِعاً مُوَحِّداً، بينما علْم النّفس الشّمسي يُفَسِّر ويُقَسِّم ويُشَرِّح ويُجادل ويُثبِت. وهناك إمكانية لبلوغ علوم نفْس أبعد من هذه الأبعاد. إنها ما أسمّيه بعلْم نفْس المستنير. فرويد كان عالِم نفْس مختصّ بطاقة الشّمس، بينما مالَ Jung نحو علْم نفْس طاقة القمر، واهتمّ Assagioli بالشّمس والقمر. أما المستنير فهو طاقة الشّمس زائد طاقة القمر زائد طاقة الأبعد من الأبعاد والطّاقات. لاحقاً، سوف أشرحُ لكَ ماذا أعني بالأبعد من الأبعاد والطّاقات.

الشّمس زائد الأبعد من الأبعاد: بتانجالي احتوى هذا الإختبار، ماهافيرا، واليوغا. اللّغة التي يستخدمونها هي لغة الشّمس، بينما التجربة التي اختبروها هي تجربة الأبعد من الأبعاد.

الشّمس زائد القمر زائد الأبعد من الأبعاد: التانترا حوَت هذا الإختبار، وشيفا. التجربة هي تجربة الأبعد من الأبعاد، بينما التعبير اللّغوي استخدم لغة الشّمس والقمر سويّاً.

القمر زائد الأبعد من الأبعاد: Narad حوى هذا الإختبار، Chaitanya، Meera ميرا، ويسوع المسيح. التجربة هي تجربة الأبعد من الأبعاد، بينما التّعبير اللّغوي استخدم لغة القمر.

الأبعد من الأبعاد وحده: بودهيدارما حوى هذا الإختبار، لاوتسو، شوانغ تسو، وعِلْم الزّن Zen. هؤلاء لا يؤمنون بأيّ تعبير لغوي، لذا لا يحتاجون لغة الشّمس ولا لغة القمر، لأنهم يقولون بأنّ جميع اللّغات عاجزة عن التعبير. يقول لاوتسو: “التّاو (الحقيقة المُطْلَقة) الذي بالإمكان أن يُقال، ليس بالتّاو أبداً. الحقيقةُ الّتي يُعَبُّر الكلامُ عنها هي من الأساس كذبة، إذ لا كلام يعبّرُ عنها.”

يتبع…

أوشو المستنير الحبيب عن علوم آيات السيّد المستنير بتانجالي في أسرار لقاء الشّمس والقمر

احتفال من قلب وحال بشار عبدالله



المكتبة - إدعم الموقع Donate - دورات تعليمية - تنويه من القلب
Designed & Hosted by CoolesTech