أنت الآن تقرأ في قسم: أديان, شاطئ الإستنارة

أوشو: المقامات والشّاكرات قادرة على تغيير مكانها وموقعها، الشّهادة على فَلَك العالَم الداخليّ-3-

أوشو: المقامات والشّاكرات قادرة على تغيير مكانها وموقعها، الشّهادة على فَلَك العالَم الداخليّ-3-

ج1

ج2

 

يَرِدُ في هذا المقال مُصْطَلَح “سامياما” وهو يعني التركيبة الأعظم للوعي البشري. لفَهم هذا المُصْطَلَح يُرجى قراءة هذا الجزء من سلسلة “أسرار الموت والكارما”: هنا

 

يقولُ السيّد المستنير “بتانجالي”:

تُكْتَسَبُ معرفة حركة النّجوم بتطبيقِ سامياما على النّجم القُطبي“.

وما هو النّجم القطبي الذي فيك؟

النّجم القطبي هنا هو رمز جداً عميق. إعتُقِدَ في علْمِ الأساطير بأنّ النّجم القطبيّ هو النّجم الوحيد الذي لا تصدر عنه حركة، أي أنه لا يتحرك بتاتاً. هذا كلام غير صحيح. النّجم القطبي يتحرك ولكن ببطءٍ شديد. ويبقى الرّمز موجوداً في هذه الآية بحسب الميثولوجيا القديمة: عليكَ أن تجدَ شيئاً بداخلك لا حركة له على الإطلاق. هذا الذي لا يتحرّك ولا يتغيّر ولا يتبدّل هو طبيعتك ولا شيء غيرها، هو كيانك ولا شيء غيره: هو جوهر كما النّجم القطبي… جوهرٌ لا حركة له على الإطلاق، إذ تتجلّى الأبديّة في غياب الحركة، ويتجسّد الوقت والزّمن في حضورها.

تحتاجُ الحركة زمناً/وقتاً يتجسّد، بينما تسترخي اللا-حركة في حضرة الأبدية خارج الزمان. حركتُكَ تُوَلِّدُ بدايةً ونهاية، وتَنسِجُ خيوط الولادة والموت. في غياب الحركة تتجلّى أبديّتك بِلا بدايتها ولا نهايتها حُرّة من قيد الولادة والموت.

أين هو النّجم القطبيّ فيك؟ هذا ما تسمّيه اليوغا بsakshin، أي الشّاهِد. الشّاهِد هو النّجم القطبي. عليكَ أوّلاً بتركيز “سامياما – وعيك المُطْلَق” على الطّاقة الشمسيّة لأنّك موجودٌ بيولوجياً، بفطرتك عند هذا المقام. هذا المقام هو المكان الذي تعي نفسك فيه. عليكَ بتحويل هذه الطاقة الشمسيّة إلى طاقةٍ قمريّة: أن تقترب من الهدوء أكثر، من الثّبات، من العُمق والسّلام الداخلي. دَع اللّهب والحماس والإثارة الزّائدة تودّعك وترحل… دَعها تتبعثر وتتشَتّت حتّى تتمكّن أنت من مراقبة سماء عالَمك الداخليّ. وأوّل ما عليك إيجاده عندها هو: مَن هو الشّاهِد. مَن هذا الذي يُراقِب ويُشاهِد؟ هذا هو النّجم القطبيّ لأنّ الشّاهد هو الوحيد الذي لا يتحرّك بداخلك.

دَعني الآن أشرحُ لك. لنفتَرض أنك في حالة غضب. لن يرافقَكَ هذا الغضب للأبد. حتى أكثر النّاس غضباً تزورهم لحظاتٌ يبتسمُون فيها، وأكثر النّاس حُزناً تزورهم لحظاتٌ يبتسمُون فيها. لا يمكن للعواطف أن تكون ثابتة أبديّة لا تتغيّر ولا تتبدّل. هذا أصل كلمة عواطف باللغة الإنجليزية Emotions من كلمة motion  أي الحركة. العواطفُ لا تستقرُّ على حال وهي في تغيّر مستمرّ. الحزنُ يتبدّلُ فيصبحُ سعادةً، ثمّ تلي السّعادةَ لحظةٌ يزوركَ الغضبُ فيها، بعدها تقرَعُ الرحمةُ على أبوابك… أحياناً تملأ المحبّة قلبك وأحياناً أخرى تتلبّد سماؤك بالكراهية… تستيقظُ يوماً وأنت ترى كلّ شيء غاية في الجمال، وفي يومٍ آخر لا ترى سوى القبح في كلّ مكان. وهكذا…

 

إستحالة أن تكون هذه طبيعتك، إذ خلف هذه المتغيِّرات أجمَع، لا بدّ من وجود شيء مثل الحَبْل يُمْسِكُ بهذه الأحوال المُتَقَلِّبة ويجمعها قربَ بعضها البعض مثلما يُمسِكُ الإكليلُ الأزهار. لا بدّ من وجود حبل وإلّا لانْهَرْتَ وتبَعْثَرْتَ ولَما تمكّنتَ أبداً من لَمِّ شتات نفْسك. أنت تتابع مسيرتك الكونيّة ككيانٍ أبديّ، فما هو هذا الحبل؟ ما هو هذا النّجم القطبيّ؟ ما هو الأبديّ الثّابت الذي لا يتغيّر فيك؟

 

هذا هو سرّ الدين. ليس الدّين سوى رحلة البحث عن الأبديّ الثّابت الذي فيك. إستمرارك بتوجيه اهتمامك وبانشغالك بما يتغيّر ويتبدّل فيك يعني أنك لا زلتَ أسيراً للعالَم. في اللحظةِ التي تغيِّرُ فيها اهتمامك فتوجّه انتباهك وبحثك نحو الأبديّ الثابت الذي لا يتغيّر فيك، أنت تصبحُ متديِّناً.

 

Sakshin الشّاهد. بإمكانك أن تشهدَ على غضبك، على حزنك، على قلقك، على نعمتك. ويبقى الشّاهدُ كما هو دون تغيير.

تُكْتَسَبُ معرفة حركة النّجوم بتطبيقِ سامياما على النّجم القُطبي“.

طلَبَ “بتانجالي” تركيز “سامياما – وعيك المُطْلَق أو كامل وعيك” على القمر فتبلغ بها معرفة أنظمة النّجوم. أمّا بتطبيق “سامياما” على النّجم القطبيّ، فسوف تكتسب معرفة حركة النّجوم. طبيعة الحركة أنها لا تُعَرِّف عن نفْسها إلّا في حضورِ ضِدّها المُعاكس وهو الثّابت الذي لا يتحرّك. يستحيل الكَشف عن وجود الحركة في غياب الثّابت، إذ على الأساس الثّابت أن يوجَد حتّى تُفْقَه الحركة وتُكتَشَف.

هذا هو سبب عدم شعورك بحركة دوران الأرض. تدورُ الأرض بسرعةٍ لا تستطيع أن تتخيّلها. الأرض مثل مركبة فضائية. الأرض تتحرّك باستمرار: تدور حولَ نفْسها، حول مركزها، وفي الوقت نفْسه تدور بسرعةٍ حول الشّمس. وأنت لا تشعر بهذا الدّوران لأنّ كلّ شيء آخر يدورُ بالسّرعة نفْسها: الأشجار، البيوت، أنت وكلّ شيء.

تدور الأرض بسرعةٍ مَهولة، لكن من أجل الشّعور بحركتها تحتاجُ أساساً لا حركة له، تحتاجُ أساساً ثابتاً لا يتحرّك. هذا سبب جهل الإنسان لأنّ الأرض تدور إلى أن اكتشف غاليليو و كوبرنيكوس         هذا الأمر منذ 300 عام فعرفَ العالَم أنّ الأرض تدور. قبل ذلك اعتقدَ الجميع أنّ الأرض هي المركز الثّابت الذي لا يتحرك، وأنّ كلّ شيء آخر في العالَم: جميع النجوم، والشمس والقمر… جميعها تتحرّك.

ينطبق الأمرُ نفسه داخلك. كلُّ شيءٍ يتحرّك بداخلك عدا الشّاهِد. عدَا وعيك، فإنّ كلّ شيء فيك يتغيّر ويتحرّك باستمرار. ما إن تتعرّف على هذا الشّاهِد حتى تتمكّن من رؤية مدى السّرعة التي يتحرك بها كلّ شيء فيك.

عليكَ الآن بفَهْمِ شيءٍ مُعَقَّد للغاية. للآن، على سبيل المثال، كنتُ أتحدّث بلغة مفرداتها تُشير لأنّ المراكز بداخلك تبدو وكأنها ثابتة. ليس هذا حالها. أحياناً يتحرّكُ مركزُ الجنسِ في الرّأس، فيصبحُ العقلُ مُستثاراً يفكّرُ بالجنس. يفكّر ويفكّر ويتخيّل أموراً ومواقف تخصُّ الجنس. أحياناً ينتقلُ مركز الجنس إلى يديْك فترغب بلَمْسِ إمرأة أو ترغب المرأة بلمْسِ رجُل. وأحياناً ينتقلُ مركز الجنس إلى عينيْك فتُحَوِّل أيّ شيءٍ تراه إلى أداةٍ للجنس. تُصبحُ عيناك كشريط بورنو مُصَوَّر. وأحياناً ينتقلُ المركز إلى أذنيْك، فيتحوّلُ كلّ ما تسمعه صوتاً جنسيّاً.

 

يحدثُ أن تذهبَ إلى معبدٍ تُصغي فيه لتلاوة الصّلوات والإبتهالات والمُناجاة، وتشعرُ بأنك مُستثارٌ جُنسيّاً إذا كان مركزك موجوداً في تلك اللحظة داخل أذنيْك. وفي بعض الأحيان قد تكون جالساً مع صديقتك، حبيبتك أو زوجتك وهي ترحِّبُ بك وتريدُ ممارسة الحبّ معك إلّا أنك لا تشعر بمَيْلٍ لممارسة الجنس أبداً: مركز الجنس غير موجود عند مركز الجنس حيث يجب أن يكون. يحدثُ في بعض الأوقات أنّك وعندما تتخيّل في رأسك مشاهد وسيناريوهات ووضعيّات عن الجنس، تشعرُ بالمُتعة بشكلٍ كبير، وعندما تمارس الحب مع إمرأة حقيقية، لا تشعرُ بشيءٍ على الإطلاق.

ما الذي يحدث؟ أنت لا تعرف أين هو مركزك. عندما تصبحُ شاهِداً سوف تعي مكان المركز، وعندها يصبح بإمكانك فِعْل الكثير.

عندما يكون المركز داخل أذنيْك سوف يمنحها طاقةً. هذه هي اللحظات التي تفتحُ لكَ باب الفُرصة حتّى تقوم بتدريبِ الأذن فتكون موسيقيّاً حَسَّاساً دقيقاً. وعندما يكون داخل عينيْك، فهي اللحظات التي بإمكانك أن تغدو بين أحضانها رسّاماً، فنّاناً. عندها تنظرُ إلى الأشجار فتجدها أكثر اخضراراً. وعندما يكون مركز الجنس في اللسان تغدو أنت متحدِّثاً عظيماً تكاد النّاس تُنَوَّم مغناطيسيّاً في حضرته. كلمةٌ واحدة منك قادرة على اختراق قلوب السّامعين. إذا كان مركز الجنس في عينيْك سيكون لنظرَتِك أثر التّنويم المغناطيسي لمَن تنظر في عينيْه. وعندما يكون مركز الجنس في يدك فالمِس أيّ شيء وسوف ينقلبُ ذهباً لأنّ طاقة الجنس هي الحياة.

الأمر نفسه ينطبقُ على القمر.

لا شيء في هذه المراكز ثابت. نعم في العادة توجدُ هذه المراكز في أماكن معيّنة لكن لا شيء ثابت. كلّ شيء يدور.

إذا كان مركز الموت يدورُ في يديْك وكنتَ طبيباً مُعالِجاً، إعطِ المريض الدّواء ومع ذلك سوف يموت. إفعل ما تشاء لكنك لن تستطيع إنقاذ مريضك. يقولون في الهند “هذا الطبيب يمتلكُ يديّ المُعالِج الشّافي”، أما عن طبيبٍ آخر فيقولون “لا تقتربوا منه، فالمرض البسيط يصبح عظيماً معه وأسوء من ذي قبل”.

يصبحُ اليوغيُّ يقِظاً مُنتَبِهاً. في ال Ayurveda (النظام الهندوسي للشّفاء)، والذي تطوّر مع اليوغا جنباً إلى جنب في الهند القديمة، كان على الطّبيب المُعالِج أن يكون يوغيّاً أيضاً. ما لم تكُن يوغيّاً فإنّك لن تكون طبيباً مُعالِجاً حقيقياً. لن تكون لديك قدرة على أن تشفي أحد فعلاً. على المُعالِج أن يراقب ويشاهد ترتيب أنظمته الحيوية الداخلية أولاً قبل أن يذهب للمريض ويعالجه. فإذا كان مركز الموت في يديْه، فإنّه لن يذهب. أو إذا كان مركز الموت في عينيْه، لن يذهب. يجب أن يكون مركز الموت في الهارا hara وأن يكون مركز الحياة في يديْه… عندها سوف يذهب. يجب أن تكون الأنظمة الداخليّة في مكانها الصّحيح.

ما إن تعرف عالَمك الداخليّ حتى تُتاح لك أشياءٌ كثيرة. لعلّك شهدْتَ على حدوث مثل هذا الأمر إلّا أنك لم تعرف ما الذي يحصلُ حقاً. أحياناً ودون أن تفعل أيّ شيء، تجدُكَ تنجح في كلّ ما تقوم به. وفي بعض الأحيان تبذلُ مجهوداً شاقّاً دون أن تفلَح في أيّ شيء… دون أن تذوق طَعم النّجاح في أيّ شيءٍ تفعله… كل شيء يفشل معك. أنظمتك الداخليّة غير مُرَتّبة وليست في مكانها الصّحيح. أنت تعمل وتتصرّف من المركز الخاطىء.

عندما يذهب المُحارب إلى حرب، يجب أن يكون مركز الموت في يديْه. عندها سوف يقتل ببساطة شديدة. عندها سيكون هو وجه الموت وقد تجسّد على الأرض. هذا معنى “العين الشرّيرة”: الإنسان الذي تمركز مركز الموت لديه في العينيْن. إذا نظر إليك سوف يودي بكَ إلى التّهلُكة. نظرته لَعنة بحدّ ذاتها.

وهناك أناس تمركز مركز الحياة في عيونهم. ينظرون إليك فتشعر بنعمة وكأنك تبارَكْت.

يتبع…

أوشو المستنير الحبيب عن علوم وأسرار آيات السيّد المستنير بتانجالي في فلك الإنسن الداخليّ

احتفال من قلب وحال بشار عبدالله



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech