أنت الآن تقرأ في قسم: إنسان, جسد / فكر

فرانك م.واندرر: خِدَع الأنا الروحيّة

فرانك م.واندرر: خِدَع الأنا الروحيّة

هو سؤالٌ قد يظهرُ بداخلِ كلِّ واحدٍ منّا، حول ما إذا كانت الأنا الروحيّة داعمة للتطوُّر والتقدُّم الروحي أم أنّها عائق في وجهه.

هل هي قادرة على عرقلة عملية النموّ والسموّ الروحي؟ وإنْ كان الردّ بالإيجاب فكيف تفعل هذا؟ بالنسبة لنا، الأنا الروحية قادرة على تقديم عدد لا يُعَدّ ولا يُحصى من الخِدَع في حياة الباحث الروحي. وتتجسّد هذه الخدع الروحية عبر العديد والمختلِف من ألعاب العقل الروحية.

أدناه شرح لأهم هذه الألعاب.

لعبة العقل الخاصّة بتطوير الذات:

يقول العقل الذي تحكمه الأنا:

“إبحث عن الحقيقة!  طوِّر شخصيتك حتى تغدو محنّكة راقية رفيعة المستوى قدْر الإمكان! كُن روحانياً!”

ويستمرّ العقل الذي تحكمه الأنا بتزويد صاحبه بالمزيد من البرامج الجديدة:

“إفعل هذا! إفعل ذلك! عندها سوف تُحَلُّ جميعُ مشاكلك.”

تحاول أن تطيعه، إلا أنك في وقتك الحاليّ تضيّع حياتك بأكملها.

إنّ تطوير الشخصية هو واحد من أخطر أفخاخ رحلتنا على درب الحقيقة المطلقة. وكلّما غذّيناه بالطاقة، مثلما نفعل عندما نهتم بإعداد ديكور قناعنا الروحي، كلّما ازداد اتّحاد هويتنا به وبات أقوى، وكلّما أصرّينا على الالتصاق به لدرجة نصبح معها عاجزين عن هجره في نهاية المطاف.

بهذه الطريقة، فإنّ تطوير الذات يقوم بصَقْلِ الأنا وتلميعها لتصبحَ أكثر لمعاناً وتوهّجاً وأكثر إبهاراً.

حقيقة الأمر هي أنّ الأنا هي مَن تشجّع صاحبها على بدء رحلته الروحية. إنها آليّة دفاع موجَّهة من العقل. وتحجِبُ عن مرآة وعينا احتمالية حدوث تغيُّر داخلي حقيقي بداخلنا، إذ تضيفُ قناعاً جذاباً جديداً إلى مجموعتنا.

كُن واعياً لأنّ الحقيقة موجودة بداخلك من الآن… هنا والآن في اللحظة الحاضرة.

لن يفعل البحث شيئاً سوى إبعادك عن الحقيقة أكثر وأكثر، لأنّ البحث إمّا أنْ يسعى ويصوِّب سِهامه باتجاه المستقبل، وإمّا أن يقدِّم لكَ حقائقَ قديمة مهجورة مُهمَلة مكانها الماضي.

لعبة العقل المَدعُوّة: “أريد بلوغَ الاستنارة”:

نسمعُ الكثير اليوم عن الاستنارة، فتولدُ الرغبة ببلوغها في داخل كثيرين.

إلّا أننا علينا أن نسألَ أنفسنا:

مَن هذا الذي يريدُ بلوغَ الاستنارة؟

هي الأنا وبكلِّ وضوح.

الأنا التي لطالما تاقَت للقوّة والمال، قد وقَعَت الآن في غرامِ فكرةٍ جديدة:

الاستنارة.

الأنا تريد أن تصبحَ مستنيرةً، وتنوي مَدَّ سلطتها في هذا الاتجاه.

تولد الرغبة في الاستنارة بداخلها، إلّا أنّ هذه الرغبة هي نفسها مَن يُبعدُها ويحملها بعيداً عن الاستنارة.

ليس بالإمكان أن ترغبَ في شيءٍ إلّا إذا كان خارج نفْس الفرد، لذا نسعى للبحث عن الاستنارة خارج أنفسنا. لن نجدها خارج أنفسنا أبداً. الاستنارةُ جوهر ولبّ ومعدَن نفْسنا. نحن مستنيرون بفطرتنا الأصلية الأصيلة.

لا وجود لشيء بالإمكان إضافته للذات الداخلية بما أنها مثالية أصلاً. ما الذي باستطاعتنا فعله إذاً؟ كأنا، علينا نسيان الاستنارة، إذ لا وَصل بيننا وبين الاستنارة طالما نحيا كأنا.

علينا أن نتعامل مع واقع كوْننا: الأنا.

على درب رحلتنا علينا أن نفهم الأنا، طبقة تليها طبقة، ومستوى يليه مستوى. فإن أصبحنا أنا ناضجة سيكون بإمكاننا فكّ هويتنا من أنفسنا فنستسلم ونُسلِّم أنفسنا وأنواتنا.

كنتيجة لمشاهدَتنا، فإننا دوماً ما نجدُ طبقاتٍ وطبقات جديدة من الأنا، ونصبح أكثر وعياً لها، فنتمكّن من التخلّي عن الطبقات التي ألصقنا هويتنا بها. بهذه الطريقة نكتشف أنّ الرغبة هي طبقة واحدة من طبقات الأنا. ستزورنا لحظة، بعد أن نكون قد قمنا بتعرية الأنا بكاملها، لا يبقى من هذه الأنا شيء.

تلك لحظة الاستنارة.

الاستنارة تعني انسجامنا مع الوجود، ومع اللحظة الحاضرة أيضاً.

لعبة العقل المَدعُوّة: “أريد السّلام والطّمأنينة”:

إنه العقل الذي تحكمه الأنا مَن يتوق للسلام والطمأنينة. يريد أن يكون في حال سلام وقوّة حتى يفتح صمته الداخلي بوابةً لما لا شكل له.

يغذّي العقل الأمل اللاواعي بأنّ وجوده سوف يستمر في أحضان ما لا شكل له، بطريقةٍ أو بأخرى.

لأجل هذا السّبب يسعى الكثيرون لاختبار تجربة روحية خلال رحلتهم.

في الحقيقة، يستحيل التقاء الأنا والصمت، الأنا والتوحُّد. حيثما يحضُرُ أحدُهم، يغيبُ الآخر.

العقل الذي تحكمه الأنا قادر على خَلق ما يُشبه الصّمت والطمأنينة، أي فراغ ميْت، وهو قادر بمجهود قوة الإرادة، على الاحتفاظ بهذا الفراغ لفترة من الوقت. ولكنه ليس بهدوء وسكون الصمت الداخلي الذي ينبضُ بالحياة، ولا بهدوء وسكون سلام وطمأنينة يعُجّان بفرح الوجود ومرحه.

هي مجرد صورة عن هذا النوع من السلام أنجزها العقل وخلقها.

لن نتمكن من اكتشاف صمت التوحُّد بالوجود الموجود داخل الكيانات الحية أصلاً (حيث أنه ذاتهم الحقيقية)، إلّا إذا تخلَّينا عن توقّعات ورغبات وآمال، إلخ… عقولنا التي تحكمها الأنا.

الحَدّ من ألعاب العقل:

الوعيُ شرط لا غنى عنه حتى نكشف الأنا ونبلغ صحوةً على درب رحلتنا.

بدونه مُحال أن نراقب أنفسنا.

على الحضور الشّاهد المُراقب أن يكون موجوداً دوماً.

لن يفهم العقل أيّ شيء يتجاوزه أبداً. لكنه يحاول وسوف يفسّر كلّ شيء من منظور منفصل تماماً عن حقيقة ما يحدث. سوف يفسّر من منظورٍ يشغُلُ حيّزاً داخل استمرارية الزمان والمكان.

وعندما يتمكن الإنسان من بلوغ مستوى يتجاوز هذا المنظور المنفصل ويفك هويته التي تحدده بالعقل، سوف يكتشف هذا الحال العقلي المبرمَج وسوف يتجاوزه أيضاً.

في هذا الحال لن يحدد الإنسان هويته بالعقل، بل سيزداد انصهار هويته بالوعي (الحضور الشّاهِد).

عندها سوف يكتسبُ الوعيُ سلطةً على العقل ويتزايد مدى هذه السلطة، وسوف يتمّ التعبير عنها من خلال العقل.

 

Frank M.Wanderer

PowerOfConsciousness

من كتاب The Biggest Obstacle to Enlightenment: How to Escape from the Prison of Mind Games?

فرانك الحائز على شهادة الدكتوراه هو أستاذ في علم النفس، باحث وكاتب في الوعي.

احتفال من قلب بشارعبدالله



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech